«إن كيدهن عظيم»

هكذا دائما توصف النساء، فقد عرفن بالكيد والمكر والدهاء، فلا عجب إذن أن نجد من بينهن من لعبن دورًا حاسمًا في حياة الملوك والحكام، سواء في الشرق أو في الغرب قديمًا وحديثًا.

فمن منا لم يشاهد مسلسل حريم السلطان، ليرى مدى ما يمكن أن تفعله النساء في قصور الحكم والسلطان، وعلى ما في المسلسل من مبالغات وأشياء تخرج عن نطاق التاريخ الفعلي، إلا أنه يعطينا صورة قريبة لما كان يحدث من دسائس نسائية.

علينا أن ننتبه إلى أن تدخل أي امرأة في شئون السياسية يرجع غالبًا لميل الحاكم لها ولعقليتها الراجحة على بنات جنسها، فالملوك دائما محاطون بالجواري والنساء، ولن تدخل امرأة منهن إلى عقل السلطان إلا إن كان عقلها راجحًا واسعة الحيلة الدهاء كشهرزاد بطلة حكايات ألف ليلة وليلة.

وإذا أردنا التحدث عن مكائد النساء ودسائسهن في قصور الحكم، ستلمع لنا أسماء عديدة سنحاول أن نمر بينها:

أم جعفر بنت جعفر

تلك هي زبيدة زوج هارون الرشيد، الخليفة الحاج الغازي المحاط بالكثير من النساء والجواري، لكن واحدة من بينهن كانت لها المكانة الكبرى لديه والأهمية القصوى في بلاطه، تلك هي ابنة عمه زبيدة وأم ولده الخليفة الأمين، فقد كان رأيها محل تقدير الرشيد ووراء هذا الرأى سار الرشيد وأخذ البيعة لابنه الصغير محمد وهو ابن خمس سنوات فقط، ليكون ولي عهده وأرضوا الجند بالمال ليقبلوا البيعة التي جرت فيما بعد حربًا بين الأخوين الأمين والمأمون.

وكما كانت زبيدة هي الأثيرة بين نساء الخليفة أرادت أن تنفرد وحدها بالرأى الذي يقطعه الخليفة، ولهذا كان العداء مكنونًا بينها وبين الوزير جعفر البرمكي الذي كانت له ولآل بيته مكانة كبرى لدى الرشيد وأسلافه وقام بينها وبين الفضل بن الربيع منافس البرمكي الراغب في منصب الوزارة وقد أثمر التحالف ثماره حيث استغلوا بعض تصرفات الوزير وحرضوا ضده الخليفة الذي قرر أن يتخلص من وزيره وأهله فيما عرف بنكبة البرامكة.

أم المستنصر

كلنا سمع بالشدة المستنصرية التي دامت أعوامًا من الجوع على المصريين، لكن لم يكن السبب لتلك الأزمات هو جفاف النيل كما نظن، بل كان السبب فيها عدة أزمات سياسية متلاحقة، جعلت الأمن يختفي من البلاد، ولا تجد الأرض من يزرعها، فتن بدأت بتدخل السيدة أم المستنصر في شئون الحكم نتيجة صغر سن ابنها،

ففي عام 436هـ توفي الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وزير المستنصر بالله الفاطمي، مما أوجد فرصة للسيدة أم المستنصر للتدخل في شئون الدولة فاستكثرت من السودان – جنسها فقد كانت جارية سودانية – وولت حجابتها للتستري فأصبح الوزير الفلاحي معه لا أمر له، ولما كانت طوائف العسكر منقسمة بين الأتراك والمغاربة، فعمل التستري على استمالة المغاربة على حساب الأتراك، فاستغل الوزير الفلاحي الأمر وأعان الترك على قتل التستري، واضطر الخليفة للسكوت لإقرار العسكر جميعا بقتله، إلا أن السيدة والدته لم تسكت على مقتل رجلها، فأعانت السودان والمغاربة ومدتهم بالسلاح لحرب الترك، مستخدمة في ذلك الوزير البابلي. إلا أن قادة الترك أنهوا الأزمة لصالحهم وتحكموا بالأمور ونهبوا قصور الخليفة وقطعوا المؤن عن القاهرة، وظلت تلك الأزمات تتلاحق حتى قام الخليفة باستدعاء بدر الجمالي الذي بادر لإصلاح أحوال البلاد، وضبط أمورها، وسيطر على مقاليد الحكم بصفة شبه كاملة.

عصمة الدنيا والدين

كان هذا هو اللقب الرسمي للسلطانة شجرة الدر، أشهر نساء العصر الإسلامى كيدًا ومكرًا ودهاءً .

كانت شجر الدر في صحبة الصالح أيوب منذ كان أميرًا، ونفيت معه إلى الكرك قبل أن يتولى السلطنة، وعاشت معه في العز والنعيم،  وكان أيوب يحبها ويعتمد عليها في كثير من أموره، فقد كانت بديعة الجمال ذات رأي وتدبير ودهاء وعقل، وقد ظهر ذلك جليًّا بعد وفاة سيدها الصالح، في خضم معركة فاصلة بين جيوش الصليبيين المرابطة على الأراضى المصرية وبين جيش مات قائده، غير أنها أدركت الخطر وخاصة وولي العهد في بلاد بعيدة فأرسلت من فورها تستدعي الأمير ليتولى عرش أبيه، وأخفت نبأ وفاة السلطان، وظلت توقع هي على المراسيم وتقول لمن يسأل عنه إنه مريض ولا يحب أن يراه أحد في ضعفه، ودبرت الأمر حتى انتصر الجيش وهُزم الصليبيون وحضر تورانشاه إلى المنصورة وتسلم العرش، ومع تطور الأمور وإقدام المماليك على قتل السلطان الجديد قرروا توليتها الحكم لحسن سيرتها وغزير عقلها وجودة تدبيرها، هذا التدبير الذي جرها للدسائس والتدبير لتتخلص من السلطان أيبك الذي أراد لها الابتعاد عن شئون الحكم، لينفرد هو به وتعود للحريم وهو وضع لم تعرفه مذ كانت جارية وكان لا بد أن تنهي ذلك الوضع، فقامت بدسيسة ماكرة استدرجت بها السلطان إلى مخدعها وقتلته، لكن هذه المرة كان تدبيرها في تدميرها فقد عُرف الخبر وقبض عليها مماليك قتيلها، واقتصوا لسيدهم منها وألقوا جثتها بلا ملابس تسترها، حتى عطف عليها بعض المارة وحملها وكفنها ودفنها.

بالطبع تلك أمثلة قليلة، نبرهن بها على مقدرة المرأة على هدم عروش وإقامة ملوك على أن البعض يرى دائما أن تدخل المرأة عامل هدم وليس عامل بناء، لكن لدينا من التاريخ أمثلة كثيرة تثبت عكس ذلك، ولديك مثال شجر الدر؛ فهو خير الدليل لكن ما يعطي للمرأة دائما مساحة للحركة ليس قدراتها وعقليتها بقدر ما هو ضعف من حولها وقلة تدبيرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد