المسؤولية هي ما يقع حصريًا على عاتقي، وهي ما لا يمكنني إنسانيًا أن أرفضه.. لا أَكون نفسي إلا عندما أكون مسؤولًا.. إيمانويل ليفيناس

ما أجمل أن يشعر الإنسان بأنه مسؤول، مسؤول عن حياته، عن خياراته، عن ميوله، عن إبداعاته، عن نجاحاته وعن إخفاقاته! إذا سُلبنا حق الاختيار وإذا سمحنا لغيرنا أن يحدد ما المناسب لنا، فإننا نتخلى – بإرادتنا أو بدونها – عن عامل من أهمّ ما يجعل منا ما نحن عليه: الاختيار.

التخلي عن الاختيار يعني الارتماء في حضن العبودية، يعني أن نجعل مصيرنا في يد غيرنا، يعني أن نصبح متفرجين على حياتنا وغيرنا يعيشها ويقرر داخلها ويغير ويعدّل. التخلي عن الاختيار يعني أن نعيش حياتنا بالوكالة!

لا شك أن الجميع يعلم بأهمية الجدل الذي يثيره موضوع عمل المرأة بين الفينة والأخرى، وهو موضوع قديم لا يزول عجب المرء وهو يتابعه للمرة الألف ويقرأ الآراء المتنوعة التي يخلّفها مرة بعد مرة، ويزداد العجب عندما نرى أننا حتى يومنا هذا ما زلنا نظن أننا نملك المرأة وقرارها معًا، ونحاول الالتفاف على المكتسبات التي حققتها بعد جهد جهيد وصعوبة بالغة.

ما زلنا إلى اليوم غير قادرين على استيعاب كون المرأة إنسانًا كاملًا حرًا يختار بإرادته الحرة المطلقة ما يراه مناسبا، ما زلنا إلى اليوم نسمح لعابر سبيل أن يمر بيننا ويدفع إلينا برأيه المناهض لعمل المرأة دفعًا، بالرغم من أن أحدًا لم يطلبه منه والأهم أن النساء لم يطلبنه منه، وغالبًا ما تكون تلك آراء خاصة تعرض على أنها الحقيقة وأغلب أصحابها لا هم من أهل الدراسات الاجتماعية ولا الاقتصادية ولا الأسرية، ولا أجروا دراسات معمقة عن الموضوع قبل أن يستعرضوا آراءهم علينا ثم يفرضونها بعد ذلك.

إن هذه الجرأة العجيبة التي لا تظهر إلا في قضايا المرأة لهي دليل على أن المسألة لم تحسم بعد، وعلى أن كيان المرأة لم يعترف به بعد ككيان حر، كامل الأهلية وله الأحقية في اختيار ما يراه دون أن تفرض عليه وصاية من أي جهة. إننا نأمل ونحن نرى التقدم الذي وصلت إليه الأمم على جميع الأصعدة أن نرى تقدما يماثله في قضايا المرأة ومسيرتها نحو، لن أقول الحرية لأنها تفهم بشكل خاطئ وتزعج من يحتكرون مبدأ الحرية لأنفسهم، ولكن سأقول وميرتها نحو الاختيار.

إليكِ سيدتي ستة أسباب تجعلك تعملين وليس من ضمنها إغاظة أحد:

1- عندما كنا صغارًا كان الكبار يوجهون إلينا سؤالًا لا يفرقون فيه بين البنت والولد، وكان هذا السؤال يلاحقنا طوال الفترات التي قضيناها على مقاعد الدراسة: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ فكنا ونحن صغار نطرق قليلًا ثم نقول: معلمة، طبيبة، وأحيانا ربة بيت. المميز هنا والمثير للانتباه، هو أننا دائمًا كنا نختار! كنا نعلم أن وظيفة المستقبل مرتبطة بسؤال ماذا تريد ولم يخطر ببالنا يومًا أن ماذا تريد ستصبح ماذا يريد لك فلان. لم يسبق لأحد منا أن قال: لحظة سأسأل أبي أو أمي، أخي أو أختي، ثم أرد عليك، كان الجواب يصدر عنا وينبعث من دواخلنا، لم نكن بحاجة إلى سؤال أحد ونحن في سن الطفولة فكيف سنعوزه اليوم؟ الذهاب إلى عمل اخترناه وأردناه هو بطريقة ما تحقيق لحلم الطفولة أو وفاء بما عاهدنا به الطفل الذي كنّاه.

2- الذهاب إلى العمل هو أيضًا تلبية لحاجة المجتمع. فهناك نساء بحاجة إلى مولدات وممرضات وبائعات ومصففات شعر ومزيّنات.. وتلبية هذه الحاجة أمر لا يستهان به. هذا طبعا لا يعني أن المرأة التي ستنزل للقيام بهذا العمل – كما يقول البعض – قد ضحت بنفسها وكرامتها وشرفها لتعيش نساء أخريات معززات مكرمات! أظن أن هذا الطرح صادم وسخيف ولا بد عن احتقاره لأنه يجعل النساء طبقات ويحاول بطرق ملتوية جعل المرأة العاملة تشعر بالذنب والعار. فقد كان الناس من قديم الزمن يعملون في مهن مختلفة، فالخباز يحتاج إلى الطبيب والفلاح يحتاج لمن يرعى غنمه والحاكم يحتاج من يقف على بابه ويحميه من دخول من هبّ ودبّ. وقد كانت النساء يعملن في كل المجالات المتاحة وقتها من الفلاحة إلى الزراعة والتمريض، ولم يقل أحد إن السيدة عائشة وغيرها من النسوة اللاتي كن يعالجن المرضى قد ضحين بكرامتهن لتنعم نسوة أخريات بالبقاء في البيت! ثم إن هذه المقولة قد بلغت درجة من السخف بحيث لا يمكن حتى أن تنطلي على الصبيان، فهم يصورون المرأة الماكثة في البيت على أنها ملكة في بيتها – زعموا – والحقيقة أن الجميع يعرف ظروف النساء الماكثات في البيوت، ولن يخدع هذا الكلام أي امرأة فالعاملة نفسها تعود إلى بيتها ولها عطل تقضيها في بيتها فتعلم جيدا أنه لم يفتها شيء إذا كانت قد اختارت وظيفة معينة ودرست أبعادها (سلبيات/ إيجابيات)، دون أن ننسى أن الكثير من العاملات اليوم قد كن ربات بيوت من قبل أو قد يصبحن كذلك في المستقبل.

3- بالإضافة إلى حاجة المجتمع للنساء العاملات، هناك أسر كاملة تقوم على شؤونها المرأة. فإذا أصغينا إلى هذا الطرح السقيم الذي يدعو النساء للتخلي عن العمل خارج أسوار البيت، فسوف تسقط بيوت فوق رؤوس ساكنيها. إذا استمر هذا الطرح التمييزي الذي يهدف إلى اتهام النساء العاملات وإلى التحريض ضدهن وتصغيرهن في أعين الناس، فكيف يمكن مستقبلًا احترام النساء العاملات عامة، والعاملات بسبب ظروفهن الاجتماعية خاصة؟ كل تنازل من النساء اليوم، هو رصاصة يضعنها في مسدس مصوب نحو صدورهن. كلما قل عدد العاملات كلما ارتفع صوت المنتقدين وضعفت النساء تحت وطأة هذه الحملات الموسمية، وعما قريب ستتهم العاملات وسيكون على المرأة أن تقدم وثيقة تشرح فيها الأسباب التي دفعتها للخروج إلى سوق العمل قبل أن تتزوج أو أن تحضر مجلسا اجتماعيا أو مناسبة دينية! وستصبح عبارة امرأة عاملة مسبة لها ولأسرتها وأبنائها. والتاريخ شاهد وحافل بمواقف سلبية وشتائم كانت مرتبطة حتى أجل قريب بخدامات البيوت والكوافيرات وغيرها بسبب نفس هذا الطرح المسيء المشين ونشر الشائعات بين الناس.

4- الاستقرار النفسي هو أيضًا من الأسباب الوجيهة للذهاب إلى العمل. هناك نساء لا يجدن أنفسهن إلا وهن يمارسن عملًا شريفًا يحببنه، والغريب أننا غالبًا ما نتفادى الحديث عن إرضاء الجانب النفسي للمرأة وكأنها لا يحق لها أن تفعل ما تحب. فكما أن الرجل إذا ما تم تعيينه في وظيفة لا تناسبه ولا يرتاح فيها، يكتئب ولا يقدم أفضل ما عنده لأنه مجبر على التواجد هناك، فكذلك المرأة! من كانت تحب مهنة الطب أو التجارة أو الحلاقة فإنها لا ترتاح في غيرها، ومن ضمن غيرها: أن تكون ربة بيت. أظن أننا قد وصلنا إلى مرحلة لم يعد من المقبول أن تتسامح المرأة مع من يريد أن يسحب منها حق الإحساس بالراحة النفسية. بل إن هناك من يسخر من هذا الأمر، ويتساءل كيف لا ترتاح في البيت؟ هذا لأنهم بنوا فكرة خاطئة مفادها أن المرأة ترتاح حيث اختاروا لها أن تكون، وقد تشكلت هذه المفاهيم في أذهان أغلبنا مع تكرار عبارة فطرة المرأة كذا طبيعة المرأة كذا خُلقت المرأة لكذا ولا ندري من حدد هذه الفطرة وهذه الطبيعة؟ فما إن يروا امرأة ترتاح في عملها إلا ويسارعون بالقول إنها مشوهة الفطرة أو ضحكت عليها جهة بعينها. لكن القارئ للتاريخ سيعلم أن المرأة كانت دائما تعمل خارج البيت، وأن النساء المسلمات كنّ يعملن أيضا، لكن الفهم الأعوج لآي القرآن والتأويل الخاطئ لوقرن في بيوتكن المخاطب لنساء النبي اللاتي لسن كأحد من النساء ينتج ما هو أسوأ من هذا. ويكفي أن يعلم الإنسان أن بقاء المرأة في بيتها لا تخرج ولا تدرج قد كان عقابا خلده الذكر الحكيم، فكيف يكون فطرة! هذا والكل يعلم أن المرأة العاملة مهما كانت طبيعة عملها هي أيضًا ربة بيت في الحقيقة، لأنها تقوم بكل مهامها كزوجة وأم بالإضافة إلى العمل.

5- الاستقلال المادي هو سبب كافٍ لجعل المرأة تفكر في العمل إن كانت تحب ذلك وتريده. لكنه من التابوهات التي لا يقترب منها أحد، لأن بعض الناس يقرأون الاستقلال المادي على أنه نشوز وتمرد من المرأة على مؤسسة الزواج التي لا ينبغي أن يكون فيها معيل غير الرجل. وقد نتفهم خوف جماعة من الرجال فيما يخص هذا الجانب، فإن شخصًا ظل يملك قرارك ويتحكم في حياتك لأنه يملك قُوتك، لا بد أن يخاف إذا علم أنه لن يستمتع بعد الآن بتهديدك بالطرد أو إرجاعك إلى بيت أبيك كما لو كنت وجبة فاسدة تعاد إلى البائع. لهذا فالاستقلال المادي قد لا يكون مهما لعدد كبير من النساء المتزوجات برجال صالحين أو من يعشن في دول تتكفل بالمرأة غير العاملة، لكنه ضروري في المجتمعات التي يكثر فيها الرجال الخبثاء، والأهل الذين يرفضون استقبال بناتهم المطلقات بعد أن تزوجن وأنجبن. أغلب النساء العاملات في فرنسا[1] – على سبيل المثال – مطلقات أو منفصلات، كما أن أغلب من يرفعن دعوى نفقة يعانين من تهرب الأزواج من المصاريف أو يدفعون مصاريف لا تكفي لتربية وتعليم الصغار، فتجد المرأة نفسها بدون معيل. فلا شك أن هذه التجارب تجعل المرأة تفكر في حماية نفسها. فلا يعقل أن تعيش مع رجل حتى تبلغ الأربعين، وعندما تنفصل عنه وتبحث عن عمل نطلب منها التجربة والخبرة، من أين تأتي بالخبرة في ذلك السن وهي كل خبرتها كانت في كيف تصنع الشاي وتغسل المواعين؟ وهي في الأصل أشياء طيبة لا عيب فيها لكن سوق العمل يحتاج إلى خبرات مختلفة. دون أن ننسى أن بعض الأزواج هم من يطلبون من نسائهم الخروج للعمل نظرا لغلاء المعيشة، فهل أذنب هؤلاء لأنهم قرروا أن يتعاونوا على دواير الزمان؟

6- نحن اليوم نعيش عمرا أطول، يعني أن المرأة التي تتزوج في عمر الخامسة والعشرين وتموت في عمر الستين، تكون قد عاشت في البيت مدة خمس وثلاثين سنة! وبما أننا لم نعد ننجب العدد الذي كانت تنجبه جداتنا، فإن الوقت الذي تقضيه المرأة في البيت وهي تتنقل بين الأشغال المتنوعة في انتظار عودة الزوج والأبناء طويل جدا وعدد من النساء الماكثات في البيت سيقضينه إما على الهاتف أو أمام التلفاز أو في زيارة الصديقات والجارات.. لا ننسى أيضا أن العالم تغير والتكنولوجيا في تقدم مستمر، فالمرأة اليوم لديها مجموعة من الروبوهات والآلات التي تسهل عليها عمل المنزل فتطبخ بسرعة وتغسل الملابس بسرعة ويبقى عندها فائض من الوقت تقضيه بما تيسر في انتظار عودة أهل البيت. الظروف تغيرت بالنسبة للرجل أيضًا، فهو لم يعد يعمل من الفجر حتى غروب الشمس في الحقل أو يركض خلف الحيوانات ليصيدها! ظروف الرجال تغيرت وبعضهم اليوم جالس تحت المكيف يرفع الهاتف ويعمل على الكمبيوتر فلماذا لا تتغير ظروف النساء أيضًا؟ ومن حق المرأة أن تملأ فراغها بما تراه مناسبًا.

لن أدافع عن حق النساء في المكوث في البيت، فهو الحق الممارس بشكل واسع في عالمنا الإسلامي، ونرجو مستقبلًا أن يكون للمرأة حق تقلد مسؤولية الاختيار، دون أن تخشى أن يتخلى عنها الرجل لأنه قرأ احصائية زائفة أشاعها أحدهم دون حتى أن يطالب بتقديم دليل واحد عليها لأنها ناسبت ما يجول في صدور وأهواء البعض، ودون أن تخشى نظرات تتهمها أو تحسسها بالذنب لأنها اختارت ما يعتقده البعض مفضولًا وتركت الأفضل.

الأفضل هو ما تختارينه أنتِ، بكامل إرادتك وبعد دراسة موضوعية واستشارة من تحبين.

ولعل أهم ما يحشدونه من أدلة ضد عمل المرأة ليضعفوا موقف النساء العاملات هو تربية الصغار، وينسون أن النساء في زمن النبي وقبله كنّ يلدن الصغير ويفارقنه مدة عامين وربما أكثر، لتتكفل بتربيته نساء أخريات ويرضعنه ويعلمنه، حتى أن الفقه مليء بالأحكام المتعلقة بهذا الأمر. النساء العاملات اليوم لا يفعلن ذلك، فلو فارقت إحداهن صغيرها فإنها ترجع إليه في نفس اليوم وتضمه إلى أحضانها، فعلام التهويل؟ فهي لم ترسله سنتين إلى مكان آخر لا تراه عيناها ولا تسمعه آذانها. وفي الختام نقول: فمن شاءت فلتعمل ومن شاءت فلتجلس في البيت عن اختيار لا عن خوف. المرأة ليست ملكة في بيتها، ولا ملكة في مكان عملها، المرأة ملكة حيث اختارت أن تكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد