هل حقًّا ما يحتاج له الإنسان في حياته لينجو من عالم شوكي هو الحظ ليس إلا؟

يأتي دومًا دور الحظ في تلك اللحظة التي يتم فيها صنع الفوز، أو اللحظة ذاتها التي تصنع الخسارة في كل ضربة موجهة، طريقك نحو هدف ما سيتطلب مجهودًا، لكن جني ثمار السعي ليس يقينًا في أغلب الأحيان.

الحظ هو تلك النقطة في المباراة، قد تمرر الكرة بدقة، وتصنع الفرص بدقة، حتى التسديد إن وجه بدقة قد يتدخل الحظ ويمنع نقطة المباراة، والعكس صحيح، والحياة هي المباراة الكبرى.

الحظ كالجن، ليس مبنيًّا على أساس ما وليس حتميًّا وجوده طوال الوقت كذلك، قد يتدخل الحظ سواء الجيد أو السيئ في نقاط كثيرة وربما لا، أما اختيار سلك الطريق عادة ما يكون مسؤولية السائر، ليكون الحظ الجيد هو ألمع كنز يحصل عليه إنسان في حياة بالأساس غارقة بالمصادفات والعبث.

وودي آلن والأخوان كوين، وبرغم اختلاف أسلوب كلا المخرجين ونوع أفلامهم، لكن فيلم «no country for old men» وفيلم «match point» حملا جوهرًًا ومجملًا متشابهًا حتى رغم اختلاف أسلوب السرد والإخراج في كليهما.

العالم الذي صنعه لنا الأخوان كوين في فيلم «لا مكان للعجائز» حيث يشيرا بكلمة عجائز إلى أصحاب القلوب الطيبة، حيث وجودهم الوحيد ليكونوا غرقى داخل تحسر على عالم لم يعد متاحًا، وغرقى أيضًا في عالم جديد سوداوي لا يناسبهم.

تبدأ أبرز مشاهد الفيلم، بشخص معتاد، في وقت ومعاد معتاد عليه وهو الصياد ليولين موس، ليجد قدميه بين لحظة والأخرى تقودانه مكتشفًا مكان صفقة تهريب مخدرات تحولت لعراك لم ينجُ منه أحد، ليقف موس أمام الجثث والنقود، ليقرر الطريق المُتبع بعد هذه اللحظة.

يأخذ النقود وتبدأ العصابة بملاحقته بواسطة القاتل أنتون صاحب اللاشعور، ويدفعك مشهد وصول الصياد ليولين للنقود بمحض الصدفة في يومه المعتاد، والعديد من الإشارات المستمرة من مخرجي وكاتبي الفيلم الأخوين كوين للتساؤل عما يمثله الحظ في طريق كل فرد.

لعبة العملة التي يستمر أنتون في استعمالها لتحديد مصير ضحاياه التي تقرر سعيد الحظ الذي سيكمل حياته ومن لا ينجو هي مثال آخر.

‌في كل حال، فإنك لا تدري ما هو الحظ العاطل جدًا الذي وفره عليك حظك العاطل قليلًا” -كورماك مكارثي.

برهنت الجملة السابقة في الرواية التي اقُتبس منها الفيلم على أن الحظ دلالة واضحة من مغازي الفيلم التي بثها المخرج بطريقة غير مباشرة وذكية.

تبعًا لذلك المنوال استمر الفيلم، يواصل أنتون بقتل كل من في طريقه قبل أن ينجح في قتل موس متفوقًا على الشرطي العجوز المُحبَط دائمًا بيل. جعل المخرج من دور الشرطي بيل صورة مرسومًا بها مطاردات وجرائم بشعة، ليجعل دومًا من بيل ضابطًا عاجزًا يرى اختراقات السادية والظلم والقهر لعالم رمزه الأبرز قاتل مجنون سمج ونرجسي.

دور بيل البسيط كان المعنى المكتوب منه اسم الفيلم، الطيب العاجز الذي لا وجود و لا فائدة له، مجرد ضيف شرف في مسرحية، لا يملك حيلة بها.

‌بنقلة جديدة من قبل وودي آلن في فيلم نقطة المباراة الذي ظهرت دلالته بشكل أساسي على فكرة الحظ ومصادفات الحياة في سير الأمور

بطل فيلم وودي آلن هو لاعب كرة مضرب – تنس- وهي اللعبة التي استدل المخرج فكرته بها، لتكن مثالًا توضيحيًّا، حيث يعتمد التسجيل باللعبة على المكان الذي تسقط به الكرة، إن وقعت بأرضك تكون خسرت النقطة، إذا لامست أرض الخصم تفوز بالنقطة.

لحظات عديدة في المباراة تضرب الكرة في أعلى الشبكة، ولجزء من الثانية يمكن أن تتقدم أو تعود، مع القليل من الحظ تتقدم الكرة وتفوز، أو لا يحدث ذلك وتخسر، وتلك هي قاعدة اللا قاعدة، فلا توجد أسباب أو برهان عملي لتلك اللحظات المصادفة المعتمدة اعتمادًا كاملًا على الحظ.

ذلك ما استغله وودي آلن بالمشهد الأكثر سحرًا في الفيلم، حيث يلقي بطل الفيلم كريس الذي تحول لقاتل ورجل أناني مجوهرات القتيلة عبر النيل، حيث يتدخل الحظ ليصطدم خاتم بالسور، يترنح ويستقر بأرض البطل، ليكون من المتوقع خسارة النقطة واكتشاف الجريمة وعقاب البطل، لكن ما حدث هو أن يعثر سارق ما على الخاتم ويأخذه، منتهيًا به المطاف مُتهمًا بإحدى جرائم القتل بدلًا من القاتل الحقيقي، وتلك هي عبثية العالم.

« لكل قاعدة خلاف، حتى قاعدة اللاقاعدة» -طارق حجي.

فالحظ وهو الشيء غير الواضح الذي كاد أن يوقع بالبطل ويكشف حقيقة القاتل، قوبل بحظ معاكس؛ لذلك عندما تصف وودي آلن بأنه عازف أفلام لا مخرج، سترى أنه وصف مثالي للمخرج الذي فسر عبثية سير الأمور، ووصفه لدور عفريت الحياة (الحظ) بمشهد واحد فقط مستعينًا بقاعدة لعبة كرة المضرب.

ظهور كريس في بداية الفيلم وهو يردد «أفضِّل أن أكون محظوظًا أكثر من كوني موهوبًا» كان تلميعًا لأفكار الفيلم الواضحة.
من المخيف أن تعترف كيف يعتمد جزء كبير من الحياة على الحظ. إنه لأمر مخيف أن يفكر المرء كثيرًا خارج نطاق سيطرة المرء.

‌أحد هموم دوستويفسكي: هل العالم منظم أم تحكمه المصادفات والعبث؟
بطل فيلم نقطة المباراة تجده مهتمًا بالكاتب دوستويفسكي، ويظهر متحدثًا عن رواية الجريمة والعقاب في مشهد أو أكثر متأثرًا به، بمشهد النهاية في لقاء حواري في خيال كريس بينه وبين ضحاياه يتجادل معهم حول ذنبه بقتلهم واتهام رجل بريء، وينتهي الحوار به ناكرًا ذنبه، ملقيًا اللوم على غياب العدالة الكونية قائمة وعادلة في الوقت المعاصر، وانتشار الشر وبشاعة الأكثرية.

في إشارة كريس المتأثرة بالكاتب الروسي وروايته الجريمة والعقاب، ورؤية الضابط بيل السوداوية لظلم العالم وبشاعته تلاقي آخر بين فيلم «نقطة المباراة، و لا مكان للعجائز».

ما يدفع أي فرد للحديث عن أحد الفيلمين ليس لأنهم روعة إخراجية أو لعمق دلائلهم، بل يحمل كلاهما بالطبع نواقص، لكن يعد تركز سحرهم ليس في تحويل قصص جرائم مبتذلة إلى معنى أكثر شمولًا وواقعية فقط، لكنه، وهو الهدف الأول من السينما، يعد الاثنين فيلمي إثارة وتشويق ومتعة، يُعد جمع المتعة مع أمور تحمل طابعًا فكريًّا معادلة صعبة التحقق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد