الإعلام «رسالة» قبل أن يكون وسيلة تربح، «قيمة» قبل أن يقوّم بالدينار والدرهم، ومن هذا المنطلق يتحدد مسار «الإعلام الهادف» مسارا تنويريا وتربويا وتثقيفيا، إن الإعلام النظيف بريء من البروباجندا الإعلامية الخداعة والأهداف الربحية الدنيئة، تلك التي تستقطب جمهور المتلقين عبر الإثارة ولو لم تكن هادفة، والدجل البعيد عن الواقع، والغريب الذي يجافي حياة الناس، والشاذ الذي لا يقاس عليه،  همته في الزخم الإعلامي بأي طريقة كانت، زخما تضليلا أو تحريضيا أو غوغائيا، «إعلام خشبي» أو إعلام اللحظة التي لا تدوم كثيرا، لأن أصدق ما يوصف به أنه غثاء {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ} [الرعد:17]

  • «الإعلام الخشبي» يوهم نفسه أنه إعلام الواقع (بدون رتوش)! حيث يقوم ببث ونقل حي ومباشر لأحداث واقعية ويتطرق لقضايا حساسة – كان أفضل له معالجتها بطريقة بعيدة عن الأضواء والكاميرات – فتارة يستضيف ملحد، أو مدمن، أو سحاقية، أو مرتد، أو غيرها من هذه القاذورات المجتمعية التي يندر وجودها في المجتمعات الإسلامية ولله الحمد والمنة، وهذا من شأنه أن يثير فضول المشاهد ويستقطب عددا كبيرا من المتابعين، وبالتالي ترتفع فاتورة الإعلانات تبعا لارتفاع المشاهدات، لكن ما خفي كان أعظم، فهذه الطريقة الإعلامية الوضيعة تجرئ الناس على المنكرات، وتكشف تفاصيل تعاطيها، وتهون أمر القيم في النفوس، وتهيئ الآذان لسماع عبارات الإلحاد والمجون، وتفتح أبواب الشهرة الرخيصة لطالبيها.
  • «الإعلام الخشبي» يوهم نفسه أنه إعلام إنساني، حيث يعرض معاناة فقير أو عاطل أو يتيم أو مريض، وينتهي البرنامج بتذليل مشكلته بمساعدة أهل الخير سواء بمبلغ من المال، أو الالتحاق بوظيفة، أو إعطائه تصريح علاج مجاني أو جهاز عروس، كل هذا وسط دموع صاحب المأساة، وتعاطف المشاهدين، وكأن صاحب المشكلة هو الأوحد في المجتمع، رغم أن الجميع يعرف أن من أمثاله ألوف مؤلفة، بل منهم من يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وأن علاج مشكلة هؤلاء لابد أن تكون بعمل مؤسسي، منظم، عام وشامل، دائم، متجدد، ومستوعب كل ما يطرأ من هذه الحالات والنماذج.

إن توفير حل سحري فوري لأحد الفقراء، أو جمعه بأحد المسؤولين ليستمع إلى شكواه، لا يمكن أن يكون حلاً لمشكلة ألوف من البشر والعائلات الذين لا يعلم بحالهم سوى الله عز وجل، والذين لا يملكون حتى مسؤولين يبثونهم شكواهم، فمن لمثل هؤلاء المساكين في مثل هذه الحالة؟

تقول (د. نهى قاطرجي): وفي هذا تشويه صورة الفقير والتشديد على إبراز ذله وهوانه وشدة حاجته، حيث تحرص كاميرات التصوير على عدم السماح لأية دمعة بالسقوط إلى الأرض دون التقاطها وتصويرها بالصورة البطيئة كي يساعد هذا المشهد على تأجيج مشاعر المشاهد من جهة، وإعطاء المحسنين «المعلنين» حقهم في الوقت المخصص للإعلان من جهة أخرى، وهكذا ينتهي البرنامج وقد أصبح هذا الفقير المستور أشهر إنسان في البلد، بل وفي العالم، يحسده قرناؤه ويفتخر بانتصاراته، وهذا الأمر حرمه الإسلام عندما حرم التشهير بالناس، وجعل أفضل الثواب على صدقة السر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقة السر تطفئ غضب الرب» [صحيح الجامع:3759].

  • «الإعلام الخشبي» يوهم نفسه أنه إعلام شعبي جماهيري، لكنه في حقيقة الأمر يتبنى سياسة الدعاية الجوفاء أو البروباجندا الإعلامية التي هي باختصار: محاولة لإقناع الآخرين في قبول معتقد معين، أو فكرة محددة، بدون إعطاء أي دليل ذاتي، أو أرضية منطقية لقبوله، وهي وسيلة مرتبطة إلى حد كبير بالأكاذيب، والتكرار، وتعدد المنابر الإعلامية، واستخدام الاستمالات العاطفية، وتجاهل لغة المنطق والعلم والدليل المقنع.

كالترويج بأن النقاب عادة يهودية وليس عبادة ربانية، والاحتفاء بذكرى وفاة الفنانين، وتجاهل سير العلماء والمصلحين، وترويج برامج المسابقات والمواهب الفنية، وغض الطرف عن تجارب النجاح والكفاح، والكثير من أمثال هذه القضايا الشوهاء التي تستعصي على الحصر.

إن دهاقنة الإعلام، وكثير من الموصوفين زورًا بالمثقفين؛ يمثلون فراعنة هذا العصر في مجال الكذب والافتراء وتزوير الحقائق؛ لفرض مذاهبهم الضيقة، وتمرير أفكارهم المنحرفة، وصنع الرموز المزورة، وتجاهل العظماء الذين يمثلون حقيقة الأمة ونبضها وثقافتها وفكرها.

كما أن كثيرا من الاستوديوهات العربية والعالمية لا يكاد يلتقط فيها المنتجون والمخرجون والممثلون أنفاسهم، وهم يلهثون لتقديم المزيد من الإسفاف الخُلقي المهين للجماهير البائسة، اللاهثة هي الأخرى خلف شهواتها وملذاتها العاجلة!

  • «الإعلام الخشبي» يوهم نفسه أنه إعلام المواكبة والمواءمة لأحوال جمهوره، ويكفي للرد على هذا الوهم استعراض حال أغلب إعلامنا في رمضان، فحالة الاستنفار الإعلامي في رمضان، بل والتجهيز له قبله بشهور مديدة تتناقض تماما مع طبيعة الوجبة الإعلامية المفترض تقديمها في هذا الشهر الإيماني الكريم، مما يثير حولها الكثير من الشبهات والتساؤلات، جيوش من الفنانين والفنانات مجندة للمسلسلات والفوازير والسهرات الرمضانية والذكريات الفنية، وبرامج الطبخ، وفقرات اللهو والكوميديا، حتى المسلسلات الدينية والتاريخية يقوم بأدوارها ثلة من الفنانين الذين اشتهروا بالعهر والفجور، هذا مع غياب شبه تام للمشايخ والعلماء، فاختفى كل ما هو ديني وهيمن الدنيوي، قال تعالى: {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} [النساء:27]

وفي المقابل نجد حفاوة إعلامية بأعياد الكريسماس وشم النسيم وعيد الأم والفالنتين، ولا يكاد يذكر خبر عن يوم عاشوراء أو الأشهر الحرم أو أيام العشر من ذي الحجة، إنها المواكبة الموجهة والمغرضة والانتقائية لصالح ترويج عادات وتقاليد غربية، والتلاعب بالنسيج الاجتماعي والثقافي للناس، وتهميش هوية الأمة العربية والإسلامية.

  • «الإعلام الخشبي» يوهم نفسه أنه إعلام المرأة العصرية، والمتبني لقضاياها – على غير تفويض منها – رغم أنه في حقيقة الأمر يتبنى أجندات غربية وخطط منظمات دولية هدفها مسخ المرأة المعاصرة عبر بوق «الحرية»، وفي سبيل ذلك نجد تفخيم إعلامي لنموذج المرأة: المتحررة، المتعلمة، الذكية، الأنيقة (أي المتبرجة) العاملة بل المتألقة في عملها (من أمثال الفنانة الحساسة، والضابطة الجريئة)، التي ترفض الخضوع لسلطة الرجل، والتي تطالب بتغيير القوانين التي لا تتناسب مع طموحاتها وقدراتها وخاصة تعديل الأحكام الشرعية المتعلقة بالتعدد والنفقة والحضانة، في المقابل تشويه لصورة ربة البيت التي تبدو: جاهلة، ساذجة، مغلقة، منقادة لسلطة الرجل، لا يهمها في هذه الدنيا إلا بيتها ومطبخها وعائلتها، ولا تفهم شيئاً عن حقوق المرأة، ولا الحياة العصرية.

فمتى يفيق هذا الإعلام الخشبي من غفوته، ويسأل نفسه: ماذا قدم للمرأة المقهورة أو المظلومة؟ وماذا عمل من أجل إنصاف شريحة المطلقات والأرامل؟ وما هي برامجه في مواجهة شبح العنوسة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه إلا دعوة للسفور والاختلاط أكثر من دعوة لإنصاف المستضعفات والمنكوبات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد