هل يعفو الله عن الظالم ويضيع حق المظلوم؟!

ما أصعب الحياة التي تمتلئ بالظلم وتعج بالظالمين! فتحرم الإنسان من هناءة العيش وراحة البال، وسلامة النفس والأهل والمال والولد، وتحول بين الإنسان وحقه في الحياة، بل قد تتحول حياته لجحيم؛ بسبب هذا الظلم الذي قد يلقاه من الظلمة في عالم البشر أيا كانوا، مخالفة لسنة الله في خلقه ونواميس الكون القائمة على العدل والعدالة والأمن والأمانة والسلم والسلامة لكل المخلوقات بما فيها الإنسان والجان والأنعام وكل ما يدب في هذا الكون الفسيح، ولم لا؟ وقد كتب الله الحساب يوم القيامة على كل المخلوقات التي خلقها، حتى أن الحيوان يقتص ممن ظلمه من بني جنسه أو غيره، وهذا قمة العدل الإلهي التي أقام عليها شرعه وشريعته في الأرض ودعا عباده للإيمان بها، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقضى. بينها يوم القيامة: فقال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء -التي بدون قرون- من الشاة القرناء). رواه مسلم. ويقول الله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) المائدة/32.

حيث جعل الله قتل النفس يعدل قتل الناس جميعا وإحياؤها يعدل إحياء البشرية كلها، وقد أفصحت الملائكة بنواميس الكون وعدالة السماء التي شرعها الله لكل المخلوقات والتي ترفض الظلم والاعتداء على الغير عندما أخبرهم الله تعالى بخلق آدم عليه السلام من بعد الجن الذين سكنوا الأرض فأفسدوا فيها وفسقوا: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون) البقرة/30.

فما أقسى الواقع الذي يصاب فيه المرء بالطعنات من مجتمعه الذي نشأ فيه ونبت على سهوله وعاش في كنفه! وأزهرت حياته فوق جباله وشرب منه مذاق الحياة وباكورة حلوها، ولكن كل هذا الألم الذي قد يلقاه الإنسان من ظلم الحاكم أو المجتمع ممن هم في حكم الغرباء مجازًا، لا يعدل قيد أنملة من الوجع والتعب والهم والحزن والحسرة التي قد يتذوقها من ظلم ذوي القربى والجرح الذي قد يلقاه ممن هم عضده وركنه الشديد ومأواه الذي إليه ينتمي وبه يحتمي، فكيف يظلم الظالم وهو يدرك أن الله لا يغفل عن صغيرة ولا كبيرة🙁وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَار) إبراهيم/42.

وكيف يستمر البشر في الظلم رغم علمهم أنه بوابة الهلاك،ومن موجبات الدمار لأهل الأرض جميعًا، وطريق الخسران في الدنيا قبل الآخرة؟!: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) الكهف/59

إنها تلك النظرة القاصرة من أهل الظلم لا فرق فيها بين حاكم أو محكوم ولا بين قريب أو غريب، عندما تلهيهم الدنيا بملذاتها، وتغريهم الحياة بنعيمها وشهواتها، ويطمس على قلوبهم وأبصارهم الكبر، وينسيهم الشيطان بقوة السلطة أو الجاه أو العدد أو العتاد أو فحش المال ورغد العيش حساب الآخرة، فيظنون أنهم مخلدون، وأنه لا أحد فوقهم ولا يوجد في الكون سواهم، وأن ما دونهم من البشر ما هم إلا عبيدًا لهم! خلقوا فقط من أجل خدمتهم وسهرًا على راحتهم والانصياع لأهوائهم، حسب رغباتهم وأفكارهم وسوء فعالهم، فإن خالفوهم وما يريدون.. أقاموا لهم السيف ونصبوا لهم من العذاب صنوفًا شتى، فيجعلون من الحياة مقابر لهم وهم أحياء! (قال فرعونُ ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) غافر/29.

لكن رغم الألم، إلا أنّ هذه سنة من سنن الله في كونه وهي سنة التدافع بين الحق والباطل، والظالم والمظلوم، والصالح والطالح؛ ليميز الله الخبيث من الباطل، وحتى لا تفسد الأرض: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) البقرة/251، فلا يحزن مظلومٌ فإن الله ناصره لا محالة، ولا يفرح ظالمٌ فإن الله مقتص منه لا ريب ولا شك في ذلك ولا مناص منه.

من هذا المنطلق الرباني وتلك السنن الإلهية، أدعو كل مظلوم يتألم، وكل وظالم لا يرى سوى ظله على وجه هذه البصيرة للسفر معي في تلك الرحلة القصيرة؛ لتأمل الحقيقة الغائبة التي خطها الله لكليهما في كتابه الكريم.

لقد ضرب الله لنا مثلًا عجيبًا عن الظلم في حياة موسى ويوسف عليهما السلام منذ لحظة ولادتهما وحتى وفاتهما، كرسالة لكل البشر ولا سيما المؤمنين منهم بأن الابتلاء يصيب حتى الأنبياء، وأن الله ناصر المظلوم مهما طال أمد الظلم، وطغى الظالم واستكبر في الأرض بغير الحق.

وإن من أعجب ما وجدت في القرآن الكر يم عن قصص الظلم، أنه ورد فيه كل أنواع الظلم الذي قد يتذوق وباله البشر، خاصة المؤمنين منهم، فهذا ظلم الحكام كما في قصة موسى مع فرعون وإبراهيم مع النمرود، وعلى الجانب الآخر ظلم المجتمع كما في قصة لوط مع قومه ونبي الله شعيب مع أهل مدين، ومن جهة ثالثة ظلم ذوي القربى وهو أشد أنواع الظلم كما في قصة يوسف وإخوته، وأخيرًا ما اجتمع فيه كل أنواع الظلم من الحكام والمجتمع وذوي القربى، كما حدث مع نبينا محمد عليه الصلاة وأتم التسليم.

لكن الغريب أن القرآن الكريم قد أكثر من ذكر قصة موسى عليه السلام في أكثر من 20 سورة مختلفة، وأكثر من مئة موضع فيه، كما أنه قص علينا حياة موسى ويوسف عليهما السلام بجميع مراحلها منذ المهد ولحظات الولادة الأولى، ليس هذا فحسب، بل أفرد ليوسف عليه السلام سورة باسمه من بدايتها إلى نهايتها، وما زال عجبي يزداد وعقلي يعجز تفكيرًا وتأملًا لمحاولة إدراك ما في ذلك من حِكَمٍ، إلا أن الحقيقة الكاملة لله وحده والقرآن غالب لا مغلوب، ولكننا فقط نسدد ونقارب بفهمنا القاصر وعقولنا المحدودة،فما أصبنا فهو بتوفيق من الله، وما أخطأنا فيه فهو من نفسي والشيطان.

فوجدت بعد توفيق الله، أن أبرز الأسباب من كثرة ذكر قصة موسى عليه السلام مع فرعون هو أن فرعون اعتدى على أهم ركن تقوم عليه السماوات والأرض، وأشد أمر جمعت عليه الدنيا والآخرة، وأعظم حق من حقوق الله والتي من أجلها خلق البشر، ألا وهو التوحيد وإفراد العبادة لله وحده، فقد تعدى فرعون بكبره وكفره وظلمه على هذا الحق الذي لا يشارك الله فيه أحد من خلقه «الألوهية»: (قل هو الله أحد*الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفوا أحد) سورة الإخلاص، عندما خرج على الناس وقال لهم: (أنا ربكم الأعلى) سورة النازعات/24

فكانت العاقبة من جنس العمل، حيث أراد الله من وراء كثرة ذكرها؛ تصفية العقيدة وتنقيتها من كل شائبة، وإفراد نفسه بحقه في التوحيد والعبادة، وبيان عاقبة من يدعي الألوهية من البشر بأن جعله عبرة في الدنيا قبل الآخرة، فأظهر كذبه وأماته شر ميتة وحفظ جسمه ليوم القيامة من التحلل مخالفة لقوانين الموت في الأرض: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية)سورة يونس/92 ؛ لكيلا يتجرأ غيره بعدُ من الظلمة أوالفجرة والكفرة على فعل ذلك، والله أعلى وأعلم بما خفي علينا من الحكم الأخرى التي ورائها.

أما يوسف فحكايته عجيبة! وقصته مع إخوته من النفوس قريبة! (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبلهِ لَمِنَ الغافِلين) يوسف/3

فلا تكاد النفس تقرأ أول آية فيها وإلا وأبحرت بسفينتها مع نسائم بحر يوسف عليه السلام العطرة، رغم أمواج الظلم التي ضربته من إخوانه، وتيارات البخس التي ذاقها في الأسر ثم الظلمات في أعماق السجون من فتنة امرأة العزيز وظلم القضاة رغم يقينهم من براءته، وصولًا إلى شواطئه المفروشة بالأمل، والمزهرة باليقين، والمزينة بالنصر.

فلعلها الأحب إلى النفوس؛ لأنها تلامس وتحكي واقعًا حيًا يعيشه كل إنسان على وجه الأرض من خلال أحداثها الاجتماعية التي تبدأ من البيت وتمر بالمجتمع انتهاءً إلى الحكام وأولي الأمر، ليس هذا فحسب، بل لأنها تحكي قصة انتصار المظلوم على الظالم ورجوع الحبيب إلى محبه، والحق إلى أهله، فضلًا عن أنها تظهر مشاعر قلب الأب المفطور والأخ الظالم والمظلوم، والعاشقة والمحبة والصاحب الوفي والقاضي الظالم والحاكم العادل والتاجر الفاسد وتجمع بين البدو والحضر، فتأسر كل من يسمعها، ويحبها كل من يقرأها، ويحفظها حبا ورَغَبَا لا طلبا ورَهَبَا.

لعل القارئ المتأمل لقصتي يوسف وموسى عليهما السلام من خلال الآيات القرآنية يجد تشابها عجيبا في منبع القصتين وتواتر أحداثهما والعقد المظلمة التي قابلتهما في حياتهما منذ الصغر، والنهاية السعيدة لكليهما من بعد الظلم الشديد الذي لقياه، وقد حاولت بعد توفيق الله وفضله من خلال قراءتي المتواضعة استكشاف واستنباط بعضا منها في هذه النقاط:

-كلاهما نبيان. -كلاهما من أبناء ونسل يعقوب عليه السلام. -كلاهما فقدهما أبواهما منذ الصغر. -كلاهما ألقيا في الماء ظلما، فالأول كرها وهو يوسف عليه السلام من إخوته، والآخر طوعا وهو موسى عليه السلام خوفا من قتل فرعون. -كلاهما أنقذهما الله من الماء على يد غريب. -كلاهما أنقذا وأخذا إلى قصر من قصور مصر. -كلاهما تربيا على يدي سيدتين من عظيمات مصر وتبنتاهما بسبب عقمهما وهما امرأة العزيز وامرأة فرعون.  – كلاهما تربيا ونشآ على عادات الأمراء والحكام في القصور ونالا حظهما من التعليم والنعمة ورغد العيش. -كلاهما ابتليا بالظلم والقهر والخوف: فيوسف دخل السجن ظلما لرفضه الفاحشة مع امرأة العزيز وموسى فر هاربا خوفا من انتقام فرعون لقتله رجلا من آل فرعون بالخطأ عندما أراد أن يفصل بينهما فوكزه فقضى عليه. -كلاهما نالا الصحبة الصالحة فأنعم الله على موسى بشعيب وأخيه هارون عليهم السلام، ويوسف منّ الله عليه بصاحبه في السجن الذي ذكره عند الملك.

-كلاهما نجاهما الله من الظلم الذي وقع عليهما، فامرأة العزيز اعترفت بجريمتها وعاد موسى لمصر مع أهله بالنبوة وواجه فرعون الذي اعترف بتربيته له وشهد له بصلاحه قبل أن يغضب عليه ويأمر بقتله بسبب دعوته له ولأهل مصر بالتوحيد.

*كلاهما بعثهما الله بالنبوة والتوحيد وقاما بدعوة الناس والحكام لعبادة الله وحده.

*كلاهما بُعثا في مصر وحاربا الظلم فيها.

*كلاهما نصرهما الله على من ظلمهما وردهما لأهلهما، فأجلس يوسف على خزائن مصر، وخرج من السجن عزيزا،وجمعه الله بإخوته بعد أن اعترفوا بجرمهم وعفا عنهم، ورفع أبويه على العرش، ورد موسى لأمه صغيرا، وجمعه بأهله كبيرا، ثم نجاهم من ظلم فرعون وجنوده وأهلكهم بالغرق.

فإلى كل مظلوم: لا تيأس ولا تحزن… فإن الله عدل لا يرضى بالظلم ولا يظلم عنده أحد، واعلم أنه كلما اشتد عليك الظلم والأذى فإنما يريد الله ليغفر الله لك به ويرفع به شأنك، فاصبر واحتسب فإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ودعوة المظلوم لا ترد وليس بينها وبين الله حجاب، كما أخبرنا بذلك أصدق البشر صلوات ربي وسلامه عليه، فادع ما شئت، ولا تحسبن أن الله عندما يمهل الظالم أنه على صواب وإن اجتمع حوله كل البشر، إنما يستدرجه الله هو ومن معه من حيث لا يحتسبون، حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، وتذكر أن نوحا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما،لقي فيها صنوف الأذى وصبر: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) العنكبوت/14

إنها سنة الله الباقية ليوم القيامة، فافرح إن كنت في صف الحق وأهله مهما قل، وإياك أن تستبطئ النصر أو تستعجل هلاك الظالم، فكل شيء عنده بحساب وإنما أمرنا بالعمل ولم نؤمر بالنتائج، أما الظالمين والطغاة والفجرة حكاما كانوا أو محكومين: أبشركم بهلاك الله لكم، مهما طال الأمد، فلستم بأشد من فرعون ولا أعظم وأقوى من قوم ثمود الذي نحتوا الجبال وسكنوها.

ولا بغيرهم من عمالقة الظلم في الأرض وقد أهلكهم الله وجعلهم عبرة للأولين والآخرين: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) فالحمد لله الذي حكم فعدل وخلق فسوى و قوم، واسْتُنصِرَ فنصر، وصلاة وسلاما أختم بها على النبيين الكريمين يوسف وموسى عليهما السلام، وعلى خير من أشرقت عليه الشمس ووطأت قدماه الأرض وسرى بهافي السماء، الذي عاش كريما ومات عظيما، الصادق والأمين نبينا وسيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الظلم, رحلة
عرض التعليقات
تحميل المزيد