«يجدر بالمرء أن لا تلين له قناة أمام امرأة في أي شأن من الشؤون، بل من الأفضل له أن يطاح به من الحكم على يد رجل، وبذا لن يسع أحد أن يدعي أننا هزمنا على أيدي النساء». سوفوكليس، انطـــيجون.

يقولون إن اللغة أنثى، يقولون إن الحكاية أنثى، يقولون أن أول الكهنة في التاريخ أنثى. ولكن كيف ارتضت الأنثى العيش في الهامش. كيف يعقل أن يأسف «أفلاطون» لكونه ابن امرأة، ظل يزدريها لأنها أنثى!

عام 1987 قدمت الشاعرة المغربية «مليكة العاصمي» رسالتها «القصة الشعبية في المغرب»؛ أوضحت الكثير من المفاهيم الخاطئة والمتوارثة عن المرأة، بكونها ارتضت العيش في الظل. تظهر هذه الدراسة محاولاتها لتوثيق التاريخ الشفوي في مناطق مختلفة من العالم، وأن النساء هنَّ أمهات الحضارة والثقافة الشعبية؛ فقد قمنَّ برواية القصص من جيلِ إلى جيل، وبالتالي تمثل القصة التي تنقلها المرأة عن طريق حكايات الجدات عصارة أفراح وأطراح ثقافتهن، وسرد لعناوين الأحداث التي مرت بها حياتهن ومجتمعاتهن، وتلخص تجارب أجيال سابقة وحقب تاريخية طويلة وممتدة.


الكتابة رجل والحكاية أنثى

تراجع وجود المرأة إلى الهامش، واختفت من الخطاب اللغوي المكتوب. حدث هذا الخروج منذ ظهور الكتابة في التاريخ البعيد، وتحول المجتمع من نظام الأمومة للنظام الأبوي.

لم يكن خروج المرأة من اللغة حادثًا عرضيًا؛ فقد تم تتويج الذكورة والتعالي على الأنوثة. حيث بدأ عصر التحول الحضاري في الفكر والثقافة الإنسانية. وراح الرجل يرسم المرأة وينقشها في صور خيالية تواترت عليها الأزمنة حتى ترسخت وكأنها هي الصورة الطبيعية. وفي هذه الصورة بدأ تضخيم الجانب الحسي في المرأة إلى أن تحولت إلى مجرد جسد، ليس له من وظيفة سوى إثارة الرجل وإغرائه.

ازدادت هذه الصورة رسوخًا مع الزمن؛ حيث تطل الحضارة المعاصرة لنجد المرأة في الفن الحديث وفي الدعاية والنحت والسنيما والرواية وكأنها جسد فحسب.

يطرح «جون بيرجر» في كتابه «طرق النظر» تقارير مزعجة عن تحكم النظرة الرأسمالية في صورة المرأة في فنون القرن العشرين. ورسمها على أنها بضاعة جسدية تخاطب المشتري المذكر. فليس هناك ما هو أكثر إثارة للرجل من أجساد النساء.

كما يطرح الناقد «عبد الله الغذامي» تساؤلًا عما إذا كان الرجل يمارس عدوانًا مستمرًا على المرأة بتصويره لها في صورة الجسد، أم أن هذا حق ثقافي للرجل، ورثه من المعنى الحضاري المترسخ في الذاكرة البشرية؟

إن الرجل أصل وغاية، فهو لا يكتب اللغة وحده، وفي غياب الأنثى فحسب، ولكنه أيضًا يقرأ اللغة وحده، ويفسرها بمفرده، ويقرر مصير معانيها ودلالاتها مذ كانت المعاني أنثى، حسب مقولة «عبد الحميد الكاتب» في ما تبقى من رسائله.

ترى «مي زيادة» أن الرجل «يسر ويرجو ويريد أن تشعر المرأة باستبداده ظنًا منه أن الاستبداد هو السيادة»، وترى أن الرجل يحب من المرأة أن تتمرد عليه «لأنها كلما زاد تمردها زاد شعوره بالسيطرة عليها من خلال قمعه لهذا التمرد».

ونتيجة لهذا التاريخ الراسخ تضاءل حجم المرأة، وأصبحت مجرد جسد يتم استثماره ثقافيًا، وجرى دفع المرأة لأن ترى نفسها على أنها جسد مثير، وصارت تسعى إلى إبراز هذا المعنى فيها. وعززت الثقافة المعاصرة هذا المعنى، من خلال «تسليع» الأنوثة وتسويقها على أنها بضاعة تغري المستهلك المذكر، وتدفعه إلى السعي وراء فحولته المتربصة.

المرأة والظل.. لب المرأة إلى حمق

حين أخرج الرجل المرأة من اللغة، وعزلها عن كل ما يربطها بإنسانيتها وأصولها، تحققت له السيادة التعبيرية من خلال صناعة الكتابة، فراح يصوغ المرأة على الصورة التي تحلو له، حتى صار كتاب «الروض العاطر» هو الخلاصة الثقافية عن المرأة وعواطفها وجسدها.

ليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل إنه – الرجل – تولى التحدث بالنيابة عنها، ومن هنا فالرجل يكتب المرأة في لغته هو، ويرسم عنها حسب هواه فيها. فتحولت المرأة لموضوع قابل للتوظيف الدائم حول الرجل.

ولقد ترسخ هذا الوضع لدرجة مخيفة، بدا وكأنه حتمية طبيعية بيولوجية تميز العقل بوصفه رجلًا على العاطفة بوصفها أنثى، وتجعل التميز العقلي يرتبط بعلامات الرجولة.

في رواية «الباب المفتوح»، يتحدث «عصام» عن النساء قائلًا «القيم الأخلاقية التي تعلّمها، والتي يؤمن بها، تقول إن النساء نوعان: امرأة في الطريق تشتهى، وأم وأخت وزوجة. والمرأة التي تشتهى شيء رخيص، تنتهي قيمته بانتهاء الشهوة، وهي صيد يصطاده الرجل، وينتصر عليه ويسبيه كما تُسبى النساء في الحروب. ويتفاخر بانتصاره أمام الآخرين. والإنسان لا يشتهي ابنة خالته، ولا يشتهي حتى أخت صديقه، إذا كان مهذبًا؛ لأن الشهوة مرتبطة بالجسد، والجسد قذر إلى أبعد حدود القذارة».

الرجل الشرقي المتفرد دائمًا بعنفوانه ورجولته، «شهريار» الواثق حد الخوف من امرأة عشقها وخانته. كل النساء في نظره خائنات، حتى يثبتن العكس. امرأة واحدة استطاعت أن تطوعه وتخسره. صورة واحدة لفكر رجل أصبحت سائدة. صورة تتصدر المشهد دائمًا عن النساء. تختلف تمام الاختلاف عن واقع المرأة، تردد صداها في عقول الرجال، فرصدته الأقلام الكاتبة.

في رواية «الرباط المقدس» يرصد لنا «توفيق الحكيم» صورة النساء بأنهن ملك للرجال، ولا يتمتعن بأي حق اجتماعي أو اقتصادي أو حتى شخصي. ظهرت في رواية «سارة» للعقاد الصورة النمطية للمرأة اللعوب. يقدم لنا «إحسان عبد القدوس» في أعماله المرأة بأنها مجرد جسد خلق لمتعة الرجال، ووعاء لإنجاب الأطفال؛ كي يرثوا ثروتهم التي تضمن الحفاظ على ملكيتهم الخاصة. ويرصد «يوسف السباعي» في روايته «العيب» سبب وجود النساء؛ لأنهن يمتلكن وجودًا جسديًا، هذا الوجود الجسدي يحدد قيمتهم الأخلاقية والإبداعية. كما يفصح «نجيب محفوظ» في رواية «البداية والنهاية» عن الدوافع التي تقود الرجال لإدانة النساء، وجعلهنّ ضحايا لأفكارهم، فحسنين – بطل الرواية – ينتقم من الطبقة المسؤولة عن قمعه بممارسة الجنس مع امرأة من تلك الطبقة، فهو حين «يفكر بينه وبين نفسه: حين أمارس الجنس معها سيقول لي كل جزء من جسدها الحار (سيدي). وهذا كل ما أتمناه في هذه الحياة. إذا اخترقتها جنسيًا فكأنني اخترقت الطبقة كلها». وتظهر شخصية الطاغية «مصطفى سعيد» بطل رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» الصورة النموذجية للطغيان الذي ظهر في مأساته التي نتجت عن مفاهيمه المشوهه عن النساء والجنس، حين «يحيط نفسه في غرفة نومه بالمرايا؛ كي يتخيل أنه حين يغزو جسد امرأة إنكليزية، فهو يغزو أجساد جميع النساء الإنكليزيات».

تنظر «لطيفة الزيات» في أسباب هذه الصورة، وتفسرها بقولها «وكيان المرأة كما يتبدى في هذه المقطتفات يختزل إلى عنصر أنوثة يؤدي وظيفة إنجاب الأطفال، والحفاظ على الملكية الفردية من الصلب إلى الصلب، أو إلى أداة متعة، وهي في كلتا الحالتين (شيء) يملكه الرجل. ومفهوم الجنس الذي يطالعنا في هذه المقتطفات مفهوم من آلاف المفاهيم المختلفة التي تحكم واقعنا العربي، ولكنه مفهوم يجسد بأكثر مما يجسد أي مفهوم آخر طبيعة هذا الواقع، ويعلق عليه تعليقًا صارمًا موجعًا. والرجل الذي ينظر إلى الجنس كعملية عدوان وقنص وصيد وغزو وانتصار وإذلال يصدر عن نفسيّة المقهور، وهو رجل حرمه مجتمعه من كل شيء من الحرية والفاعلية والإيجابية والقدرة على الفعل وإغناء الذات وتوكيد الإدارة وتحقيق الهدف والتفاعل الخلاق، وألهاه بمعارك وهمية يحرز فيها انتصارات وهمية تكرّس وضعه وإحباطه وعجزه. وإذا كانت هذه الأوضاع تشل فاعلية الرجل العربي مرة، فهي تشل فاعلية المرأة مرتين. ولا خلاص منها إلا بمزيد من الوعي من جانب الرجل ومن جانب المرأة على حدّ سواء».

حيث ترجع الزيات أسباب هذه الصورة النمطية التي رسمت للمرأة في أذهان هؤلاء الكتاب وغيرهم إلى أن النساء اعتبرنّ مجرد متع جنسية، والجنس يعتبر إثمًا للنساء اللاتي يعتبرنّ مجرد أدوات لإنجاب الأطفال على عكس الدور الحقيقي للمرأة؛ كدور الأم الذي يعتبر رمزًا للحب الغيري وللتضحية. كما توضح أن الحط من قيمة المرأة في العائلة ما هو إلا محاولة مقصوده الهدف للحفاظ على العائلة، التي هي أصغر وأهم حلقة في النظام الأبوي، والتي تؤدي فيه دورها وفقًا لشروط الرجال التي تضمن تفوقهم الأبدي وسيطرتهم على النساء.

ولكن مثل هذه الرؤى لا تعطي شكلًا محددًا لصورة المرأة في الأدب العربي، والتي مازالت تتأرجح ما بين الصورة التقليدية وبين ما يجب أن تكون عليه صورتها داخل النصوص الأدبية من وجهة نظر المرأة نفسها التي ترى أنها ظلمت داخل المجتمع. وللحديث بقية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المرأة
عرض التعليقات
تحميل المزيد