يخرج الواحد منا هاتفه المحمول الذّكي كما يقال، يفتح شاشة الهاتف وينقر على أيقونة الكاميرا، يبتسم ابتسامة مصطنعة للضّرورة الفوتوغرافيّة ويأخذ لنفسه صورة تسمى «سيلفي». غالبًا ما نعير اهتمامًا شديدًا للخلفية، ونختارها بعناية واهتمام شديدين؛ لتضفي على الصورة بعدًا آخر، فصار السّيلفي بمثابة الرسالة.

تعتبر اليوم الصّور أبلغ من الكلمات، فتختزل الواحدة منهن المجلدات والكتب في وصف ظاهرة معينة أو نقل حادثة مهمة.. لذلك تبوأت مكانة مهمة في وسائل التواصل الإجتماعي اليوم. هذه الصورة أو السّيلفي ينقل لنا أحداثًا شتّى، مؤلمة أو مبهجة للقلب، تدور حول العالم لنتأثر بها وتؤثر فينا. اليوم سيأخذنا نحو سوريا؛ الغوطة الشرقية أو دوما أو حمص أو ريف أدلب أو درعا.. لم نعد نحصي أو نأبه للأسماء؛ قد تشابهت واختلطت علينا الأهوال والأسماء.

المحصّلة أنها تأخذنا نحو معاناة عائلات ولوعة آباء وأمهات ثكالى تعاظمت عليهم الأمور، فلا المكان عامل للتمييز بين هاته الرقعة الجغرافية أو نظيرتها، ولا الزمان بأهمية كبيرة لذلك لم يعد مهمًا إن كان صباحًا مساءً أو قبل الصباح أو بعد المساء.

فبعد مرور سبع سنوات على الثورة السورية التي تكالبت عليها القوى الخارجية من إيران وروسيا وأمريكا، والداخلية والميليشيّات الإسلاميّة كـ(داعش).. تتناحر فيما ببنها من كل حدب وصوب، ليجد الإنسان السوري نفسه الخاسر الأكبر في حرب طاحنة ليس له فيها دخل سوى أنّه خرج ذات يوم مطالبا بحرّيّة مغتصبةٍ.. فقد وصل عدد الجرحى اليوم لما يزيد عن مليوني جريح في حين سقط ما يزيد عن الـ200 ألف قتيل من الجانبين.

لم تتوقف جرائم الأسد عند هذا الحد، بل تم تهجير ملايين السوريين في شتى أصقاع الأرض.. عملية التهجير حسب عديد المراقبين هي عملية ممنهجة مما حول الحرب حسب وصفهم إلى حرب ديمغرافية بالأساس.. حيث يسعى نظام الأسد إلى تركيز تجمعات سكنية علوية شيعية على الشريط الساحلي مكان الأغلبية السّنية المهجرة قسرًا.

أمام صمت عالمي غريب ومريب حول ما يحدث على الأراضي السورية لا يزال الدكتاتور السوري ماضٍ في ما هو عليه فتراه يقصف شعبا أعزل مسكين بالأسلحة الكيماوية والمحرمة دوليا.. فما حركة ترامب وماكرون وغيرهم إلا ضرب من ضروب التجارة أو الحروب بالوكالة دفاعًا عن مصالحهم هناك، فها هم السوريون يقتلون منذ ما يزيد عن سبع سنوات ولم تحرك ما تسمى بالقوى العالمية ساكنًا تجاههم لتدافع عنهم.

إن كانوا حقًا يهمهم الشعب السوري ومعاناته فلم لم يتدخّلوا من قبل؟ نظريًّا وعمليًا وجود الأسد على رأس النّظام السوري مفيد؛ فهو الذّريعة والشمّاعة لتواصل وجود القوى العالمية في الملعب السوري الذي يمثل حلبة مصارعة لتبرز هاته القوى نواياها وتشمر عن سواعدها، لكن من المتضرر الوحيد؟ نعم هو نفسه ذلك الشخص الذي يأخذ معه المبعوثون الإنسانيون لسوريا السّــيــلــفـي تلو الآخر، وهكذا دواليك. تمامًا كحال ضعفاء الموصل، الرّوهينجيا،اليمن وغيرهم.

يضخّ أصْحاب السعادة ملايين الدولارات لدعم الفصائل والميليشيات المتناحرة هناك لأسباب عدة أهمها النفط والماء وإبقاء حجة لشرطي العالم ليبسط نفوذه، كالمعتاد طبعًا، لما يمثّله المستنقع السوري اليوم من ساحة لتجربة الأسلحة ومحور مناورة.

لتأتينا الصورة والسيلفي على مواقع التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر وغيرها لتلقي في أنفسنا تأثيرًا بالعجز والشّفقة على شعب مسكين، وأقصى ما نستطيع فعله إطلاق هاشتاج تضامن معهم في محنتهم وتغيير صور ملفاتنا الشخصية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد