حين علمتُ أول مرّةٍ أن شخصيّة «Wonder Woman» ستؤديها ضابطة الاحتلال الإسرائيلي جال جودت في فيلم يحمل نفس الاسم تساءلتُ في نفسي: من يمثّل من؟ هل فقط جال جودت – كممثّلة – تُجسّد شخصيّة Wonder Woman؟ أم أنه – في الواقع – Wonder Woman تتجسّد في دور ضابطة الاحتلال الإسرائيلي؟

حين بدأتُ في مشاهدة الفيلم لم أستطع أن أرى سوى هذه الصورة أمامي. إن Wonder Woman هي في الواقع ضابطة الاحتلال الإسرائيلي، وليس العكس. فعلى خلاف كل الخلفيّات الفكريّة أو التصويريّة التي يأتي بها غالبيّة أفلام الأبطال الخارقين Superheroes، حيث يعبّرون عن القوّة الماديّة الخالصة – ممزوجة أحيانًا ببعض القيم الحداثيّة – فإن النموذج الفكري والتصوّري عن العالم الذي تأتي بهِ ضابطة الاحتلال الإسرائيلي في Wonder Woman يختلف تمامًا عن النموذج الحداثي الذي يأتي بهِ الأبطال الخارقون عادة.

منذ ظهور Superman عام 1939 كنموذجٍ متطرّف للحلم الأمريكي الذي يُمثّل القوّة الخالصة والسيطرة الكاملة على المادّة ويحاول جاهدًا أن يتعايش مع باقي العالم الضعيف والأدنى تطوّرًا منه؛ فإن غالبيّة قصص الأبطال الخارقين تدور في ذات الإطار المادّي الحداثي، وتتكوّن شخصيّاتهم عبر ذات التوليفة من القوّة الماديّة والعلم المتطوّر والذكاء، أحيانًا تُضاف بعض بعض القيم الوطنيّة كما في شخصيّات Captain America أوCaptain Britain، وفي أقصى حالات تطرف النموذج المادّي فإنّه يوَظِّف السحر – كشكلٍ متطوّرٍ للعلم – في السيطرة على المادّة التي لا تدركها الحواس العاديّة كما في شخصيّة Doctor Strange، بل ويضع أحيانًا آلهة الميثولوجيا النورديّة كسُكّانٍ لكوكبٍ آخر بعيد يملكون علمًا متطوّرًا وقوّة ساحقة كما في شخصيّة Thor.

يختلف هذا الأمر تمامًا مع Wonder Woman إذ منذ اللحظة الأولى تُقدّم لنا تصوّرًا مغايرًا عن الفهم الحديث للعالم. في بداية الفيلم تُحكى أسطورة زيوس وخلقهِ للبشر وغضب آريس – إله الحرب بزعم الأسطورة – من سلوك أبيه وكراهيتهِ للبشر مما يؤدّي بهِ إلى محاولات إثبات فسادهم وضعفهم وغبائهم عبر زرعه للفتنة بينهم وإثارة الحروب ليُنهوا على بعضهم البعض. وكان الحل الذي قدّمه زيوس – قبل أن يموت! – هو خلقهِ لنساء الأمازون ككائناتٍ وسيطة بين الآلهة والبشر، مهمّتها ردع آريس عن إثارة الحروب وحماية البشر. هذا هو التصور الميتافيزيقي للعالم الذي يقدّمه الفيلم كنموذجٍ تفسيريّ وحقيقة مُطلقة. وتختلف في ذات الوقت عن النموذج الحداثي الغربي الذي يضع القوّة الماديّة والعلم المتطوّر والذكاء المتفوّق كأسس مطلقة للبطولة الخارقة. هذه التنويعة على السرديّة التوراتيّة لشعب الله المختار الأعلى مرتبةً من البشر بحسب الزعم الصهيوني هو إقحامٌ للدين – اليهودي تحديدًا – في التصوّر حول طبيعة البطولة الخارقة.

يستكمل الفيلم أحداثه إذ تُثار الحروب بينما نساء الأمازون الخالدات غافلات عما حدث خارج جزيرتهن حتى تأتي الحرب إليهنّ ويعرفنّ بها، وبالرغم من ذلك يرفضن القيام بدورهنّ في حماية البشر أو قتل آريس. وهنا يأتي دور ضابطة الاحتلال الإسرائيلي التي تُقرر أن تحمل السلاح وتخوض غمار الحرب بحثًا عن آريس وقتلهِ. إن الصهيونيّة التي تمثّلها ضابطة الاحتلال الإسرائيلي المغتصب يُقدمها الفيلم كدورٍ وجوديّ لها في حماية العالم؛ بينما باقي اليهود – نساء الأمازون في هذه الحالة – هم يهودٌ متقاعصون عن أداء دورهم الوجوديّ وتكليف الربّ لهم.

إن خروج ديانا من جزيرتها إلى العالم الحديث يعكس دخول الواقع إلى الأسطورة وأسطرةٌ العالم ومنحه هذه الخلفيّة الميتافيزيقيّة العجائبية. هذا التصوّر سينحل أو يتأكّد إذا عرفنا: هل ديانا وجدت آريس حقًا في هذا العالم الحديث، أم وجدته في خيالها فقط؟ بكلماتٍ أخرى: هل الرواية الميثولوجيّة هي واقعٌ غير مُدرك بأدوات العلم الحاليّة لا يصل إليهِ إلا الإيمان الصهيوني؟ إن هذا ما يبدو غامضًا نوعًا وغير مُصرّح بهِ بشكلٍ نهائيّ في الفيلم.

تظنُّ ديانا في البداية أنّ لدوندورف – الضابط النازي – هو آريس فتسعى لقتله لكنها تكتشف أنه لم يكن هو. في هذه اللحظة يظهر لها خيال في المرآه فلا نعرف هل هو حقيقة أم تخيُّل مرضيّ تمر بهِ!! هذا الخيال يُحادثها على أنه آريس. وحينما يظهر لها ماديًا وتدور بينهما معركةٍ ضخمة نظل لا نعرف هل هذه المعركة تدور في الواقع أم في خيالها؟ إذ أن أحد ممن حولها لا يرى هذه المعركة على الإطلاق.

سرديّة الفيلم التي تُقدّم من وجهة نظر ضابطة الاحتلال الإسرائيلي تؤكّد على أنها وجدت آريس وقتلته، لكن إذا كان هذا قد حدث فلماذا لم تتوقف الحروب منذ تلك اللحظة، ولماذا ستظهر فيما بعد في فيلم Batman VS Superman: Down of justice (2016) تُحارب إلى جوار الأبطال الخارقين؟ وإذا كان هذذا قد حدث فلماذا تغيّر موقفها الإدراكي تجاه البشر؟

يعرض الفيلم ثلاثة تصوّراتٍ عن البشر بين ثلاثة شخصيّات مختلفة. ستيف تريفور الضابط الأمريكي، وآريس، وتصور ديانا نفسها.

إن ديانا ترى – بحسب الفهم الميثولوجي – أن البشر طيبون وهم خلقٌ جميل، ولكنهم تحوّلوا إلى الشرور والحروب؛ بسبب الآلهة التي تزرع الفوضي والحرب بينهم، بالتالي فإن قتل آريس هو سبب كافي لإنهاء كل الشرور، وعودة البشر إلى نقاءهم وسلامهم.

أمّا آريس فهو يرى أن البشر هم خلقٌ بغيض وكائنات مشوهة، وإذا كانوا كذلك فيجب التخلص منهم عبر دفعهم إلى قتل بعضهم البعض.

يختلف فهم الضابط الأمريكي الحداثي عن كل هذا: إن البشر يحملون الخير والشر معًا وأن الحروب تقوم بسبب الطمع والجشع بدون أي تدخل خارجي من ميثولوجيا إغريقية عجائبية، وكما يحمل الإنسان الشر فهو أيضًا يحملُ جمالًا خلّابًا.

بعد معركتها المتخيّلة مع آريس وقتلها إياه، كنّا نتوقع أن تنتهي الحروب، وتظلّ ديانا على يقينها بأن الإنسان كلّه خيرٌ فقط أما الشرّ الذي يأتي من الآلهة فلا بد أن ينتهي، خاصّة مع مقتل زيوس قديمًا وقتلها لأريس الآن، لكن ديانا تتخلّى فورًا عن هذا التصّور وتؤمن بتصوّر الضابط الأمريكي عن البشر، دون أن نفهم السبب. إذ لا نجد أمامنا إلا أن نُخمّن أن السبب الوحيد هو اكتشافها أنه لا يوجد آريس ولا زيوس وأن قصّة شعب الله المختار – نساء الأمازون في هذه الحالة – هي مجرّد وهم.

بالتالي فنحنُ أمام احتمالين لفهم نهاية الفيلم حول الأسطورة الميثولوجيّة. إذ يُمكن فهم أن النهاية تضع نموذج الضابطة الصهيونية بحيثُ تكون وحدها دون غيرها قادرةٌ على إدارك حقيقة العالم مما يمنحها سلطة رمزيّة في إخبار الناس بحقيقة العالم الميتافيزيقي وهو وضعٌ يُشبه موقف أحبار اليهود كوسطاءٍ بين الإله والناس مع إضافة كثير من بُهرات القوة الماديّة الحداثيّة. أو يُمكن فهم النهاية بأن ضابطة الاحتلال الإسرائيلي هي في الحقيقة مريضة أوهام وخيالاتٍ ضلاليّة تجعلها تتهم الناس بجرائم آتيةً من عقلها الميتافيزيقي العجائبي وتشن حروبها عليهم. يعزز هذا الاحتمال حقيقة انتقالها من تصّورها حول طبيعة البشر من نموذجها الميثولوجي إلى نموذج الضابط الأمريكي الحداثي، واتكاؤها على علاقتها الرومانسيّة بهِ لتستلهم رؤيته بعد إدراكها الباطني لوهم تصوّراتها، غير أن هذا الاحتمال يُفقد ضابطة الاحتلال الإسرائيلي – ليس فقط قوتها الخارقة – وإنما حقيقة وجودها ذاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد