في كل مرة أنهي فيها كتابًا من الكتب المعاصرة، أجد نفسي متأملا في جو من الدهشة ممزوجة بالضيق والحسرة والتذمر لما آلت إليه حالة أقلامنا العربية وما وصلت إليه من تدن وتشوه، ودائما ما يقترن شعوري هذا بوابل من التساؤلات: ما الذي أوصلنا لهذه الحالة؟ ما سبب تلاشي قوة أقلامنا واختفاء روعتها؟ من المسؤول عن ذلك؟ وهل يوجد احتمال أن يكون موجها من قِبل أحد ما؟

ما الذي حدث؟ أو بتعبير أدق: كيف اتسخت الممحاة التي كانت دائما ما تزيل خبث السينما، الإعلام وأشباه المثقفين، وتبدلت بحد ذاتها إلى أداة فعالة لتسويد وتوجيه العقول وعصب الأعين عن كل ما يحمله واقعنا من مآس، تخبط وتيهان؟ هل لهذه الدرجة لا يجيد كُتّابنا تقليم أقلامهم، أم أنهم اعتادوا على كونهم عبيدا للشهرة والمال، وجوار السلطان؟ هل حقًا يعي أحدهم قوة ما يضعه بين إصبعيه، وأن كلمته وقلمه أمانة من الرحمن لنشر علم، توجيه فكر وتبيان؟

دائما ما كنت مؤمنا بأن للكلمة دورا مهما، فقد بدأ كل شيء بتعلم آدم الكلمة، فـأصبحنا نفكر باستخدام كلمة بجوار كلمة، وعبرنا عن وجودنا بالكلمة، تبادلنا ثقافاتنا، طورنا تجاراتنا، شيدنا حضاراتنا، وأرّخنا ما مررنا به بالكلمة، والأعظم من ذلك كله أن الوحي قد نزل على رسلنا بالكلمة، فبها تبدلت أفكارنا، وهي من كتبت ومحت خرافاتنا، بها قامت الثورات وزُلزلت العروش وألهبت الجيوش ودمرت الأوطان، ولنا في قصة يوبا الثاني مع الرومان خير دليل لذا، فإن وجد شيء بعالمنا هذا يستحق أن يُطلق عليه لفظ «الحياة» فأظن أنه من العدل والإنصاف إطلاقه على «الكلمة» لما لها من الأثر العظيم.

فقط ألق نظرة سريعة على التاريخ والقصص، ستتيقن أنه لم يخش أي نظام في التاريخ شيئًا أكثر من خشيته من سحر الكلمة وتأثيرها وتحريكها للمشاعر، ولا أقصد هنا بلفظة نظام «النظام السياسي فقط، بل الأنظمة الدينية، الاقتصادية والاجتماعية على اختلاف أفكارها، بكافة طوائفها ومعتقداتها» فبالكلمة والقلم حارب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقبله الشيخ أحمد بن حنبل حتى عذبوا وسجنوا، بل وماتوا من آثار ذلك، كما لا ننسى ذكر الحكم على سقراط بشرب السم عام 399 قبل الميلاد لاتهامه بإفساد عقول الشباب عن طريق أفكاره ومعرفته، وأيضا واقعة محاكمة جاليليو بسبب أفكاره المتعلقة بمركزية الشمس والتي كانت تعارض أفكار الكنيسة في تلك الحقبة.

للأسف الشديد، صرنا اليوم أمام كوارث ثقافية من نوع آخر، تدمير كتبنا بدون حرقها «صُنع سم ومخدر جديد يُمكّن مستحوذنا منا من دون سلاح» فلا شيء يحيط الآن غير التفاهة: إعلام، حصص تلفزيونية ومواقع تواصل اجتماعية تافهة، سينما وفن تافه، واليوم نجد أنفسنا نرحب بالوافد الجديد «الأدب التافه» لذلك أَجد قلمي مرغما بالوقوف كثيرا أمام تلك الفاجعة وأسبابها، يقف الآن وهو متأهبا ليدوّن: ما الذي أصاب أمتنا؟ هل جفت الأقلام، أم فسدت الممحات؟ هل بيعت الأفكار، أم انحرفت العقول؟ وكيف السبيل لتصحيح ذلك؟

في النهاية أقول: ستظل كلمتي ناقصة، ولك إكمالها أيها القارئ، ربما بأفكارك وقلمك ستبدع وتغير، فالمولى تبارك وتعالى يقول (إن إبراهيم كان أمة) فهذا وصف دقيق ان إبراهيم عليه السلام لوحده كان يحمل فكر وحياة ومستقبل أمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد