أيام قلائل تفصلنا عن احتفال تونس باليوم الوطني لسيداتها – عيد المرأة التونسية – الموافق 13 أغسطس (آب) من كل سنة، إحياء لذكرى المصادقة على مشروع مجلة الأحوال الشخصية من قبل الحبيب بورقيبة، سنة 1956.

ويعتبر إصدار مجلة الأحوال الشخصية الانطلاقة الفعلية نحو ضمان وترسيخ وحماية حقوق المرأة التونسية من خلال قرارات جوهرية تمثلت في منحها الحرية في اختيار الزوج وتحديد السن الأدنى للزواج بـ17 سنة للفتاة و20 سنة للفتى وإقرار المساواة الكاملة بين الزوجين في كل ما يتعلق بقضايا الطلاق وإجراءاته وآثاره، كما تمنع تعدد الزوجات والزواج العرفي وتفرض الصيغة الرسمية للزواج وتعرض المخالف لعقوبات جزائية.

ومنذ ذاك الحين، تخوض المرأة التونسية أشواطًا هامة في ما يعرف بـ«قضايا تحرير المرأة»، وتعتبر تونس البلد الرائد والاستثنائي في العالم العربي في مجال حماية حقوق المرأة وحرياتها في التعليم والعمل والانتماء السياسي والنقابي والتصويت في الانتخابات، وتجريم العنف ضدها سواء اللفظي أو المادي أو المعنوي أو الجنسي أو الاقتصادي والسياسي، وذلك حسب ما يكفله القانون.

لكن مع انفجار «الثورة التونسية» في ديسمبر 2010 واختلال التوازن السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي، زادت نسب العنف والجريمة وارتفعت قضايا التحرش والاغتصاب والاعتداءات اللفظية والمادية الموجهة ضد النساء والأطفال في تونس، إذ تتعرض 47% على الأقل من النساء للعنف الأسري في حياتهن، وفق مسح أجراه «الديوان الوطني للأسرة       والعمران البشري» سنة 2010. 

فيما تشير إحدى الدراسات الصادرة عن مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة «الكريديف» أن نسبة العنف المسلط ضدّ المرأة في الأماكن العامة ارتفعت لتصل إلى 80% سنة 2016.

«الشارع هو الفيصل والبرلمان التونسي يصادق بالإجماع على مشروع قانون أساسي يتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة».

 لطالما لعب الشارع التونسي دورًا هامًا في التصدي للتصرفات والسلوكات التي تضطهد المرأة وتمس حقوقها وحرياتها، حيث أثار قرار صادر عن المحكمة الابتدائية بالكاف – يقضي بتزويج فتاة قاصر تبلغ من العمر 13 سنة من مغتصبها العشريني بعد حملها منه – جدلًا واسعًا وتعرض القضاء التونسي لعدة ضغوطات عقب تحركات احتجاجية واسعة تطالب بإسقاط القرار والسند القانوني الراعي له.

ويسلط الفصل 227 مكرر عقوبة بالسجن لمدة ستة أعوام في حالة مواقعة فتاة برضاها، وتتراوح سنها بين 13 و15 عامًا، وعقوبة السجن خمس سنوات إذا كانت سن الفتاة بين 15 و20 عامًا. وفي كلتا الحالتين يوقف الفصل العقوبات إذا قبل الطرفان بالزواج.

في جلسة تاريخية يوم 26 يوليو 2017، صادق البرلمان التونسي لأول مرة بالإجماع بنسبة 146 صوتًا لفائدة مشروع قانون أساسي لمكافحة العنف ضد المرأة.

ويهدف هذا القانون حسب ما جاء في فصله الأول إلى وضع التدابير الكفيلة بالقضاء على كل أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي من أجل تحقيق المساواة واحترام الكرامة الإنسانية، وذلك باتباع مقاربة شاملة تقوم على التصدي لمختلف أشكاله بالوقاية وتتبع مرتكبيه ومعاقبتهم وحماية الضحايا ومساعدتهم.

وعليه، تم الترفيع في سن الأهلية الجنسية إلى 16 عامًا مما يلغي أحكام الفصل 227 مكرّر من المجلة الجزائية ويعوض بأحكام أخرى تقضي بمنع تزويج القاصر الأقل من 16 عامًا من مغتصبها، حتى وإن كان ذلك برضاها.

وينصّ القانون على أحكام جنائية وعقوبات جديدة ضد مرتكبي أي شكل من أشكال العنف الموجه ضد النساء والأطفال ويجرّم التحرش الجنسي في الأماكن العامة.

 لو لم يكن القانون ماذا يكون؟

فليكتب التاريخ أن تونس انتصرت لسيداتها بقانون شامل لمكافحة العنف ضد المرأة يعزز الترسانة القانونية التي تستند إليها المرأة التونسية في خوضها صراعات متواصلة ضد كل من سعى إلى انتهاك حقوقها والاعتداء على حرياتها وهو على دراية تامة بما قد يواجهه من عقوبات قانونية.

فليكتب التاريخ أن تونس انتصرت لسيداتها بقانون شامل لمكافحة العنف ضد المرأة يخول دون حمايتها من مجتمع ذكوري – حتى لو منعه القانون من التحرش بها والاعتداء عليها – يلاحقها بنظرته الدونية وفلسفته العقيمة.

لمَ لا يحتاج الرجل في بلدي إلى قانون يحمي حقوقه وحرياته؟ ولو لم يكن القانون ماذا يكون؟

نحن لم نعد في حاجة إلى قانون يحمينا، قانون في ظاهره انتصار للمرأة التونسية وللدولة إجمالًا وباطنه ربما اعتراف بضعف المرأة وفوضى المجتمع، فتحرر المرأة لا يقاس بالقوانين التي تحميها بل بما يكون لو لا يكون القانون!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد