الست أمينه، مثال الزوجة الخانعة المُطيعة، والتي لا تفقه في حياتها سوى كلمتيّ “حاضر” و “نعم” . جل ما يشغل بالها هو موافقة “سي السيد” زوجها على أقواله و التصديق عليها – أيًا كانت – و الاستجابة المطلقة لرغباته .

تلك كانت الصورة التي رسمها نجيب محفوظ للمرأة المصرية في رواية “بين القصرين” ضمن ثلاثيته الشهيرة . ورغم مرور 60 عامًا على صدور الرواية إلا أن المرأة لا تزال – إلى اليوم – هى نفسها “الست أمينه” .
في مُجتمعنا، الرجل ينظر للمرأة: نظرة إهانة و تقليل من الشأن، فهي تتعرض للتحرش والاغتصاب و للمتاجرة الجنسية، و هى تتعرض للضغط من الشريك الزوجي للتخلص من العمل والبقاء في البيت – إن هو أراد – أو ترك المنزل والخروج للعمل، أيضًا إن هو أراد.

إنهن النساء، النساء فقط من يتعرضن للإخضاع وإحكام السيطرة، النساء هن الجنس الذي كان ولم يزل يتعرض للحرمان من الدراسة أو العمل، أو المشاركة الاجتماعية الفعالة.

و علينا أن نعترف بأن قضية المرأة قضية يصعُب النقاش فيها، فهي تتلخص في إدانة المبدأ الذي ينظم العلاقات الاجتماعية بين الجنسين، والكشف عن أنه مبدأ فاسد من جذوره؛ لأنه يقوم على أساس تبعية أحد الجنسين – النساء – للجنس الآخر – الرجال – وهو مبدأ ينبغي هدمه؛ ليحل محله مبدأ المساواة الكاملة التي لا تسمح بوجود ميزة لجانب على جانب آخر.

و البعض يدّعي أن المرأة راضية بذلك الوضع، لكن الأمر على العكس من ذلك، ففي أحد التقارير الصحفية أوضحت العديد من النساء أن السعادة الزوجية تكمن في الطاعة وأن الكلمة السحرية التي تخلق السعادة بين الزوجين هى “حاضر” أو “نعم” .
لكن استسلام المرأة و خضوعها لا يعني الرضا أو القبول طواعية، فهناك الكثير من النساء اللائي لا يقبلن بهذا الوضع، فإذا أُبيح للمرأة أن تعبر عن مشاعرها/رأيها، فإن عددًا كبيرًا منهن يسجلن احتجاجهن على وضعهن الاجتماعي الراهن.

 

يقول مل في كتابه استعباد النساء “حين نتحدث عن قضية المرأة و الوضع السيئ لها، يتوقع القارئ أن نُبين كل الحُجج التي تؤيد الإثبات، لكن المشكلة أن هذا الوضع نشأ من اتباع العادات والتقاليد التي يقدسها الناس” . فالناس ترسخ لديهم الاعتقاد بأن انتشار عادة ما ردحًا من الزمان يعني أنها عادة محمودة، و تصبح تلك العادة كالعقيدة التي لا يمكن تغييرها أو نقدها أو حتى النقاش فيها، فإذا كانت تلك العادة خطأ جسيمًا ، كيف لك أن تقنع الناس بذلك ؟

 

 

“عندما تولدين بنتًا، عليكِ أن تتعلمي الطهو والتنظيف، وغسيل الملابس الوسخة ، ورتق الجوارب القديمة، وصنع الزبدة والجبن، وإرضاع الأطفال . كما تتعلم بعض النساء فن الحب وكيف يجعلن أنفسهن جذابات للرجال . لكن هذا كل شيء؛ فلا أحد يعطي النساء كتبًا حتى لا يفتحن عيونهن” إليف شَفَقْ

 

هنا تلعب التربية الدور الأهم، فقد نشأت المرأة على أن تكون النقيض لشخصية الرجل، فتنشأ على الخنوع والطاعة و الاستسلام، فيما يصبح هو – في نظرها – المسيطر صاحب الإرادة الحرة وحق التحكم الكامل .

و تُربّى النساء على أن الزوج سكن لها، لكنها تصطدم بالحقيقة المرة بعد الزواج، حين تصبح العلاقة بينهما علاقة عبد بسيده، فهى لا يُسمح لها سوى بالقبول والموافقة على كل قول أو فعل يصدر عن زوجها دون نقاش.

لا رأى لها، لا مشورة، لا رفض أو حوار، إلا من رحم ربي. و الرجل لا يريد أن يشعر برفض المرأة لعبوديته لذا يحاول استعباد عقلها وبرمجته على القبول بالاستعباد؛ فتجد كل القواعد الاجتماعية والتربوية تؤكد لها أنها خُلقت لخدمة الآخرين، وعليها أن تنكر نفسها إنكارًا تامًا، وأن تتوجه بكل عواطفها نحو رجلها أو نحو الأطفال.

” أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” البقرة 85

كذلك نجد الكثير من الرجال يستخدم الدين لتحقيق أغراضه، فإذا رفضت الزوجة أمرًا – حتى وإن كان لها الحق – يغضب و يصيح بها أن رضا الزوج من رضا الرب، وأن الملائكة تلعن من تُغضب زوجها، والأدهى من ذلك أن بعض النساء هن من يتفوهن بتلك الأمور درء للفتنة بين المرأة وزوجها حتى إذا كان الرجل هو من أخطأ، فإذا غضبت الزوجة كانت الملامة دائمًا، وإذا تطلقت كثُرت الأقاويل حولها رغم أن طليقها يتزوج من جديد ويكمل حياته كأن شيئًا لم يكن .

فإن كان الدين يدعونا لاحترام النساء والإعلاء من شأنهن، ويؤكد الله عز و جل على أهمية المشورة في أكثر من آية قرآنية، فأى دين هذا الذي يتبعه الرجال اليوم حين يقولون بأن المرأة لا ريب يجب أن تتبع زوجها وتطيعه طاعة عمياء، وهم لا يعرفون من القرآن سوى قول الله تعالى: “الرجال قوامون على النساء”، فنسوا قوله :”وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ” و قول رسوله الكريم: “استوصوا بالنساءِ خيرًا” .

“يجب أن تربى المرأة على أن تجد سعادتها و شقاءها في نفسها لا في غيرها” قاسم أمين

 

من المؤسف أن من عليها أن تنشئ الأجيال و تربيها، تُربّى على عادات ومفاهيم خاطئة؛ فالمرأة تنشأ على أن الشهادة “تحصيل حاصل”، وأن مصيرها بيت الزوجية، لذلك تجد العديد ممن يتزوجن في سن مبكرة، ويتجاهلن التعليم، لأن الشهادات – كما يقلن- لا جدوى منها.

وإذا نظرنا للأمر من زاوية أخرى نجد أن تلكم الفتيات غالبًا ما يتزوجن خوفًا من العنوسة، وحتى لا يُقال إن “القطار فاتها”، فينحصر عالمها و فكرها منذ الولادة في الزواج عملًا بالمثل القائل “ظل رجل و لا ظل حيطه” فتنسى أن الغرض من الزواج هو إيجاد سد منيع، لا أي حائط متصدع على وشك الانهيار من كثرة الثقوب والشروخ.

فتشقى من لم تتزوج من نظرات وأقاويل الناس حولها، و تشقى من تزوجت؛ لأنها لم تُقدم على تلك الخطوة استعدادًا وفهمًا لها أو حُبًا فيها وإنما درء لأقاويل الناس التي لا تنتهي. أي عالم هذا الذي نعيشه! و أي مجتمع ذلك الذي قلب الأمور رأسًا على عقب، فلا أصبح للمرأة فيه شأن ولا حق ولا هوية، حتى نسيت المرأة حقها في الحياة لنفسها وحصرت آمالها وأهدافها في الزواج.

عزيزتي الفتاة، أنت لستِ نصفًا يحتاج من يكمله، أنتِ إنسان كامل وقائم بحد ذاته، لا يهم من تزوجت ومن أنجبت دونك، فأنتِ لستِ محض آلة للتزاوج والإنجاب، فلا تلتفتي للناس وما يتفوهون به من تُرهات . لن تُسألي كم طفلًا أنجبت أو كيف كان عُرسك أو متى استطعت إيقاع العريس في شِباكك. و إنما أنتِ كالرجل تمامًا، مثلك مثله، ستُسألين عن عمركِ فيما أفنيته، وعن علمك فيما عملتِ به، وعن جسدكِ فيما أبليته، وعن مالكِ من أين اكتسبته وفيما أنفقته.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد