عزيزي القارئ

لا مشكلة لدي في أن أبدو لك من خلال عنوان المقال نَسَويًا أو ( فيمنست ) حسب تعبير مواقع التواصل، فذلك مستندٌ قويٌ لي أدلل على كلامي به وسترى ذلك في آخر مقالي.

لاشك عند ذوي البصائر أن النساء في مجتمعاتنا العربية وبكل أسف ضحايا لعادات وتقاليد جاهلية، وخطاب وعظي ديني مخالفٍ لروح الشريعة التي قال نبيها عليه الصلاة والسلام «النساء شقائق الرجال».

وكونهن ضحايا ومظلومات – في الغالب – أنتج منهن تصرفات محسوبة عليهن وقد تضر بقضيتهن التي يسعين لنصرتها، وقد اخترت في مقالي هذا أربعة أصناف من النساء جنت عليهن مجتمعاتنا العربية والإسلامية تحت غطاء احترام العادات والتقاليد وقيمٍ زعموا نسبتها للشريعة الإسلامية.

وهذه الأصناف هي: من تأخر زواجها – من طلقت – من لم تنجب – من لم تؤت قدرًا كبيرًا من جمال الشكل.

لست مبالغًا حين أقول إن هذه الأصناف من النساء تعاني وتُظلَم ظُلمًا بينًا نتج عنه أمراض نفسية كثيرة وحالات انتحار ودعوات للنساء لترك البيوت والاستقلال بحياتهن عن حياة الأب وبيته – والذي من المفترض أن يكون حصن أمانٍ تأوي إليه المرأة حين تصيبها لسعات الخوف.

أولًا: من تأخر زواجها

تلك يُنظر إليها على أنها قليلة الحظ ينقصها شيءٌ كثير ولا تعيش حياة طبيعية، هذه النظرة تجعل الفتاة المنشغلة بحياتها ولا تفكر في هذا الأمر أو تتركه لقدر الله متى يجيء فهو خير تجعلها تفكر فيه ثم تهتم له ثم تكتئب لأجل تأخره، لماذا؟ لأن نظرات الناس لا ترحم.

إن هذه الفتاة قد تكون ناجحة في جانب آخر من جوانب الحياة، أنجح حتى ممن يأسى عليها وينظر لها بعين الشفقة، ومع ذلك فهي بنجاحها ليست بعيدة عن تأثير نظرات الناس ولمزهم لأن هذه النظرات هي السمة السائدة في مجتمعاتنا لمن تأخر زواجها – ولو لم يتأخر كثيرًا.

وهذه النظرة نابعة من اعتقاد الكثيرين أن الزواج في حد ذاته غاية وهو الأولوية القصوى في حياتنا مقدم حتى على تدين الشخص واستقامته وسلامة خُلقه ، والحق أن الزواج نعمة وهو أولوية في حياتنا ويُسعى له لكن ليس هو الغاية الوحيدة، وثم أمورٌ أُخَر مُعوضة أو مكملة أو جابرة لهذا الكسر قد يتغافل عنها الكثيرون.

إن نجاح الفتاة في حياتها العملية وتفوقها وتصدرها في المحافل العلمية الهادفة قد يكون بديلًا عن كل ما سبق، بديلًا عن نظرات البؤس والشفقة.

ثم إنه يجب أن نقر أننا في مجتمعاتنا لا يوجد لدينا آلية جيدة عصرية للزواج وتعريف العائلات ببعض، خاصة في أوساط من يُسمون بالإسلاميين، ولعلي أتعرض لهذا لاحقًا.

ثانيًا: من طلقت

وتلك هي التي ارتكبت الجريمة التي ليس منها توبة ولا تغفرها مجتمعاتنا «الإسلامية» برغم أن الإسلام أحله بل وجعل الطلاق في بعض الحالات واجبًا، ويردد المجتمع ذو المعايير الفاسدة كلماتٍ من أمثال (كلمة الطلاق لاتقال في عائلتنا – لن نتحملك وأولادك بعدما خرجتِ من بيتنا – المرأة ليس لها إلا بيت زوجها).
تحاصرها العيون بتساؤلات ونظرات (لماذا، كيف، متى، ماذا بعد) وتُبعد عنها بنات العائلة إذ يُخشى عليهن هذا الداء، داء الطلاق، ويكون الجرم أكبر والمغفرة أكثر استحالة إذا كان لديها أولاد رغم أن الطلاق حل إلهي وأحيانًا يكون حكمه الشرعي الوجوب  كما أسلفنا.
فهذه امرأة تسأل عن زوجٍ سيء الخلق فاسد الديانة لا يركع لله ركعة، وأخرى زوجها يضربها ضربًا مبرحًا يدمي جسدها، وأخرى زوجها مدمن للمخدرات وأخرى زوجها يسرق راتبها ولا ينفق على عياله، وأخرى زوجها يخونها… وهكذا مآسٍ ومصائب!

وكل هذه الأصناف ممن تستحيل الحياة معهم، لكن ولأنها في مجتمعاتنا؛ مطالبة بالتحمل والاستمرار في تلك الحياة البائسة .

ثالثًا: من لم تنجب

من قدّر الله ألا تنجب، وأثبت الطب أن العيب فيها – كما يقولون –  هي بين نظرتين:

نظرة الشفقة والأسى وتكون من الأم أو الأخت وأحيانًا من الزوج، وهذه النظرة على أنها من الأحبة إلا أنها غاية في القسوة إذ توحي بتعبيرات تدل على نقص أو ابتلاءٍ أو إعاقة في المرأة التي يُنظر إليها هكذا، وهي نظرة مذمومة لما تسببه من جرح نفسي غائر.

ويزداد الأمر سوءًا حين تكون في محفل فترى صديقات هذه المرأة أو قريباتها يُبعدن أولادهن عن هذه المرأة خشية أن تحسدهم لأنها لم تُرزق بمثلهم، أو يسمعونها عبارات انتظار الفرج والعوض من الله أو يدلونها على أطباء جدد أو علاجات مختلفة أو طرق أخرى لربط الزوج بها خشية أن يفر لغيرها ليُرزق منها الذرية.

ونظرة أخرى من أهل زوجها خصوصًا وهي نظرة توحي بأنها أجرمت إذ حرمت هذه الأسرة من حفيد منتظر يفرحون به، وفي أكثر الحالات تحث أم الزوج ولدها على تطليقها أو الزواج بغيرها لتفرح بحفيدها قبل وفاتها ولا تفتؤ تلح على ولادها وتنغص عليه حياته رغم أنه يحب زوجته ويرضى بما قسمه الله له.

ومجتمعاتنا المتدينة بطبعها تتناسى ساعتها كل الآيات والأحاديث التي ترددها على المنابر وفي محاريب الصلاة التي تدل على أن الأمر كله لله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيمًا .

رابعًا: من لم تؤت جمال الشكل

وهذه للأسف ضحية نفسها قبل أن تكون ضحية مجتمعها .. هي مُعلنةٌ حالة الطواريء دومًا فهي في نظر نفسها لن تتزوج أو تصير أمًا ولن يقبل عليها الخطاب وتعيش قصة الحب التي تحلم بها، تبحث عن مستحضرات التجميل بمختلف أنواعها وأغراضها، وتتابع برامج أطباء التجميل والتخسيس بشغف.

تأتي الاستشارات منهن على صيغة «أنا أكره نفسي أكره شكلي لن أتزوج».

وهي بذلك حصرت حياتها الواسعة والأهداف الكثيرة التي من الممكن أن تحققها في فرصتها في الزواج، ثم حصرت فرص الزواج كلها في شكلها  وجمالها.
تقديري الشخصي أنه لا توجد امرأة لم تؤت جمالًا، لا توجد امرأة قبيحة الصورة، لكن هذه النسب تتفاوت وكل رجل يختلف تعريفه للجمال ويقبل على القدر الذي يختاره من الجمال .
والمجتمع يتعامل مع هذه المرأة على أنها مسكينة بائسة ويجب أن تلجأ لعمليات تجميل أو للتخلي عن بعض ضوابط اللباس الشرعي لأجل أن تبرز بعض مفاتنها فيقبل الخطاب من كل فج عميق  ، مع أن هذه المرأة التي لم تؤت القدر الذي يطلبه المجتمع من الجمال قد تكون أنفع للمجتمع وأرحم به وأحرص على الخير فيه من تلك التي أوتيت الجمال الفتان!

ختامًا أيها السادة

أنتم وأنا قبل قراءة المقال وبعده نعتقد أن معايير مجتمعاتنا غير مستقيمة ولا صالحة للحكم على الناس بل ولا يرتضيها الناس من غير المذكورين في المقال أعلاه، والدليل على ذلك: أنني حين تحدثت عن حقوقهن في مقالي هذا ربما صنفني الكثيرون بأنني نَسَوي أو (فيمنست) فليس ثم معايير طبيعية للحكم على الناس يمتلكها هذا المجتمع ويرضاها لنفسه، فلماذا إذن في كثير من الأحيان نتخلى عن معتقدنا هذا ونعامل هذه الأصناف وغيرها من الأصناف المنبوذة مجتمعيًا بهذه المعايير التي لم نرتضها في أول الأمر؟!
هل هو هوى في أنفسنا؟
هل هي معتقدات دينية خاطئة؟
هل هو اتباع أعمى للآباء والأجداد؟!
أسئلة تحتاج لإجابة حتى لا نظلم أنفسنا أو الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد