وادي السلكون هو العاصمة التقنية والتكنولوجيا لكوكب الارض، ويقع في المنطقة الجنوبية لخليج سان فرانسيسكو بولاية كلفورنيا علي الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية… يتمدد هذا الوادي علي طول حوإلى 110 كلم ويسكنه عدد 2.5 مليون نسمة.

وهو مقر أعظم شركات التكنولوجيا في العالم حيث يحتضن مقرات شركات «قوقل. إنتل.. آبل.. فيسبوك.. الفابت.. ياهو.. آي بي إم.. إتش بي.. مجمع أبحاث مايكروسوفت. وكالة الفضاء ناسا».. وغيرها من الشركات الرائدة في التقانة الحديثة، ولا تزال يوميًا تفتتح أفرع لشركات جديدة فيها.. وذلك للبنية التحتية الممتازة والقدرات البشرية الاستثنائية والبعد المعنوي للاسم العملاق.

اختلفت الآراء حول سر التسمية، لكن أكثرها واقعية هو أن الوادي يتوفر فيه عنصر السلكون، وهو أهم عنصر في صناعة ما يعرف بأشباه الموصلات (sime conductor) والتي تدخل في صناعة الدوائر المتكاملة.. والتي هي أساس صناعة الإلكترونيات.

يستحوذ وادي السلكون على نسبة 44% من جملة الدخل القومي للولايات المتحدة الأمريكية.

أنجب هذا الوادي أسماء عظيمة في تاريخ العلم والتكنولوجيا من أمثال (ستيف جوبز.. واستيف وزنياك مؤسسًا شركة آبل… ماك ماركولا المستثمر التكنولوجي العالمي، والعديد العديد من قادة العالم الثقافي والتكنولوجي) لذا ومن أجل ذلك استحق هذا الوادي أن يطلق عليه اسم عاصمة الكون التكنولوجية، بيد أني أتحفظ قليلًا على هذه التسمية؛ بسبب ان هذا الكون نحن كبشر لا نعرف عنه الكثير.. فمن يدري ربما أن لله جل وعلا خلائق أخرى أكثر تطورًا منا، لأنه من المؤكد أن الملائكة أكثر عظمة ورقيًا من الجنس البشري.. أضف إلى ذلك عالم الجن.. وعالم ما هو خارج نطاق الكرة الأرضية، لذا يصح أن ننتقص قليلًا من التسمية لنقول إن وادي السلكون هو عاصمة كوكب الأرض التقنية.

لهذا الابهار والتميز العالمي لوادي السلكون كان مزارًا وقبلة للكثير من قادة العالم.. ففي عام 2016 زاره محمد بن سلمان ولي العهد السعودي ومكث أسبوعًا به التقى من خلاله رؤساء عدد من الشركات الكبري، ووقع مع شركة قوقل لبنة وادي السلكون في السعودية. مقابل عرض مالى كبير جدًا كان الطرف الممول فيه شركة أرامكو عملاق النفط العالمي، ويقوم ولد سلمان بدور الراعي للمشروع، وبالرغم من أن هذا الحدث مهم جدًا في وطننا العربي الكبير، إلا أنني أجد نفسي غير متفائل بهذا المشروع لأسباب كثيرة جدًا، وحتى أكون واقعيًا في حديثي وبعيدًا عن الغيرة والغل والحسد للشاب السعودي المتطلع، ولأننا أبناء ثقافة واحدة ودين واحد وبيئة واحدة.. فإنني سوف أستصحب تجربتي في وادي الترس بالمقارنة مع حياة من هم في وادي السلكون، ولأن الواقعية أبلغ في التجارب.

في اللحظة التي كان فيها جهاز الماكنتوش وأمام قاعة بها حوالي عشرات الآلاف من البشر في وادي السلكون يقدم نفسه بالصوت والصورة قائلًا عباراته المشهورة (اليوم وبكل فخر أقدم لكم الرجل الذي كان بمثابة والد لي: استيف جوبز) وهذه نقطة تحول في الحواسيب الشخصيه.. كنت أنا قد ولدت توًا في وادي الترس.. ووادي الترس هو وادي شقته السلطات المحلية بين غرب الثورات وهي مناطق عشوائية نائية لحماية شرق الثورات، وهي مناطق جل سكانها من الطبقة الأرستقراطية الراقية من الفيضانات والسيول وأصبحت فيما بعد مكبًا للنفايات والقاذورات.

المهم أننا شققنا طريقنا كالعادة.. طلابًا في المدارس. لم نكن نعرف شيئًا عن الكهرباء والهاتف؛ فهي لا تتوفر لنا بعكس سكان شرق الترس. وعلى النقيض تمامًا، ففي وادي السلكون يولد الأطفال وحولهم كل الخدمات: الكهرباء، المياه.. الهاتف.. التليفزيون… المدارس وأجهزة الحواسيب.

نحن في وادي الترس لا يتمكن الكثير منا من إكمال المدرسة الابتدائية، ناهيك عن الثانوية؛ فهي أمنية صعبة المنال للظروف المادية الصعبة، ولأسلوب المعلمين المتواضع في التعليم؛ ففي الغالب نفهم منهم كلمة قروش الدرس، فهي لغة أقرب إلى الرشوة، وشيء من الضرب المبرح لمن لا يملك مالًا للدفع إلى غير ذلك من قروش المساهمة الأسبوعية. اما حكاية مجانية التعليم فهو مجرد هوس ونوع من خداع السلطات التعليمية.

ففي وادي السلكون عكسنا تمامًا، التعليم إلزامي، لايوجد شيء اسمه طالب يترك الدارسة إلا في المرحلة الجامعية، وهناك يجد الطالب كل الدعم المعنوي والنفسي.. وتتوفر روح المنافسة والتميز الأكاديمي.

ونحن طلاب في وادي الترس لازلت أتذكر أوقات الفراغ، وكيف كنا نقضيها، فكانت جلها تتوزع بين لعب الكاسوري والسكسك وحلبات المصارعة… لا يوجد توجيه لنا كطلاب، إدارة المدرسة تنظر إلينا على استحياء وكأن هذا هو الأمر الطبيعي، الكل لا يفهم واجبه، والكل ليس لديه أي شغف بالمهنة، التوجيه الوحيد الذي نتلقاه هو المشاركة في مسيرات الغضب التي تنفذها السلطات وغالبًا هي على شاكلة الإساءة لأمريكا وحرق العلم الأمريكي وتكسير وتهشيم السفارة الأمريكية بالمقرن، ونادرًا نفس الشيء مع إسرائيل، والفرق أنها ليس لها سفارة في بلادنا.

وفي وادي السلكون الكل شغوف بالعمل.. الدولة تدعم، الأستاذ يدعم، وندلل على الدعم بأن استيف ووزنياك الشريك المؤسس لشركة آبل عندما ابتكر الصندوق الأسود الذي يجري مكالمات هاتفية مجانًا كرمته شركات الهاتف، وأستاذه في المدرسة اعتبره طالبًا مبدعًا ومميزًا، والدعم الذي تلقاه في ذلك كان سببًا في تأسيس شركة آبل، وهي أكثر الشركات قيمة في التاريخ، وعرفنا نحن بسببها الآي فون.. والآي باد.. والآي ماك.. وهناك لا فراغ مليء بالفوضى كما كنا نفعل نحن في وادي الترس، الكل يعمل والكل يجتهد.. لا يمكن أن يكون الطالب طرفًا في السياسة، وصعود الساسة على أكتافه كحال الشهيد القرشي.

إن الفروق كثيرة جدًا، ولا يمكنني أن أحصيها، وأهمها على الإطلاق الدعم المعنوي، فنحن وساكنو وادي السلكون لنا نفس العقل والذكاء، والذي يفرقنا هو البيئة التي نعيشها، والإنسان ابن بيئته، ولدينا مشكلة كبيرة جدًا غير ظاهرة للعيان، وهي التخذيل والغيرة والحسد حتى على مستوى الدول العربية، فانظر الغل والحسد بين دولتي قطر والإمارات، وصلنا إلى مرحلة خطيرة جدًا.

لو لم نترك هذا، فلن ينجح وادي السلكون في بلادنا وغيرها، لذا فهذه أسبابي الموضوعية يا ابن سلمان، لا تبعثر أموالك في هذا الخرافات! ابدأ في تغيير الثقافة والفهم للحياة والنجاح، وازرع في الأجيال عبارات:

تجري الرياح كما شاءت سفينتنا. وقتها سوف تنجح في بناء وادي السلكون نسخة سلمانكو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد