وما زلنا نتعامل مع القضايا الجسام بمنطق مدرب المنتخب الوطني (شدوا حيلكم يا رجالة ربنا معاكم)، دون النظر لا لإمكانيات مدرب أو لتاريخه المهني ولا لخططه المعدة ولا لإمكانيات الفريق!

منذ أيام عدة وفي يوم 11 ديسمبر 2016 تحديدًا، أطل علينا بعض الرموز على رأسهم الدكتور أيمن نور بوثيقة أسموها (ميثاق الشرف)؛ لا أعترض على فكرة الوثيقة، فكل ما من شأنه تجميع الشتات الثوري لهو أمر مرغوب فيه وبشدة وخاصة في ظل حالة الغرق السياسي الذي وصل بنا إلى أوحال القاع وما بعدها، ولا أعترض على أن تشتمل أسماء الموقعين على بعض العائدين من معسكر الانقلاب برغبتهم أو رغمًا عنهم أو حتى نكاية في نظام طمعوا في أن يجلسهم على رأس مائدة الطعام فما كان منه إلا أن رفض حتى أن يلقي لهم بالفتات إلى جانب المائدة؛ فأنا أعلم كما يعلم كثيرون أن الأمر لابد وأن ينتهي على طاولة تشمل قاتلك ومن حرضه ومن سلحه ومن راقب له الطريق ومن ربط وثاقك ليمعن في قتلك.

اعتراضي هنا على الكيف وليس على الفعل؛ فقد تم إصدار هذا الميثاق الغليظ بعد واقعة سب مشهورة قام بها أحد الإعلاميين المحسوبين على معسكر الشرعية ضد أحد رموز المجلس الثوري المصري والذي رد عليه الأخير بدعوى قضائية أخرجها بعض مؤيدي الشرعية عن إطارها الشخصي وحولوها لقضية عامة واعتبروها شقًا للصف الثوري، وعلى إثر ذلك تحول صاحب الحق إلى شخصية مكروهة والمخطئ إلى مظلوم تتلقفه أيادي الرحمة، ليست هذه قضيتنا اليوم، فمحتوى خلاف هذين الشخصين لا يعنينا نحن المتفرجين من قريب أو بعيد، ولكن تناول القضية من قبل الرموز والأشخاص العاديين نم عن افتقار شديد للموضوعية. وأتساءل هنا، هل يستطيع ميثاق الشرف ومن وقعوه أن يحموا قيادات الإخوان وفترة حكمهم مثلًا من السب والقذف والتخوين؟ وإلى أي مدى؟

هل هناك كيان انبثق عنه ميثاق الشرف هذا؟ وما هي صفته؟ وما هو تاريخه؟

وما هي أحكامه إذا ما ثبت اختراق لبنوده؟

ومن هم المنوطون بتنفيذ هذه الأحكام؟

وما هي آليات تنفيذ هذه الأحكام؟

ومن هم الأشخاص الذين تسري عليهم البنود؟

وما هي خطة هذا الميثاق وعلى أي فكر ترتكز؟

وهل يمكن أن تكون لها قياسات واضحة برغم أن لا مظلة فكر أو مبادئ تجمع الموقعين أدناها؟!

ما أراه هو أن كيانًا ليبراليًا يسعى في كل فرصة للظهور بمظهر المحايد ليستثمر كل ما يمكن لإثبات وجوده بعيدًا عن الشرعية، ذلك الكيان الذي ينادي باستعادة ثورة يناير والنظر إلى رابعة بعين إنسانية مجردة بعيدًا عن السياسة، هذا الكيان هو بذرة الجمعية الوطنية للتغيير – وليس الكيان القديم منا ببعيد – تحاول أن تنبت من جديد في أرض ارتوت بدماء نقية، وللأسف ينفخ فيها الروح أناس نحسبهم على خير، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

في 8 نوفمبر 2016 أصدرت جماعة الإخوان المسلمون بيانًا دعت فيه لاصطفاف وطني حول مبادئ سبعة تشمل تأكيد أن هوية مصر عربية إسلامية، وأنه لابد من استرداد الإرادة الوطنية وتفكيك الدولة العميقة، واستعادة حيوية المجتمع وتحريره، وعدم الاعتراف بما وقعه الانقلاب العسكري من مواثيق وعودة الجيش إلى ثكناته، واستعادة المسار الديمقراطي وإدارة المرحلة الانتقالية على أسس تشاركية؛ كما أصدر المجلس الثوري المصري بيانات عديدة بتواريخ 31 يونيو، 5 ديسمبر، وغيرها يؤكد فيها على الاستمرار في دعم الثورة وأهمية توعية الشعب ثم تدعو الشعب في النهاية إلى العصيان المدني وتوضح الأسباب والإجراءات؛ والسؤال هنا، لماذا لا نرى دعمًا من تلك الأسماء الرنانة لمثل هذه البيانات أو حتى إبداء رغبة في النقاش حولها وتعديل بنودها بما يتوافق مع اتجاهات الجميع؟

لماذا تكون الضجة دائمًا حول أطروحات لشخصيات ليبرالية تفتقر في كثير من الأحيان لأسس قوية تنبني عليها وإلى اتجاهات واضحة ترنو إليها؟

فإن لم تستجب إليها فصائل الشرعية اتهمت بشق الصف؟!

أولا يعد عزوف الهيكل الليبرالي عن الجلوس مع معسكر الشرعية شقًا للصف؟! أم أن هذا الصف لا يشق سوى من جانب واحد؟!

إن ما نحتاجه اليوم ليس ميثاق شرف يحمينا من سب، إن ما نحتاجه ميثاق شرف للفكر، للمبدأ، للضمير؛ لم يعد مناسبًا أبدًا بعد كل ما أريق من دماء وبعد كل صيحات العذاب وبعد كل تلك الجنائز التي شيعنا؛ أن نعيد نفس الأخطاء، وأن ننافق لنرضي بعضنا البعض، أو أن نخشى أن نوصف بأننا ننتمي لفصيل لأننا رأينا الحق معه، أو نستشعر الحرج فنوقع على ورقة كي لا يقال فلان يريد شق الصف!

إن ما يحدث في معسكر مناهضي الانقلاب ما هو إلا مساومات قديمة جديدة؛ هو إنهاك مقصود من الجانب العلماني العائد حديثًا خالي الوفاض ليستعيد إرثًا ثوريًا تنازل عنه لأخيه بمحض إرادته طمعًا في سراب هيأ له قصورًا من وهم، وحين لم يجد منه شيئًا عاد ليستعيد ما قد فقد من شرف وثورية رويت بدم أخيه.

الخلاصة أنه إذا ما أردنا إنشاء كيان أو دعم آخر، علينا أن نختبر التربة التي سنبني عليها وأن نطمئن لأساسات قوية راسخة متماسكة مقاومة لزلال ورياح تنبع من داخل معسكرنا قبل معسكر عدونا، أن نرسم تفاصيل دقيقة لكل سلم وممر، لكل سقف يرفع وحتى لكل باب يفتح أو يغلق، إن ظهور ألف كيان الآن لن يفيد، ما دمنا لم نجتمع حول قديم نفنده ونستخلص منه ما قد يدعم تقدمنا خطوة للأمام. إن الأسلوب العنتري الذي تشربناه من الأفلام والمسلسلات المصرية أصبح مملًا حد الغثيان، أما آن لنا أن ننضج، نخطط، نفكر، ننمو، نسمو، نطور، أن نكون أقل أنانية وحبًا للظهور، أن نساعد في بنيان لا يحمل اسمنا ويكفينا منه أن يناطح السحاب؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد