كتب نيتشة ذات مرة : «لا تحرموا الإنسان من الكذب، لا تحرموه  من تخيلاته، لا تدمروا خرافاته، لا تخبره  الحقيقة؛ لأنه لن يتمكن من العيش من خلال الحقيقة».

الجملة السابقة لا تخلو من «الكوميديا السوداء» التى يضمنها «نيتشة» فى كتاباته، التي لم تكن ـ من وجهة نظري ـ فلسفة متكاملة، بقدر ما كانت خواطر فلسفية حول الإنسان والإنسانية. على حد تعبير «وودى آلان»: هي «أفكار رومانسية، لكنها ناقصة»، لا يمكن  أن يكتمل بناء ما بصورة 100 %، كما أن الأطروحات الفلسفية، ومهما كانت مقنعة، لا تكون كاملة، الكل يسعى للكمال، لكن لا أحد يدركه.

هل يمكن أن يتحمل الإنسان الحقيقة؟ وهل توجد تلك الحقيقة من الأساس، حتى نتكشفها؟

يبقى السؤال السابق فلسفيًا من الدرجة الأولى، ومعظم الفلسفة ـ على حد تعبير ـ وودى آلان هى «الاستمناء اللفظي»، لذلك وودى آلان – فى رأيى – رغم الطبيعة الفلسفية التي تحيط أفلامه، غير أنه غير مهتم ـ بالمرة ـ بالبحث فى الفلسفة بالمعنى التقليدي لها، لذلك هو لا يهتم بالحقيقة، أين تكمن؟ وفيم تكون؟ فقط هو مهتم بكيفية التعايش، التعايش بين الإنسان وإنسانيتة ونفسه ومجتمعه. يرتبط وودى آلان في أنظار مجتمع عشاق السينما – وأقصد هنا السينما، وليست مجرد مشاهد الجرافيك الهوليودية –  بالمأساوية، قد يعتبرة البعض «ألبير كامو» في السينما، لكن، في نظري، الرجل أكثر مرحًا من هذا بكثير.

قد تراه مأساويًا، لكننى أراه مقاومًا لتلك المأساوية في الحياة! المقاومة هو شيء جميل بالمناسبة، مقاومة القبح والادعاء، مقاومة الحيوانية، السعي نحو الإنسانية الكاملة، لم يوجد هذا الإنسان كامل الإنسانية، أو على حد تعبير نيتشة «الكمال الإنسانى يعني أن تفرط في إنسانيتك، وهو ما يقبله نيتشة، وودى آلان، هو ذلك الإنسان، المفرط في إنسانيته؛ يسعى دائمًا للمقاومة!

المجتمعات هي التى تفرض الأطر الاجتماعية التى يجوز لأفرادها التفكير من خلالها، الخروج عن تلك الأطر الاجتماعية للتفكير هو لب فكرة المقاومة، لذلك فالرجل مقاوم من الدرجة الأولى.

كتب كانط «في عالم مثالي يجب أن تسعى إليه البشرية، علينا أن ننكر الكذب، لا مجال ممكن لأى نوع من الكذب»، في الفيلم «irrational man  » يحاول وودى ألان نقد تلك الفلسفة المثالية عند كانط، ولكن ليس كالماديين حينما ينتقدون «كانط»، بمعنى آخر ليست كل تلك الهراءات الفلسفية، ففي مشهد في الفيلم، يتحدث البطل الذي يعمل «بروفيسير في الجامعة» لأحد الطلبة بنبرة ساخرة قائلًا «لو دخل أحد النازيين عليك المنزل سائلًا هل (أنا فرانك) تختبئ في القبو، فهل ستقول له: نعم! بالطبع لا، فسوف تكذب في هذا الموقف».

بدافع الإنسانية قد يكذب المرء، بدافع إنقاذ من تحب قد تكذب، وبدافع الكراهية والحب قد تكذب، يمكن أن نختلق أعذارًا للكذب كيفما شئنا، لكن ما المؤثرالذي جعل الكذب فعلًا قبيحًا في قاموس البشرية؟

الإجابة على السؤال السابق، يمكن أن تكون الأصعب، لكن دعونا نحاول الإجابة، ولو قليلًا.

فى البداية دعك من كل تلك الترهات الدينية حول تحريم الكذب، لا أدعي أن ذلك غير مؤثر في عدم صدور ذلك الفعل الاجتماعي «الكذب»، لكن أعتقد أن للغريزة دورًا أكبر  في هذا!

نحن كائنات تكذب، وكأنها تتجمل.

الإنسان ككائن حضاري له تاريخ يسعى دائمًا للنظام، هذا النظام هو جزء أساسي للحفاظ على نوعه من الانقراض، سوف يظل ويبقى ميل الإنسان للنظام طالما بقي إنسانا، لكن لهذا النظام أو ما أسماه علم الاجتماع «بالبنية الحضارية للقوانين» شيئًا سلبيًا؟

ما هو هذا الشيء السلبي في النظام؟

كما أسلفت، فغريزة الإنسان نحو البقاء، تحتم عليه أن يفرض مجموعة من القيم، والعادات التقاليد على نفسه، تلك القيم المحصلة النهائية للعقل الجمعي لمجتمع ما.

من ضمن تلك القيم مثلًا «الحق والخير والجمال»، فهى قيم اصطلحت البشرية على أنها قيم عليا، يجب السعي إليها، وعلى الجانب الآخر يبقى «الظلم، والشر، والقبح»، بالتالى اصطلحت البشرية على أنها قيم لا يجب أن توجد في المجتمع، بالطبع لا يوجد أحد يختلف على هذا، لكن النقاش الآن حول الكيفية؟ أو لماذا؟

الكذب فعل قبيح؛ لأن البشرية فرضت على مر تاريخها الحضاري أنه فعل قبيح، وليس لأنه فعل قبيح في حد ذاته!  فيمكن أن تكذب على زوجتك؛ لتستمر الأسرة، ويمكن أن تكذب ليفلت أحدهم من قطع رأسه على أيدى بعض المتطرفين.

السلبي في النظام القيمي أنه لا يعرف الإنسانية؛ لأن العقل الجمعي الذي أنتجه لا يعرف الإنسانية.

هل كان من الممكن أن تصنع البشرية هذه الحضارة، بدون هذا النظام القيمي؟

بالطبع لا
وإلا لكانت الحيوانات أكثرنا تحضرًا، مع العلم أن للحيوانات في مجتمعاتها منظومات بسيطة للقيم، ومنظومات بسيطة للنظام، ويتضح ذلك مثلًا في مواسم التزاوج؛ إذ ـ مثلًا ـ الثعالب لا تتزوج سوى بذكر واحد، لكن الفارق في امتلاك الحضارة، هو أن المجتمع يفرض قيمه بالقوة على كل الأفراد؛ ليدفع فى اتجاه النظام. وهذا هو ما جعل للبشرية تاريخًا .

وودى آلان ـ في رأيي ـ متأثر بشكل ما بـ«فرويد»، بمعنى أن يدرك أن أطروحات فرويد النفسية التحليلية عن النفس البشرية هي موضع صواب بقدر كبير، لكن على الجانب الآخر يجد طريقة للمقاومة.

أية مقاومة نتحدث عنها؟

تخيل معي أنك ولدت لا تختار أى شيء، سوى أن أباك قرر أن يقيم علاقة جنسية مع أمك؛ لتأتي أنت للحياة، تعاني فيها تقاليد فرضها المجتمع، وسلطات فرضتها تلك التقاليد، من أصعر وحدة مجتمعية «الأسرة» حتى أكبر وحدة مجتمعية «الدولة».

هل تخيلت السابق؟

بالتالى عن أية حياه نتحدث، في نظري فإن الحياة، وخاصة في المجتمعات السلطوية التي نعيش فيها، ما هي إلا للمقاومة، وقد فرض علينا هذا الطريق، ولابد أن تكمله، وإلا فالانتحار مقبل عليك فاتحًا ذراعيه.

تلك المقاومة هي مقاومة السلطة، والتقاليد والعادات، و«الدوغما الفكرية»، مقاومة القبح والادعاء، مقاومة الخرافة، ولكن ليس البحث عن الحقيقة، مقاومة النفس، مقاومة المأساوية، مقاومة الاكتئاب، للاختصار: مقاومة الحياة نفسها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

وودى آلان
عرض التعليقات
تحميل المزيد