يتبدّى لنا كثيرًا صائحات نسويّات ينادين بمساواة واستقلال وعدل وما شابه من ألفاظ مُحكمة وعبارات رنّانّة مصحوبة بنبرة قويّة وأمثلة حيّة من المجتمع لمضطهدات عانين ويعانين من سطوة وبطش المجتمع الذكوريّ وهيمنته.

ولا عداء تجاه هذه الحركات إذ إن وضع المرأة العربيّة لا يخفى على أحد ولا يحتاج إلى من يضعها تحت بؤرة العدسة ويسلّط ضوءًا عليها لينتبه المجتمع.

لكننا قد نجد ضمن الصائحات منهن من تتحدّث بحرارة عن دور المرأة، وأنها ليست وعاءً وفقط ودورها في الحياة ليس الزواج والإنجاب فقط، وهذا قول يُحترم ولا غبار عليه، إذ إن اختزال دورها في الإنجاب والزواج فقط يكرّس اهتماماتها تجاه جسدها فقط، ويصيب عقلها بالضمور، وصحتها النفسية تتوعّك، وتخبو لديها أي بوادر ذكاء أو أفكار صالحة صحيّة، وتتمحور حياتها حول رجل وأطفال تدور في فلكهم، ولا تشارك العالم الخارجي أي انفعال، ولا حاجة للقول أن شيئًا هكذا سيؤثر على التربية وستأخذ منحنى آخر يعتمد على إفراغ شحنات انفعالها على صغار ضعفاء وتبني أسس تربيتها على ما تربّت عليه هي بما فيه من فساد وقلة حكمة.

وتأتي صائحة أخرى لتخبرنا أن الحل هو مزاحمة الرجل في مجال عمله كتف بكتف، أما حضانة الأطفال أو تربيتهم فتُرمى على كتف مؤسسات متخصصة يُترك فيها الأطفال، بينما والداه بالخارج يكدّان ويتعبان ويرجعان مساءً تعبين ضجرين ليُعيدا الكرّة صباحًا، ويُلقى عبء التربية على كتف آخرين.

ولا نحتاج هنا لأن نناقش الصحة النفسية للطفل المنفيّ خارج أسرته، والمحتَضن من قبل الغرباء. إن أمر كهذا يطوي الدفء الأسريّ طيًّا، ويبقى أثر الدمار حتى يشب رجلًا، فتراه يعاني من عقدة ما بسبب مشكلة تعرّض لها في صغره نتيجة لسوء أو قلة تربية من قبل الآباء، وتؤثر عقدته هذه في قرارات يتخذها أو مواقف يتبنّاها، وقد لا يشعر أن مشكلته هذه لها جذر مذ كان طفلًا لا يعي الكثير.

وقد يبدو هناك تناقضًا فيما سبق، إذ إن الاكتفاء بالجلوس في البيت وحضانة الأطفال فقط فيه شيء من الإجحاف ونظرة قاصرة للغرض من الزواج، وترك الأطفال والذهاب للخارج طلبًا للعمل والرزق فيه ظلم وجور على جيل قادم وقصور في التربية، فما الحل؟

ربما كانت إشكالية من إشكاليات المتجمع الحديث، إذ في ظل هذه السرعة التي يسير بها العالم، وكل هذه الاختراعات والابتكارات في المجالات المتنوّعة، في ظل كل هذا لا يجوز لربة المنزل أن تكون بمعزل، أو في طور متأخر عن الواقع حولها.

وربما كانت الإجابة تتلخص في كلمة واحدة صالحة لأي سؤال أو معضلة، وهي التوسّط أو الاعتدال.
إن ترتيب الأولويات والاهتمامات، بالإضافة إلى الإعداد المُسبق والنوايا الناضجة واستيفاء الشروط الأوليّة ومعرفة المرء بما له وما عليه ، يُساهم بشكل كبير في نضوج العلاقات الإنسانية، وما نحن بصدده الآن، العلاقات الزوجيّة.

فما دامت ارتضت لنفسها أن تكون زوجة وأمًا، فلتعلم إنما علّق في عنقها حبال الأمانة، وحيثما وجدت الأمانة، وجد السؤال والحساب.
لكن هذا الدور وهذه الأمانة لا تنفي الأدوار الأخرى، بل تعززها وتقوّيها وتوجد حالة ملحّة لتطويرها، والخطأ الكبير والطامة الكبرى التي تقع فيها كثير من النساء، هي الانشغال السلبي بالضغوطات والأعباء، حتى ليُطمر عقلها تحت ركام ومخلفات وتراكمات نفسيّة وضغط عصبي وتموت خلاياه، وتنشغل هي بما جدّ ويُلهيها عن آمال وطموحات ونوايا كانت قد رسمتها لنفسها أثناء حياتها الأولى.
وربما لا يكون هناك آمال أو أمل واحد حتى، وكان كل ما يشغل عقلها حينها الزواج والاهتمام بالجسد على حساب العقل، كحال كثيرات.

ولكن لا يُفهم من الحديث السابق أن عبء التربية مثقل به كهل الأم فقط، وأن الأب يقتصر دوره على أموال يعطيها لها كل شهر وفقط.
ويعتبر هذا أيضًا خللًا في التربية والفكر، فالأبوة لا تقتصر على النفقة المالية وتُحسب بعدد ساعات عمله خارج المنزل، وإنما تتضافر الأبوة والأمومة وتتضافر الجهود لخلق جو صحيّ تُبنى فيه أسس قوية يقوم عليها مجتمع ذو صحة نفسيّة جيدة مستوفٍ مقاييس سليمة، مقاوم للتيارات الفاسدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد