ما بين العام 1966 و2007، 40 عامًا حكم خلالها ثلاثة رؤساء بتوجهات مختلفة ما بين الاشتراكية والانفتاح الحذر حتى التوحش الرأسمالي أخيرًا. تأثر الفن المصري خلالها كثيرا في طرحه لقضايا تقدمية عديدة متأثرا بالأيديولوجية الحاكمة آنذاك.

من الأفكار التقدمية التي ناقشتها وجسدتها السينما المصرية على فترات مختلفة، كانت قضية المرأة وحقوقها وتمكينها، ومن المفترض أنها ستظل فكرة تقدمية طوال العمر ما دامت الإنسانية في وطننا العربي ترتد من جديد.

في العام 1966 صدر الفيلم «مراتي مدير عام» أخرجه فطين عبدالوهاب للثنائي الزوجين في الفيلم وفي الواقع: «شادية وصلاح ذو الفقار» أو «صلاح ذو الفقار وشادية» بعدما كان مقررًا «رشدي أباظة» بطلا للفيلم وكنوع من استغلال زواج النجمين قررا أن يكون «ذو الفقار» شريك شادية في بطولة الفيلم.

تدور أحداث الفيلم حول الزوجة التي ترقت في عملها إلى منصب مدير(ة) عام في إحدى المصالح، رد فعل الزوج شعور بالسعادة والفرح لنجاح زوجته، لا وجود للغيرة بينهم ولا وجود للسلطة الذكورية التي تقمع طموح الزوجة لكن، المفاجأة الكبرى أن «عصمت» زوجته مدير عام في نفس المصلحة التي يعمل بها «حسين» أي أنه سيصبح مرؤوسًا لها في العمل!

فجأة تنقلب السعادة إلى فزع فيصاب الزوج بالفزع لهذه الحقيقة؛ زوجته مديره في العمل، يتفق مع زوجته على إخفاء هذا السر عن باقي الموظفين لشعور داخلي قديم يستسلم له.

للوهلة الأولى يشعر المشاهد بنوع من التناقض لدى الزوج/حسين؛ فهو لا مانع لديه إذا تخطته زوجته في درجة العمل وأصبحت مديرا -طالما الأمر بعيدًا عنه- وهو لا يزال موظفًا بالدرجة الثالثة لكن، أن يكون مرؤوسًا لزوجته في نفس المصلحة فهذا غير ممكن! هل نحن أمام نوع من التناقض الذي نراه ونحسه بين العقل/الأفكار وبين الشعور/العاطفة !

يظهر الخطاب الديني المتحامل بشكل جلي على لسان «عبدالقوي» الذي يدين بدين ابن حنبل، حيث إن مصافحة المرأة تنقض وضوءه:

عبد القوي: هات القبقاب وحصَّلني على مكتب المديرة.. واستناني على الباب.. أول ما أخرج أتوضى على طول..
حنفي: وتتوضى ليه؟! أبو حنيفة قال إن اللي يسلم على ستات مايتنقضش وضووه..
عبد القوي: أحمد ابن حنبل قال يتنقض!

يستمر الصراع بين هذه الثنائية إلى أن ينتصر مؤخرًا لأن يعمل الزوج مرؤوسًا لزوجته المدير، استطاع الزوج أن يغلب فكره وقناعاته التي يؤمن بها ضد عاطفته التي لا تقبل هذه الفكرة وتصر على قوامة الرجل بكل غرور وتسلط وينتهي الفيلم بمشهد للزوجين يدفعان سيارتهم التي تعطلت بهما كنوع من المشاركة بينهما، بعدما كانت وحدها تدفع السيارة كل صباح كنوع من التحدي الذكوري لها!

دعم النظام الحاكم آنذاك فكرة العمل للمرأة باعتبار أنّ فكرة العمل مقدسة لديه -النظام الاشتراكي- فكانت الدعوة قائمة بنزول المرأة لسوق العمل أسوةً بالرجل وبفكرة حرية المرأة بشكل عام، فكانت المرأة عنصرًا جديدًا على تشكيل ذكوري مكون للجهاز البيروقراطي المصري، فيلم العيبعن رواية يوسف إدريس مثلا كان فريدا في التقاطه لهذه الحالة.

ولا يمكن القول أن المرأة اليوم لا تشارك في سوق العمل كما حدث في العقود السابقة، بل بالعكس حصلت المرأة على المزيد والمزيد من الفرص لكن، شاهدنا مؤخرا نوعا ما من الطغيان الذكوري على الشاشة من جديد كما السيد أحمد عبد الجواد/سي السيد سابقا ولكن بشكل مبرر وغير منتصر بالمرة للفكرة القديمة/ الجديدة، شكل مكرس لعنجهية الذكر الجديد؛ نتاج سياسي اقتصادي ديني أظهر نموذج يتسم بالخشونة المفرطة أو«الغشومية» على الشاشة المصرية.

في العام 2007 صدرت النسخة الأكثر شعبية وجماهيرية من سابقتها، «تيمور وشفيقة» للثنائي أحمد السقا ومنى زكي، للمبدع تامر حبيب. السقا الذي اكتسب شهرته في السينما المصرية من أفلام الأكشن التي أدّاها في الأعوام السابقة كـ«مافيا» مثلا 2002 و«تيتو» 2004 و«حرب أطاليا» 2005 يطل علينا لاحقًا بفيلمين في نفس العام، فيلم الجزيرة والفيلم الذي نحن بصدده؛ «تيمور وشفيقة» المفترض أن نوعية الفيلم مختلفة تماما عن ما قدمه لاحقًا باستثناء «عن العشق والهوى» قبلها بعام واحد، لكن سيتضح العكس!

قصة الحب التي جمعت بين تيمور وشفيقة منذ الطفولة، حيث يجمعهم بيت واحد؛ بالطبع يكبر تيمور شفيقة بفارق عمري -يسمح بتكوين سلطة أبوية منذ البداية- فيكون باستقبالها في لحظة ميلادها هي اليتيمة الأب فيبدأ تيمور في تملك شفيقة منذ الطفولة، فهو كأبيها يخاف عليها ويحبها ويشارك في جميع اختياراتها.

فمن شفيقة الطالبة المتفوفة في الجامعة، وتيمور الطالب بكلية الشرطة، إلى شفيقة معالي وزير(ة) البيئة وتيمور ضابط الحراسات الخاصة لشخصيات هامة، طموح كبير لدى شفيقة منذ البداية يقابله تسلط وتعنت من تيمور الذي يمارس سلطته المختلفة الأشكال عليها منذ البداية تارةً مستمدة من سلطته الابوية عليها وتارةً من سلطته الوظيفية كونه ضابط حراسات خاصة سيكون مكلفًا لاحقًا بحراستها كونها وزيرة!

الأمر المختلف كليا هنا هو أننا من بداية الأمر أمام حقيقة معلنة بصراحة «مفيش راجل فالعيلة يتكسر له كلمة» كما يقول تيمور، محاولات شفيقة للخروج عن هذه القاعدة تُقابل بالرفض من تيمور -حارسها- ينتهي بها الأمر في أن تختار بين أن تكمل مسيرتها المهنية التي تصل فيها إلى وزيرة أو أن تقبل أن تظل تحت جناح تيمور حارسها الشخصي وتقبل تسلطه ومحاولاته أن يلغي هذا الطموح الجريء لديها وعلى الرغم من ذلك يرفض تيمور هذه الفكرة: «شفيقة دي بنتي، لا قاصد ألغيها ولا أي هبل من اللي كانت فاكراه – حد يلغي بنته» فهو يتعامل معها ليس كحبيب فقط بل كأب، وللأب سلطة على أبنائه؛ فهو يرى أبعد منهم وسلطته نافذة، فعندما ترفض شفيقة هذه السلطة يعاقبها تيمور بإنهاء هذه العلاقة الكبيرة وتحديدها باطار رسمي فقط، فهو الحارس الشخصي لها فقط وجارها وأخوها ربما!

لسنا أمام نفس التناقض الموجود في النموذج الأول بين الأفكار/المشاعر المستند على بناء قوي من الأفكار والأيديولوجية الداعمة لفكرة عمل المرأة وتحقيق ذاتها، وإنما نحن أمام نموذج من البداية يرفض فكرا وعاطفة لأي تواجد انثوي منافس له لأن يكون الزوج حارسًا تابعًا للزوجة مثلا: «أيكون مكانه إلى جانب زوجته في حفل ما أم ينتظر بالخارج مع طاقم الحراس؟!» إذن الأنانية الذكورية تحتم عليها أن تتنازل عن حلمها وطموحها في سبيل الارتباط بحبيبها، لسنا أمام نفس النموذج الذي انتصر أخيرًا لأن يغلّب فكره وموضوعيته على عاطفته وشعوره المحكوم بالمجتمع وقيمه، وإنما أمام نموذج مختلف صامد شعوريا وفكريا يعبر عن نفسه «أنا منفعش أكون غير سي السيد» ، سيؤدي حتما إلى انهيار الطرف الثاني شعوريا تجاهه وتجاه قيمه وسينسى أو يتناسى ما سعى إليه طوال حياته وما حققه من إنجازات غير مسبوقة بالقياس الجندري!

فشفيقة وزيرة البيئة ستتنازل عن الوزارة لتكون زوجة تحت جناح تيمور حارسها الذي قدم لها تنازلات كثيرة -على حد قوله- وأنقذها من الموت لاحقًا، فكانت النهاية كأنها تقدم له تنازلًا عن نفسها لصالحه واعتذارًا منها له وللمجتمع الذكوري المتسلط بقيمه فـ«بيتها وجوزها كسبوها» وإن كانت تصر على غير ذلك!

ربما كانت للرأسمالية دور في بروز هذه العنجهية المفرطة للذكر على الشاشة، فالمرأة سلعة دائمًا في عرف «ذكر الرأسمالية» وربما من هنا نرى استحالة ظهور حالة التناقض كما في الحالة الأولى، فهو مقرر سلفًا وضعها كتابع أو كثانوي وليست كفاعل!

فالثنائي الحاضر في وجدان الجمهور؛ ثنائي: تيمور وشفيقة لأنه يلبي متطلبات مجتمعية كرس لها ودعمها؛ نموذج ذكوري سلطوي من إنتاج الطبقة الوسطى، نموذج ثابت في وجدان الشعب المصري نال ثباته واستقراره سياسيا من الأنظمة الحاكمة العسكرية مؤخرا- في المقام الأول التي عسكرت المجتمع بالكامل في أدق تفاصيله، ودينيا على قاعدة «القوامة» التي تسلط دائما كسيف ذكوري، وبما أن الطبقة الوسطى هي عماد أي مجتمع ومرآة له، فإن توجهات أي نظام تجد مظاهرها ونتائجها في طبقته الوسطى، في مجموع قيمه التي يتبناها ويدافع عنها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد