اسمي ليس بالعار

مقدمة

الاسم شكل من أشكال الاستمرارية في الماضي، والناس الذين لا ماضي لهم هم أناس بلا اسم _ ميلان كونديرا.

ربما لو كانت تعلم الأم أن أولادها سيتجنبون ذكر اسمها علانية أمام الأصدقاء خوفًا من أن يُلحق بهم العار لكانت تُفضِل العيش عقيمًا.

ينقسم العمل إلى قسمين: حكومي حيث الأوراق والأختام والقوانين، وخاصة في الريف، حيث ما زالت الأفكار والعادات قديمة نوعًا ما تقابلك العديد من العادات والتقاليد الغريبة التي يتوارثها الخلق دون سؤال أو مراجعة.

ما اسمك؟

سؤال عادي توجهه كطبيب أو شرطي… إلخ، لمريضة أو غير ذلك.

– علامات تعجب تثيرها أيها السائل، تبدو على وجه امرأة ثلاثينية العمر، وتثير غضب زوجها، أو أخيها، أو والدها.

من أعطى لك الحق أن تسأل أيها الطبيب عن اسم المريضة!

– البعض يجيب بسرعة: اسمها أم فلان، والبعض يتردد ويقول في استحياء اسمها فلانة، ربما في العمل الحكومي يكون الأمر أيسر بكثير من الأماكن الخاصة؛ نظرًا لأن الأمر إجباري، أما في الخاص ففي الأغلب ستكتفي بكتابة (أم فلان).

– المرأة التي تطالب بأن يرفع الرجال من شأنها هي من يحرجها اسمها، وكأنها نَكِرة لا تملك اسمًا، أو أن اسمها سُبَة. هكذا تذوب الوجوه التى لا اسم لها فى الظلام والزحام – أحمد خالد توفيق

الذكر المُحافظ

– عزيزي الرجل الشرقي المحافظ: ما الداعي من عدم ذكر اسم العروس في دعوات الأفراح؟

تجد عمودًا من الأسماء والألقاب لرجال كثر يدعون الناس لحفل زفاف العريس الذي بالطبع اسمه واضح والعروس المبهمة، نعم هم يسمونها (كريمة الأول أو نحو ذلك) تخيل أن اسم العروس أصبح أمرًا عسكريًا، سرًا لا يعرفه إلا أهلها، وهي التي كانت بالأمس طالبة جامعية ينادي عليها المعلم يوميًا لمعرفة الغائب والحاضر، قد يرد البعض وما الفائدة من ذكر اسمها وقد يقول البعض أن الاستبدال بها كريمة هو تكريم لها، ولكني لا أرى ذلك معقولًا. من لا اسم له لاحضور له – جمال الغيطاني.

إهانة

– كان المراهقون يتبادلون الإهانات لبعضهم البعض على سبيل الفكاهة، وكان من أكبر وأهم الأسرار التي قد يمتلكها أحدهم عن صديقة هو اسم أمه، فهو بذلك قد امتلك أمرًا يستطيع به لي ذراع صديقه كلما أراد، فيقول له ساخرًا (ياد يا ابن فلانة)، كنت أتعجب من ذلك، ما العيب في اسم أمي!

– ولماذا لا ينادي الآباء زوجاتهم بأسمائهن؛ فيستبدل اسمها باسمه، وكأنه يحدث نفسه، أيضًا وصل الأمر إلى التكنولوجيا التي من المفترض أن تُصلِح أفكارنا، لكن يظل البعض من النساء لا يكتبن أسماءهن، ويستبدلن ذلك بأي اسم مستعار كرحيق الجنة والمستغفرة ربها وغيرها من الأسماء.

– كيف أُنادي بالمساواة والاحترام، وأنا من أحقر من شأن نفسي، أنا من أخفي اسمي عن الجميع لأنه عيب لا يجوز؟ الرجل يقول بكل فخر: اسمي فلان. والمرأة تستعير اسم ابنها فتقول أم فلان، وكأن المرأة هي أكبر عدو لنفسها.

– أبسط حقوق الإنسان أن يتباهى باسمه أمام الجميع لا يحرجه أنه اسمه أحمد أو أيمن أو أسماء أو أيًا كان.

– فيا للعجب! هناك سيدات تجاوزن الخمسين من العمر، ولا نعرف لهن اسمًا سوى الحاجة أم فلان، وكأن لاسمها شفرة خاصة.

– هل من سند؟

– هل دعت أي ديانة إلى ذلك؟

الجميع مثلًا يعرف أسماء زوجات النبي محمد وبنته فاطمة والسيدة مريم العذراء ولا عيب في ذلك.

صحيح أن القرآن لم يصرح باسم امرأة سوى السيدة مريم، والبعض فسر ذلك بأن اسم المرأة عورة لا يجوز ذكره، ولكن الأحاديث النبوية والكتب الدينية وغير ذلك ذكرت المرأة باسمها.

الأمر لا يتعلق بالدين، وهذا يبدو واضحًا في المجتمعات غير المثقفة فتجد جميع النساء أسماءهن ما بين أم أحمد، وأم محمد، وأم مينا.

حتى مع نعي المرأة المتوفاة لا يُذكر اسمُها، فيقول المنادي (حَرَم فلان)، فليس لها حظ في أن تُعرَف حتى بعد وفاتها.

إن جلست بين الأصدقاء وأخذ أحدهم يهاتف زوجته فسيقول عنها المدام، أو يلقبها بالحكومة كدليل على الخوف منها، أو أم العيال أو غيرها من الاستعارات السخيفة ظنًا منه أن ذلك من شيم الرجال، وخوفًا على اسمها – المعروف في الأصل – أن يُعرف!

نساء

– الجميع يتشرف ويتباهي بسيدات كثر قمن بأعمال عظيمة في كل المجالات، فالكثير من اللاعبات والطبيبات والمهندسات والأديبات الناجحات قد سطرن أسماءهن بحروف من ذهب في أذهان الجميع، وحتى في العصور القديمة كان من المعتاد تداول اسم المرأة بكل فخر.

فملكات كثر نعرفهم ويذكرهم التاريخ دومًا كالملكة حتشبسوت، ثم نساء ثائرات كصفية زغلول، وكاتبات متميزات كالسيدة رضوى عاشور، ونساء حصلن على جائزة نوبل كعالمة الفيزياء ماري كوري وغيرهن.

– هل كانت مثلًا لتقول رضوى عاشور رحمها الله لموظف الاستقبال في هيئة ما ردًا على سؤاله لها ما اسمك؟ اسمي أم تميم. بالطبع لا؛ فهي تفخر بكونها رضوى عاشور وكفى.

النهاية

– المُناديات بحقوق المرأة عليكم بتحرير المرأة أولًا من اسمها، فأنا أرى أنها المسئولة عن تحقير نفسها، وجعل اسمها شيئًا لا طائل منه تخفيه على صفحات التواصل الاجتماعي وتخفيه عندما تسألها كمريضة.

– وأن تصرخ بأعلى صوت لها: اسمي كذا، بل تربي الأم أولادها على الاعتزاز باسم أمهم، فاسم المرأة ليس بالعار، ولا بالسُبة، ولا بالسر العسكري.

– ولست أدعو للتحرر وكل هذا، لكني فقط أنوه عن حق أصيل وعادي، فالأم والأخت والزوجة بشر لهن كامل الحق في أن تنادين بأسمائهن، وأن يقلن بكل فخر: اسمي فلانة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد