عندما نتحدث عن حرية المرأة، فأول شيء يتبادر للعقل الحافي الصدئ، أن حرية المرأة هي العري والفساد فقط، وأشياء كثيرة يصعب ذكرها، لا في الحياة الخاصة أو العامة، حتى في التفاصيل الصغيرة، وحتى إذا شرحت لهم جوهر الأمر لا يتقبلون الفكرة ويتجهون للدين، أو بالأحرى الاختباء وراء الدين، غير أن الدين لا يمنع المرأة من حريتها الفكرية، التي بها تسير حياتها وفق نظام شامل لكل التفاصيل اليومية، وعبرة القول إن الدين بعيد أشد البعد عن تفاصيل الحياة، الدين تمارسه الروح الطيبة وصولًا لبارئها، تواصل باطني مع الخالق، أما حقوق المرأة وأفعالها وكلامها وواجباتها، وحريتها الفكرية الشخصية، لا أحد يملك الحق في اتخاذها مكانها، هي أدرى بما تفعل طالما لديها عقل، ولا أتحدث هنا مع من يعتبر المرأة نصف عقل، لأنه حقًا أمر غير منطقي ولا أخلاقي، لكن العقل الواعي المنفتح لا يمتلك نفس الرؤية، وذلك مرجعه الوعي، لكن المشكلة الكبيرة أن المجتمع مليء بالعقول الحافية، حتى العقول التي درست وتخرجت واشتغلت في مناصب كبيرة، فعندما تقول إن المرأة عورة، أو بمجرد اعتقادك أن حريتها متعلقة بالعري ورؤية الآخرين لها، تحط من قيمتك أنت، سواء كنت أبًا، أو أخًا، أو زوجًا، أو صديقًا، فهذا نقص في النضج، وغياب للوعي.

المرأة أيضًا لها حقوق مثلما عليها واجبات، مثلها مثل الرجل، فإن كانت قادرة على العمل فلتعمل، ما المشكلة في ذلك؟ إن أرادت أن تدرس فلتدرس، ما المشكلة في ذلك؟ إن أرادت أن تتزوج أو لا تتزوج، إن أرادت أن تسافر وحدها أو لا تسافر، إن أرادت أن تعيش لوحدها أو لا، إن أرادت أن تتخذ خطواتها وحدها ما المشكلة في ذلك؟ أليست المرأة تمتلك عقلًا مثلها مثل الرجل؟ هل المرأة تملك القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ؟ نعم. هل المرأة قادرة على السير وحدها؟ نعم.

المرأة قادرة على فعل الكثير من الأشياء والتي من ضمنها أشياء ليس في استطاعة الرجل القيام بها، لكن من يقيد المرأة؟ من يضع في طريقها العقبات؟ هل باستطاعتها مواجهة هذه العقبات؟ هل باستطاعتها مضارعة العقل الذكوري السائد؟

إذا ارتبطنا بالواقع، وبالرؤية الواضحة للمجتمعات المتقدمة، نجد أن المرأة باستطاعتها ذلك، باستطاعتها التحكم في حياتها بشكل أفضل إن أرادت ذلك، وإن كانت حرة ولا تقيدها سلطة ذكورية. وهنا سنطرح قضية خاطئة يقع فيها العديد ممن يسمعون عن حرية المرأة في المجتمعات المتقدمة، ويعتقدون أن المرأة العربية ليس باستطاعتها أن تسيّر حياتها بالشكل الذي تريده، وإن كان ذلك فهي في طريق خاطئة؛ إذ ستخرج عن دين الله بمجرد اقتدائها بحرية أجنبية لأن الثقافات مختلفة.

نعم الثقافات مختلفة والمعتقدات والأفكار كذلك، لكن ذلك لا يمنع المرأة العربية في الاختيار والتمييز، بإمكانها السير في الطريق الصحيح بالشكل الذي توده لصنع حياة تحلم بها دون قيود، بإمكانها العيش بحرية من صنع فكرها هي لا الفكر الأوروبي وثقافاته المختلفة، الحرية في العقل وليست في أوروبا، لماذا البعض من مجتمعنا العربي يحط من قيمتها ويقلل من قدراتها؟ إن هذا الانحطاط الذي نعيش فيه يبعث في النفس الشعور بالغثيان، فالمرأة رغم مجهوداتها التي تقوم بها من أجل تقديم إضافة، نجد أنها معرضة للتحرش، معرضة للخطر، وكل هذه الأفعال صنّاعها هم نفسهم من يضعون القيود، هم العقبة، هم من يتحرشون بها في الطرقات وفي حافلات النقل، أو سيارات الأجرة، أو الأسواق، وفي العمل بشكل أكبر ومنحط، إذ بمجرد اعتراضها تصبح معرضة للطرد من عملها بدون أدنى شك، لكن هذا المتحرش، هذا الذي يرى أن المرأة مجرد أداة للإنتاج، مجرد متعة، أليست لديه أم، أو أخت، أو زوجة؟ نعم لديه أم ولديه أخت أو زوجة، لكن غير واع، وتربى على أن المرأة لا حرية لها، إلا في بيت أبيها أو زوجها، لا يمكنها فعل شيء دون موافقة ذكورية، وهذا الأمر موجود على أرض الواقع، بل وأكثر من ذلك. وحتى مقالتي هذه لن يكتب لها الوجود لولا ما نعيشه في وجودنا المقرف، وبالخصوص في الدول العربية، أو بعضها، ممن يهينون المرأة، ويعتقدون فيها ما يعتقدون، لكن المرأة مقدسة في وجودها ومسؤولة عن فعلها، والله أنعم عليها بالعقل مثلها مثل الجنس الآخر، لذا لا يحق لأي كان إملاء ما يجب عليها فعله.

المرأة قوية بطبعها، ليست ضعيفة كما يعتقد البعض، المرأة تضعف أمام من تحب فقط، تضعف أمام الشخص الذي تحب عندما يصبح شخصًا آخر غير ما كان عليه من قبل.

وعندما نقول حرية المرأة، أي الحرية الفكرية، حريتها في ضبط أمورها وحدها، وهذا لا يمنعها من شريك حياة، أو شخص تشاوره، لها حريتها الشخصية حتى في اختيار لباسها، فبما أنها تملك العقل فهي قادرة على معرفة اللباس الذي يليق بشخصيتها، رغم أن اللباس لا علاقة له بفكرها، أو بفعلها، اللباس يبقى لباسًا، وفيه الأشكال والألوان التي تساير الموضة والعصر الحالي، وهذا شيء معروف ومتفق عليه من جيل لجيل، ولكل من يعتقد أن المرأة مجرد عورة، ولا تصلح إلا للإنجاب والجلوس في البيت تحت رحمة زوجها، أقول إن هذا الشخص متخلف، وهو العقبة المحطمة لسيرها في طريق حلمها، نعم يبقى الفكر مختلف من شخص لآخر ويحترم حتى وإن كان غير متفقا عليه، لكن هنالك أمورًا بارزة أساسية لا يمكن التجاوز عنها، المرأة الآن أصبحت بفعل قدرتها على الاختيار والتفكير بحرية رائدة فضاء، عالمة، كاتبة، مخترعة.

في كل المجالات نجد لمسة فنية من يد نسائية، وهذا لا يعني أن حرية المرأة محصورة في العمل، لا بل في كل شيء لها القدرة على فعله، في كل شيء نافع سيشكل إضافة إنسانية لها منافع للأجيال الراهنة واللاحقة، وأقول للمرأة العربية بالخصوص: أنت جزء من هذه الأرض النابضة بالحياة، لديك الحق في الإبداع والخلق، كل القيود الذكورية المختلقة هي مجرد تفاهات بإمكانك تجاوزها وتأكيد تفاهتها الفكرية الكامنة بلا شك في العقل الحافي، فكري بحرية لتعيشي بحرية أيتها المرأة العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد