يتحدث محمد قطب في كتابه “واقعنا المعاصر” عن قضية تحرير المرأة، فهو يرى أن مَن وراء هذه الدعوة هم اليهود والصليبيون ويؤكد “ومن كان في شك من التخطيط الصليبي وراء إثارة قضية المرأة فليقرأ قرارات المؤتمر التبشيري الذي عقد في لكنو سنة 1913 والذي كان – كغيره من مؤتمرات المبشرين- يخطط علانية لهدم الإسلام ومحاولة محوه من الوجود”. وهذا الدور هو عين ما فعله اليهود في أوروبا ” أنه مهما حاولوا إفساد المجتمع عن طريق إفساد الرجل وحده فإنه في النهاية لا يفسد” و”أنه لا بد من إفساد الأم لضمان فساد المجتمع” ثم يتساءل “فكيف يفسدون الأم المسلمة والفتاة المسلمة؟ إذا كانت قابعة في بيتها فمن أين يصلون إليها؟ وإذا كانت جاهلة فمن أين يوصلون إليها الأفكار التي يلوثون بها عقلها ويفسدون بها عقيدتها وأخلاقها؟”، “لا بد إذن من تحريرها وتعليمها لكي يصل إليها كيد الشيطان”.

 

يتحدث قطب عن “البطل” الذي أنيط به هذه المهمة، وهو الشاب قاسم أمين. ولأنه شاب من أسرة تركية و”فيه ذكاء غير عادي” التقطه الذين يبحثون عن الكفاءات النادرة والعبقريات الفذة ليفسدوها، ويفسدوا الأمة من ورائها. التقطوه وابتعثوه إلى فرنسا.. لأمر يراد” وسافر إلى فرنسا “ولكن عاد بوجه غير الذي ذهب به”، “عاد يدعو إلى تعليم المرأة وتحريرها على ذات المنهج الذي وضعه المبشرون وهم يخططون لهدم الإسلام”. وهناك في فرنسا يلتقي بفتاة فرنسية وتنشأ بينهما علاقة بريئة لكن محمد قطب لا يتركنا ننخدع بتلك العلاقة قبل أن يذكرنا “وسواء كان هو الذي التقى بها أم كانت موضوعة في طريقه عمدًا ليلتقي بها فقد لعبت هذه الفتاة بعقله كما لعبت بقلبه وغيرت مجرى حياته وجعلته صالحًا للعب الدور المطلوب الذي قررت مؤتمرات التبشير أنه لابد منه لهدم الإسلام”.

 

وعندما عاد قاسم أمين ليبشر بدعوته “نفس الدعوة التي دعا بها رفاعة الطهطاوي من قبل عند عودته من فرنسا” لكن الأمر الآن قد تغير “فإن أكثر من نصف قرن من الغزو الفكري المستمر كانت قد فعلت فعلها في نفوس الناس”، “والآن وقد صار للمرأة قضية فلابد للقضية من تحريك”، “وصارت القضية التي يدور حولها الجدل هي السفور والحجاب” فـ”ذلك ما تطلبه مؤتمرات المبشرين وما يطلبه الصليبيون الذين يخططون”، “المطلوب هو أن تخرج المرأة في النهاية عارية في الطريق”.

 

 

تتلقف هذه القضية مجموعة من النسوة على رأسهن هدى شعراوي بنت محمد باشا سلطان، التي تقابل الرجال في صالونها سافرة بدون محرم، لتبلغ “المسرحية” ذروتها في مظاهرة النسوة بميدان الإسماعيلية خلال أحداث ثورة 1919حيث تجمعت مجموعة من النسوة أمام ثكنات قصر النيل بقيادة صفية زغلول وخلعن الحجاب ثم أشعلن فيه النار. ثم يتعجب محمد قطب ويتساءل: “فما علاقة المظاهرة القائمة للاحتجاج على وجود الاحتلال الإنجليزي، والمطالبة بالجلاء عن مصر.. ما علاقة هذا بخلع الحجاب وإشعال النار فيه؟!”، “ما المنطق في المسرحية” ثم يجيب لنفسه “ولكن التجارب علمتنا أن هذا المنطق الذي لا منطق فيه، هوالطريقة المثلى لمحاربة الإسلام”، “إن الذي يقوم بعمل من أعمال التخريب والتحطيم ضد الإسلام ينبغي أن يكون بطلًا لتتدارى في ظل البطولة أعمال التخريب والتحطيم!”، “الأبطال الذين حاربوا الإسلام بوسيلة من الوسائل.. كلهم ينبغي أن يكونوا أبطالًا وقت قيامهم بمحاربة الإسلام، وإلا انكشفت اللعبة من ورائهم، وانكشفت عمالتهم لأعداء الإسلام من الصليبيين واليهود”، “وتدريجيًا.. في ظل البطولة المدوية.. سقط الحجاب!”.

 

وبعد أن أصبح مألوفًا أن ترى البنات سافرات والأمهات محجبات يحدد لنا قطب “الأداة العظمى في عملية التحويل هذه” “التعليم من جهة، والصحافة من جهة أخرى”، “واستفاد أعداء الإسلام فائدة عظمى من الوضع الجاهلي الذي كان يسود المجتمع الإسلامي تجاه المرأة وتعليمها، فأثاروها قضية، ودقوا دقًا عنيفًا على الأوضاع الظالمة لينفذوا منها إلى ما يريدون.” وهكذا “سقط الحجاب تدريجيًا عن طريق بنات المدارس” فـ”لوخرجت بنات المدارس عن تقاليد المجتمع المسلم دفعة واحدة ومن أول لحظة، هل كان يمكن أن يقبل أحد من أولياء الأمور أن يرسل بنته إلى المدرسة لتتعلم؟!” ولا يتركنا محمد قطب لنظن أن الجميع يشارك في”المسرحية” فهناك مخدوعون مستغفلون “يتلقفون الدعوة بإخلاص” لكنهم “أدوات معينة للشياطين، يستغلون موقفهم لتقوية دعوتهم”، “فيتم ما أراد الشياطين!”.

 

هذه لمحة تبين لنا طريقة تناول أحد أشهر كتاب الصحوة الإسلامية في كتاب من أشهر كتبه لقضية تحرير المرأة، ولسنا نبغي من وراء ذلك النقاش حول معركة فكرية حدثت منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فإن النقاش فيها سيكون أعمق كثيرًا مما طرح المفكر الإسلامي الشهير أخو ووريث المفكر الإسلامي الأشهر، فهو مفكر إسلامي بالوراثة. وإنما نريد أن نرى كيف يرى الأمور؟ وكيف يحللها؟ ثم ما تأثير تلك الرؤية على الفكر الإسلامي، وفكر الإسلاميين الذين يتبعونه؟

 

يعتبر محمد قطب ما حدث هو “مسرحية” يقوم بالكشف عن أحداثها الحقيقية، أو يروي ما وراء الكواليس وما لا يعرفه المتفرجون.

 

وللمسرحية عناصر: فالمتفرجون متفرجون لا يشاركون في التمثيل ولا تطور الأحداث والوصول إلى حل، وكل دورهم هو التلقي وفقط، وفوق كل هذا فهم مخدوعون مغفلون فهم عنصر سلبي.

 

وأما المؤلف فهو صليبي، ولأننا لا نستطيع أن نسأل الأستاذ العظيم لأنه بين يدي مولاه فإننا نسأل أتباعه كيف يكون الأوروبيون أصحاب الحضارة المادية صليبيين؟ وأخشى أن نفقد الإجابة بموت الأستاذ وأن تظل سرًا للأبد.

و أما “أبطال” المسرحية فهم صنيعة المؤلف يستغل مهارتهم في التمثيل ويوظفهم في توصيل الأفكار التي يريد أن “يغزو” بها عقول المتفرجين الهمل، ولا بد من وجود أبطال حتى تنطلي الخدعة على عقول المتفرجين إن كان ما زال الأستاذ يعتقد أن لديهم عقلًا، وخلف بطولتهم تتوارى الأفكار الخبيثة التي يريد المؤلف إذاعتها، وهذا لا يعني أن كل الممثلين مشاركون في مؤامرة المؤلف بل هذا لا يمنع من وجود مخدوعين مستغفلين لكن ببراعة يتم استغلالهم في حبكة الأحداث.

 

وأما المنتج فهو يهودي احترف الإفساد فكما أفسد بمسرحيته متفرجين آخرين في أوروبا، ومع ذلك ظلوا صليبيين يشاركون اليهودي مؤامرته، فاليهودي يريد أن يكرر نجاح مسرحيته نفسها على مسرح آخر في بلاد الشرق، واليهودي يملك المال ويملك الذكاء فهو يتمكن ببراعة من إمساك خيوط المسرحية لإشباع رغبته في الامتلاك والسيطرة خلف ستار إمتاع وإسعاد المتفرجين.

 

وأما مسرح الأحداث هو التاريخ الذي يمثل دائمًا صراعًا بين الشرق والغرب/ الحق والباطل/ الإسلام والكفر/ الخير والشر، المخدوع/ قليل الذكاء/ الضعيف الذي لا يعي أحداث التاريخ يصير مطية وهدفًا للمؤامرات وطعمة للمفسدين الأقوياء/ الأذكياء. ألا يذكرنا ذلك بأفكار هوبز وداروين تكرر في ثوب إسلامي؟!

 

هكذا يرى محمد قطب قضية تحرير المرأة مسرحية/ مؤامرة وضعت لغزوالمسلمين فكريًا ولكنها لم تكن لتنجح “لو كانوا على إسلام صحيح”، “ولكنهم لم يكونوا.. فأصابهم ما أصابهم”.

 

ولا يمنعنا عدم إرادتنا من اتخاذ هذا الكلام مادة للنقاش حول قضية تحرير المرأة أوالحجاب والسفور، أن نذكر أن المفكر الإسلامي العظيم قد وقع في خطأ تاريخي يدركه أي قارئ مبتدئ: فهو يريد منا الاقتناع بأن قاسم أمين الذي أصدر كتابه تحرير المرأة عام 1899 ثم أصدر كتاب المرأة الجديدة عام 1900 ثم مات عام 1908 ما هوإلا منفذ لقرارات مؤتمر لكنو التبشيري الذي عقد في عام 1913 بعد وفاة قاسم أمين بخمس سنوات! فمن يصدق هذا؟! وأين أتباع الأستاذ ليبرروا هذا؟!

 

ولا يفوتنا أيضًا أن نسأل روح الأستاذ السامية أن نضيف عليه من معين إخوانه مفكري الصحوة: فهو يذكر أن هدى شعراوي ابنة محمد باشا سلطان ونسي أن يذكر أن محمد باشا سلطان هو أحد معاوني الاحتلال البريطاني على دخول مصر. وأن قاسم أمين هو تلميذ لجمال الدين الأفغاني الشيعي الماسوني الذي تزيا بزينا ليخدعنا وينشر أفكاره الخبيثة عن طريق جمعياته السرية، وقاسم أيضًا مدين بالكثير لشيخه محمد عبده عميل الاستعمار وصديق اللورد كرومر. أليس بهذا تكون المؤامرة اكتملت؟

 

في ظني أن ببلوغي الكلام إلى هنا لا أحتاج لإيضاح كثير حول أثر أمثال تلك الكتابات على عقول المسلمين وكيف يزرع الترويج لفكر المؤامرة الخنوع والإحباط في عقل المسلم، فهو يجعل المسلم بين طريقين إما أن يستسلم للأذكياء ويتركهم يتحكمون به، أو يتعاون معهم. ففي الحالتين لا قبل له بمواجهتهم فهم أقوياء مسيطرون على كل الأمور. لكنه لا يترك الأمور بالطبع لهذين الحلين بل يضع حلًا آخرًا؛ فالمسلمون هم من يمتلكون العقيدة الصحيحة وعليهم المقاومة وإنقاذ البشرية مما فيها بمنهجهم الرباني ولا يتركونها فريسة للشياطين، فيدخلون في معركة دونكيشوتية مع طواحين الهواء. ونترك للواقع وحده أن يجيبنا على جدوى أفكار وحلول قطب وليس هذا من البراجماتية ولكن لما انسدت كل السبل في إقناع الجميع بخطورة تلك الأفكار لم يتبقَ إلا الواقع ليحكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

*كتاب واقعنا المعاصر طبعته دار الشروق الطبعة الأولى 1997.
*كل ما بين علامتي التنصيص هو كلام محمد قطب نفسه.
عرض التعليقات
تحميل المزيد