«المرأة: بين تعليب الماضي واِمتداد الحاضر»

وفقًا للجزء الأول من المجلد الأول في الكتاب الموسوعي «نشأة الحضارة لويل وايريل ديورانت»(1)، فبحكم كَون العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة كان يقتصر فيها دور الرجل على الحدود الزمنية لتلك العلاقة فقط لا غير، بمعنى أن الرجل لم يتحيز بتبيعات هذه العلاقة مِثل المرأة التي تتكفل بأثقال الولادة والرضاعة والتربية والرعاية، وبحكم الحاجة إلى الطعام لسد جوع الرجل والمرأة والطفل الذي على مشارف الوصول قريبًا، فَوجب على الرجل الخروج لأرض المعارك والتنقل بين الأفاعي وسط الغابات، ومواجهة النمور ضيوفًا دائمين، بينما كانت المرأة تتحمل عواقب الولادة الجديدة من رعاية وحماية وتغذية وحَمل، فتفوق حينها الرجل جسديًّا على مكانة المرأة بالمجتمع، بحُكم عضلاته المفتولة من كَثرة التنقل والمعارك، وبحكم توافر الفرص في صالحه؛ نظرًا لتكونه البيولوجي الذي ضمَن له حرية التنقل بعد أن جنَّبه مهام الرعاية والحماية الواجب توفيرها للطفل، ومن هنا بدأت فكرة تعليب المرأة أو بالأحرى تصنيفها في قالب معين، ألا وهو قالب المنزل والتربية و(المهام الاعتيادية) من وجه نظر البعض، ولكن قبل شحن موجة غضب تجاه هذا الوضع التاريخي، دعنا نُحلله بتريُّث أولًا؛ لقد كان هذا الوضع وهذا التقسيم هو الحل الأمثل المتوافق مع الظروف المحيطة البدائية آنذاك التي وقفت عائقًا أمام نجاة واستمرار الفرد والأسرة خصوصًا؛ وأمام الجنس البشري عمومًا، فانتهاء دَور الرجل في الإنجاب فور انتهاء العلاقة الجنسية، جعله مؤهلًا أكثر للعمل والمخاطرة وتوفير قوت بيته؛ ومن الضفة الأخرى كانت الظروف البيولوجية تعد أغلالًا تُكبل المرأة بجانب أولادها، وتفرض عليها مسؤولية التربية والتغذية والرعاية كاملة في ظل غياب الرجل نظرًا لدوره وسط الغابات لجلب الطعام وضمان استمرار نجاة أسرته؛ فوفقًا لتلك الظروف المتوترة والبدائية القديمة، نستطيع اِستنتاج أن التعليبات لمكانة الرجل والمرأة في ذلك الوقت كانت مناسبة؛ نظرًا لكَون هذه الحقبة الزمنية كانت مرهونة بالشخص الأسلس في حركته والأقوى في بدنه، وتلك المواصفات تنطبق على الرجل لا المرأة، فجرى التقسيم وقتها بين دور الرجل في جلب الطعام ليضمن استمرار أسرته؛ وبين دور المرأة في ضمان استمرار تلك الأسرة من الأساس عن طريقة رعايتها لكل شئون المنزل فضلًا عن بناء هذا المنزل عن طريق حَملِها ورعايتها للأطفال، فمن وجه نظري تلك التعليبات أو التصنيفات لأدوار كلٍّ من الرجل والمرأة كانت وافيةً ومناسبةً للظروف المحيطة وللتكوينات البيولوجية للرجل والمرأة، فالاعتراض هُنا ليس اعتراضًا على تعليبات الماضي؛ بل هو اعتراض على امتدادات الحاضر؛ الاعتراض هنا يكون بناءً على استمرار تطبيق أسس الوضع البدائي نفسه، الذي نشأ في ظروف معينة؛ على الوضع الحالي الذي تختلف ظروفه تمامًا عن الظروف البدائية، ففي الظروف البدائية كان الوضع مرهونًا بالشخص الأسلس في حركته والأقوى في بدنه ـ بغض النظر عن توافر العديد من الطرق الكفيلة بأن تؤدي إلى تعزيز تلك المقومات في المرأة الآن ـ أما الوضع الآن في القرن الواحد والعشرين، فهو مرهون بالفكرة وبمدى تأثير تلك الفكرة على أرض الواقع، وهذه المقومات لا يختص بها الرجل أو المرأة؛ بل هي مقومات تعتمد على العقل البشري بوجه عام؛ وعليه فتعليب المرأة القائم على ظروف الماضي لا يعتد به معيارًا على كفاءة المرأة ومدى تأثيرها على أرض الواقع الحاضر.

«منطق التقسيمات والاستدلالات»

في المنطق الأرسطي ـ وفي أساسيات المنطق الرياضي كذلك ـ توجد آلية بسيطة لتحديد العلاقة ما بين أي قضية وأخرى، تلك الآلية هي التي أُسست عليها مفاهيم الاستدلالات المنطقية، وكيف يمكننا أن نستدل بتحقق قضية على تحقق قضية أخرى، تلك الآلية تُدعى «الاستلزام المنطقي»، وهي ببساطة دراسة لسؤال بسيط، ألا وهو: «هل تحقق القضية «أ» يعني بالضرورة تحقق القضية «ب» أم لا؟» وإن كانت الإجابة هي نعم، فهذا يعني ببساطة أن القضيتين «أ» و«ب» بينهما علاقة اِستلزام، دَعنا نطرح مِثالًا حتى تتضح الأمور أكثر، فلنفترض أن هناك جملتين، الجملة «أ» والجملة «ب»؛ الجملة «أ» تقول لنا «لقد أخرجت نقودي من الخزنة»، والجملة «ب» تقول لنا « لقد فتحت الخزنة»، من واقع كلتا الجملتين نستطيع استنتاج أن الجملة «أ» تستلزم الجملة «ب»، أي إنه إذا كانت الجملة «أ» متحققة فهذا يعني بالضرورة أن الجملة «ب» هي أيضًا متحققة، أو بالأحرى؛ إذا كنت قد أخرجت نقودًا من الخزنة فهذا يعني بالضرورة أني قد فتحت الخزنة، وهذه كلمات واِستدلالات قد تبدو بديهية للغاية، ولكن لاحظ أن الأمر يحتاج لتدقيق وتريُّث في الفحص؛ فمثلًا في المثال السابق كانت الجملة «أ» هي التي تستلزم الجملة «ب»، أما العكس فهو غير صحيح، أي إنه الجملة «ب» لا تستلزم الجملة «أ»، أو بالأحرى، كوني فتحت الخزنة؛ فهذا لا يستلزم بالضرورة أني سحبت منها نقودًا، وآلية التحقيق من الاستلزام هنا هي قاعدة بسيطة للغاية ألا وهي: «نفي القاعدة بمثال»، أي إنه حتى أفحص صدق هذا الاستلزام الضروري، سأفترض كونه صادقًا، ثم سأبحث عن حالة لا يتحقق عندها هذا الاستلزام، وبالتالي نصل لتناقض ـ تناقص لأننا افترضنا في البداية صحة الاستلزام، ومن ثم عثرنا على حالة لا يتحقق عندها الاستلزام ـ والمثال الذي ينفي صحة استلزام الجملة «ب» للجملة «أ» في المثال السابق هو أنني ببساطة قد أفتح الخزنة ولا أسحب منها النقود؛ قد افتحها لأي غرضٍ آخر غير سحب النقود.

وامتدادًا لهذه الكلمات ولشرح تلك الآلية دَعنا نبحث عقلانية الاستلزام ما بين كَون المرأة لا يجب أن تتساوى في الحقوق والواجبات مع الرجل نظرًا لقصر أدائها، ولاختلاف المستويات؛ دعنا نتساءل كالمثال السابق ونقول «هل كَون الإنسان القابع أمامنا امرأة؛ فهذا يستلزم كونها قاصرة على التقدم وطرح الأفكار؟» ، وكما فعلنا في المثال السابق؛ فسنفترض صحة هذا الاستلزام، ثم سنبحث عن مثال مناقض يدحض وينفي هذا الاستلزام، أي إننا سنبحث عن سيدات قدمت الكثير من الأفكار المختلفة؛ لكي ندحض الاستلزام السابق، وكبداية دعنا نذكُر عالمة الكمبيوتر، كاتي باومان، صاحبة الـ29 عامًا؛ التي رأست الفريق المسئول عن تصوير الثقب الأسود في عام 2019 م، والتي طورت ـ لمدة ثلاث سنوات ـ النظرية التي بناءً عليها تم تصوير الثقب الأسود (2)، ومن الضفة الوطنية لدينا الدكتورة فكيهة هيكل، دكتورة بكلية العلوم جامعة القاهرة قسم كيمياء-فيزياء، والتي أبهرت الجميع بفوزها بجائزة أفضل العالمات السيدات لسنة 2020م، ذلك فضلًا عن تقديمها ما يربو على 90 بحثًا علميًّا؛ فضلًا عن وضع اسمها ضمن قائمة جامعة «ستانفورد الأمريكية» لأفضل 2% من علماء العالم في أكتوبر 2020 (3)، وكذلك لدينا إلهام فضالي، صاحبة أفضل بحث في الفيزياء عالميًّا لعام 2020م، والتي أحدثت ثورةً في فيزياء نقل البيانات لقدرتها على نقل البيانات بسرعة الضوء (4).

كل هذه الأمثلة هي من باطن الآونة الأخيرة، فأنا لم أتحدث عن العالمة سميرة موسى، أو عن ماري كوري ـ الحائزة على جائزة نوبل مرتين ـ أو عن غيرهن، تلك الأمثلة لا تعد أمثلة لنفي الاستلزام فقط؛ بل هي أمثلة تجعل الاستلزام ينهار وينبطح و(يفرفر) أيضًا، وبالطبع لن ننسى أن نتطرق لإسهامات المرأة في المجالات السياسية، فعلى المجال المحلي لدينا الأستاذة عزة سليمان (محامية مصرية وناشطة حقوقية)، والدكتورة ليلى سويف (دكتورة الرياضيات البحتة بكلية العلوم جامعة القاهرة وناشطة حقوقية مؤثرة، والدة علاء عبد الفتاح، وسناء سيف) وعلى المجال السياسي العالمي لدينا أنجيلا ميركل، والملكة إليزابيث وشموخهم السياسي كأبسط الأمثلة وأقربها، والآن وبعد هذه الإسهابات والتسليطات السياسية والعلمية التي تُبرز دور المرأة في المشهد المعاصر، ألا تعتقد أن هذا يُعد نفيًا؛ بل هدمًا للاستلزام السابق طرحه عزيزي القارئ؟

«الصعود إلى الهاوية»

كعادة أصحاب الحركات النسوية، يتم توجيه أهداف تلك الحركات تجاه تحقيق المساواة بين المستويات المتفاوتة ما بين حقوق وواجبات الرجل والمرأة، ولكن في هذا التوجيه إغفال واضح لنقطة مهمة يجب الالتفات لها، ألا وهي «ما هي مكانة الرجل من الأساس في المجتمع؟» هل الرجل يحتل مرتبة عالية من الحقوق الآدمية تحت سقف المجتمع حتى يحدث هذا الاختطاف الكبير لتلك المكانة؟ المشكلة الأساسية ليست فقط مشكلة مكانة المرأة؛ بل هي مشكلة مكانة الإنسان من الأساس؛ مشكلة الرجل والمرأة معًا، قمع المرأة هو قمع تحت سقف قمع آخر أكبر وأوسع بكثير؛ ألا وهو قمع الطبقات بغض النظر عن جِنسها، فلكل جنس قمعه الخاص ولكل طبقة قمع مشترك؛ فعلى سبيل المثال تُقمع المرأة عن طريق تصنيفها سلعةً جنسية تتم المتاجرة بها وتسعيرها سواء عن طريق الابتزاز، أو عن طريق زواج القاصرات، أو زواج الصالونات، أو عن طريق التحرش، والرجل يتم قمعه عن طريق إهمال أحوال العمال والتفاوت الآدمي في وضع قوانين ساعات العمل، والتي بسببها يموت 750 ألف شخص سنويًّا (5)، تحت تلك الأسقف المختلفة ما بين قمع الرجل وقمع المرأة يجتمع الجنسان تحت أسقف إهمال ملفات الصحة والتعليم، والتي ينتج منها إهدار لموارد فكرية كانت ستنتج عنهما في حالة توفير منظومة تعليمية سوية، وخطط فعالة لتطوير الصحة، كل تلك المقدمات تترابط سويًّا لتنتج لنا في النهاية حالة مزرية وبائسة تتجسد في الرجل أو في المرأة وتتجلى تلك التخاذلات السياسية في أفكار وثقافة كلٍّ منهما، ويؤثر هذا التجلي في مدى انعكاس تلك الثقافة الهشة على باقي المجتمع وعلى الآخرين، خلاصة القول أن المشكلة ليست فقط في ارتقاء مكانة المرأة ومساواتها بالرجل؛ بل تكمن المشكلة الأكبر في ارتقاء كلٍّ من الرجل والمرأة معًا وتعزيز مكانة الإنسان في المجتمع، فالمشكلة ليست مشكلة جِنسٍ فحسب؛ فالتفاوت بين الجِنسين يُعد جزءًا من مشكلة أوسع، ألا وهي مشكلة الطبقة بأكملها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد