لتعزيز حضور المرأة في المجتمع تُعطى النساء نسبة تمثيل في المؤسسات المختلفة لا تتجاوز النصف في أفضل الأحوال. يعتبر واضعو هذه القوانين والتشريعات خطوة نحو التقدمية وإيمانًا منهم بأهمية دور المرأة وضرورة الاهتمام به، وبما أن هذه القوانين غالبًا ما توجد في دول العالم الثالث ومنها منطقتنا العربية، فأصحابها يستدلون بها أمام الغرب على جهودهم في ترسيخ دعائم المساواة والتي تعد دليلًا على الديمقراطية والتحضر.

لست أنكر أنّ حال المرأة في هذه المجتمعات مليء بالمشاكل ويحتاج إلى تقويم ابتداء من الأمور الاعتيادية التي تمس حياة جميع النساء في المجتمع بعيدًا عن مستواهم العلمي أو المعيشي، لكنني لا أجد أن قوانين «الكوتا» مجدية على المدى البعيد. إنّ فكرة «الكوتا» ترسخ فكرة اتخاذ النوع عاملًا في تقييم قدرة الشخص على تحمل المسؤولية وعلى عدم قدرة المرأة على منافسة الرجل بكفاءتها دون الحاجة لإعطائها نسبة تمثيلٍ معينة.

ثانيًا فإن هذه التشريعات تنتشر في دول يغيب فيها أبسط التشريعات والقوانين التي ترسخ مبادئ المساواة والقضاء على التمييز وحماية حقوق المرأة، بل الأنكى أنها أحيانًا تقنن الممارسات المنتشرة في هذه المجتمعات في الاعتداء على حقوقها والإساءة لها، وفي ظل هذا الوضع لا تصبح الكوتا سوى ديكورًا لا ينتفع به سوى نسبة بسيطة من النساء.

الأصل في إعطاء المسؤولية لأشخاص أن يكون على أساس مؤهلات الشخص وكفاءته بعيدًا عن مسائل العرق أو الدين أو الجنس وعلى هذا الأساس يجب ألا يحدد تمثيل أي جنس بنسبة معينة؛ لأن هذا يكرس فكرة اتخاذ جنس الشخص معيارًا في الاختيار؛ كما أنه في ظل وجود نسب تمثيل محددة لن تنافس النساء الرجال، بل تتنافس النساء فيما بينهن على النسبة المحددة، وهو تكريس للفصل واللامساواة.

في المقابل فإن تكريس مبدأ الكفاءة فقط في الاختيار سيكون نتيجته أن تتراوح نسب تمثيل الرجال والنساء من وقت لآخر وأن تكون مناصفة في المتوسط؛ لأن الذي يحدد قدرة تقلد الشخص المسؤولية من عدمه هو كفاءته فإذا كانت النساء أكثر كفاءة من الرجال في مرة كان تمثيلهن أعلى والأمر سيان للرجال. قد تكون الكوتا حلًا لمسألة تمثيل المرأة في المجتمعات الذكورية، لكنها حل قصير الأمد وله عواقب على المدى الطويل فهو يؤطر دور المرأة في النسبة المعطاة لها.

تجدر الإشارة أن الكوتا قد تكون ضرورية في بعض المؤسسات التي تتطلب طبيعة عملها أن يتواجد النساء و الرجال بنفس النسبة أو في المؤسسات التي قد يعرضها عدم وجود مناصفة لحملات الاتهام بالرجعية والعنصرية إن كان تمثيل المرأة في مرة من المرات أقل من الرجل. الحل لإيجاد المساواة في التمثيل كجزء لتحقيق المساواة هو باتخاذ خطوات تحارب الفكر الذكوري وتحمي وتمكن المرأة.

في الوقت الذي تتطبق فيه سياسات كوتا النساء في بعض الدول العربية تغيب التشريعات التي من شأنها حل مشكلة اللامساواة فعليًا. إن تمكين المرأة يبدأ أولًا من ضمان حقها في التعليم و تغيير العقلية التي تسيطر على العائلات التي تمنع بناتها من الحصول على نفس التعليم الذي يحصل عليه أبناؤها وبمحاربة التمييز في الوظائف وبصون حقها في تقرير حياتها طالما أنها أصبحت راشدة وسن القوانين التي تشجع على ذلك.

إن المجتمع الذي يُتحرش فيه بالمرأة ويبرر ذلك وتُزوج فيه البنات وهن قاصرات أو بدون موافقتهن ويعتبر فيه تعليمهن أقل أهميةً من تعليم الرجل لا يمكن أن يفصل فيه بين النوع والكفاءة. إن الدولة التي تتغاضى عن جرائم التحرش والاعتداء على النساء وتعجز عن معاقبة مرتكبي هذه الأفعال وتقنن زواج القصر تتناقض مع نفسها حين تدعي أنها تسعى لتقوية دور المرأة في المجتمع وضمان تمثيلهن في كل المحافل. إن المجتمع الذي يعتبر المرأة عورة ومصدرًا للعار وعاجزة دون الرجل لن تتحقق فيه المساواة. إن الحل لضمان تمثيل المرأة ومنافستها على المدى البعيد هو حل الصعوبات التي يلاقيها في الحياة لتكون الحياة بكل تفاصيلها شراكة بينها وبين الرجل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد