نشأت فكرة ضالة في عقل، تمكَّنت، انتشرت، أصبحت فيروسًا يتناقل من رأس لرأس، كوّنت جماعات، حملت الفكرة سيفـًا، سفكت دماءًا ومزقت أوطانـًا وشردت أُسرًا،ماذا لو تخلصنا من صاحب الفكرة من البداية؟ أليس ذلك سدًّا لوابل من الخراب؟ ألا ترى أن البشرية تدفع كل ساعة دمًا ثمن التعصب/الكره/الإباحية/الإرهاب المستترين خلف الفكر؟ أليست الكلمات إذا حملت سيفًا فهي سيف يجب كسره؟

 

يمتد هذا الرأي ليشمل عدة إجراءات منها: من حق الحاكم محاربة كل فكرة يراها هدامة، زيادة دور المصنفات المراقبة للأفلام/الكتب/الصحف، من حق الأزهر مصادرة أفلام/كتب، غلق قنوات/جرائد لدواعي أمنية، محاسبة الصحفيين جنائيًّا، مراقبة الأمن للخطب/الندوات، الموافقة الأمنية على الوظائف الفكرية.

 

دعنا نناقش هذا الرأي من عدة أوجه.
أولاً: ما الذي يحدد الباطل لنستأصله؟ هل هو شخص؟ إن وفاة محمد (صلى الله عليه وسلم) تعني انقطاع التسليم لشخص، فالكل يخطيء ويصيب. هل هو كتاب؟ التوراه/الإنجيل/القرآن؟ صحة هذه الكتب نفسها محل خلاف بين أهل الأرض! وداخل الديانة الواحدة هل نحتكم للآيات المحكمات؟ ومن يقول أن هذه الآية محكمة؟!

 

لا نقول إنه لا يوجد مرجع حق يُرجع إليه، بل المشكلة في اتفاقنا على مرجع واحد. تبدو المشكلة في غاية السهولة إذا بحثت عن مراجع لك، وتبدو مستحيلة إذا بحثت عن مراجع للجميع! وبالتالي فالحل المقترح لا يمكن تطبيقه، لأننا لا نستطيع الاتفاق على ضلال فكرة بعينها، إلا إذا استبدت جماعة بتحديد الحق وحملت سلاحًا لتجبر الباقي عليه!

 

ثانيًا: إذا اتفقنا مجازًا على تحديد الفكرة الضالة، فيبقى: كيف نتعامل مع صاحبها؟ يطرح الإسلام نموذجًا؛ هؤلاء الذين علموا أن الله هو الإله الحق وكفروا به جحودًا، هؤلاء الذين ينتظرون لحظة الانقضاض على المسلمين ليستأصلوهم، (وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً)، هؤلاء الكارهون لنا، (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ)،كيف تعامل معهم الإسلام؟

 

بجمع الآيات التي تتحدث عن مواجهة الكفر أو الأفكار الباطلة عمومًا نجد منزلتين:

 

1. الموعظة والجدال بالتي هي أحسن:
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾

 

2. الإعراض:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾
هكذا على قدر طاقة الإنسان وواقعه، عليه إما أن يُعرض عن كل ضلال أو يحاول تغييره بالفكر، ولم يشر القرآن لا تصريحًا ولا تلميحًا أن نضع أيدينا على أفواه الناس ونمنعهم الحديث مهما كان قولهم، وحين نتعرض لأقوال المشركين نجدهم يصرّحون بادعاءاتهم الضالة جهارًا دون أن يمسهم أحد:

 

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾

 

ومن هذه الأقوال يتضح مدى حرية التعبير التي كفلها الإسلام لغير المسلمين، ولعل تخليد هذه الأقوال في قرآن يُتلى آناء الليل وأطراف النهار خير مثال لترسيخ مبدأ: لا يواجه الفكر إلا بالفكر؛ فكل فكرة راسخة متمكنة لا تهاب الانتقاد والطعن، بل تواجهه، وتناظره.

 

ولم يقف الإسلام عند حد السماح للضالين بالعيش وسط المؤمنين، بل سمح لهم بالتصريح بضلالهم، بل دوّنه ورد عليه، بل أكثر من ذلك وهو: تحصين المخطئ؛ فقد منع أية سلطة من التضييق عليه لإكراهه على الحق.

 

يقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
هذا الإكراه ليس بالضرورة يحمل صورته الدرامية لحامل سيف يكره الناس على فكرة، بل قد يأخذ صورًا شتى من التضييق والتعسف، فمنع بناء الكنائس، إكراه، حد الردة، إكراه، مصادرة كتاب، إكراه، منع فكرة من الانتشار، إكراه، الاستهزاء بأصحاب فكرة، إكراه.

 

ثالثًا: حتى لو اتفقنا مجازًا على تحديد الفكرة الضالة، واتفقنا تعسفًا على إباحة مواجهتها بالسلاح لضمان استقرار المجتمع، إلا أنه أمنيًّا يظهر أن طريق السلاح يفتح الباب أمام المضطهَد لحمل السلاح هو الآخر؛ فهو يحمل فكرة يجزم بصحتها ويرغب في استئصال كل فكرة مضادة. وإن سُمح لك أن تضطهده، فإذا دارت الدائرة وامتلك هو القوة، عندئذ لا يلومه أحد إن عاملك بالمثل وخلَّص المجتمع من أفكارك المنحرفة –بالنسبة له– وبهذه الطريقة يظل المجتمع عبارة عن فئة غالبة تضطهد فئة ضعيفة. وعندئذ حتى الفئة المسالمة ستضطر لحمل السلاح للدفاع عن نفسها!

 

إذن فأمنيًّا يجب الفصل بين طريق الفكر وطريق السجن. وإن كان استقرار المجتمع والخوف من وجود أفكار خاطئة هو فزاعة كل حاكم، إلا أن نتائج الاضطهاد وما يلزمه من تجسس، وانتهاك للحرمات، وتجاوز القانون، وسجن، وتعذيب، ونفي، وقتل، هو ما يهدد استقرار المجتمع حقًّا، أما وجود أفكار منحرفة فهو ضريبة بسيطة في مجتمع متفتح مفكِّر مبدع، وهو خير من مجتمع لا يأمن فيه أحد أن يجهر بما يؤمن به، فهو مجتمع صانع للمنافقين.

 

رابعًا: حتى لو اتفقنا مجازًا وتعسفًا مبالغًا فيه بأنك على الحق المبين، وأن اضطهاد الفكر المخالف مباح، وأن ذلك سيحقق استقرارًا، إلا أننا نتسائل: هل يستطيع الاضطهاد حقًّا أن يزيل الفكرة الضالة؟

 

فقد شهد التاريخ اضطهاد اليهودية والمسيحية والإسلام والشيعة والسنة والإخوان والسلفيين ومعتقدات وأفكار شتى، هل انتهت أي من هذه المعتقدات؟! غاية الاضطهاد أن يجعل كل صاحب فكرة يكتمها، ينافق، ويستمر النفاق حتى تحين لحظة الانفجار، عندها يطفح بكابورت من الأفكار الشاذة الضالة العفنة، وهو ما عانت منه الدول العربية وانفجرت بعد الثورة!

 

وبذلك يثبت عدم جدوى مطاردة السلاح للفكر، ويبقى السؤال: ما الحل؟
يقتضي الواقع أن ترك السلاح كليةً سذاجة، والاكتفاء بالسلاح يجرنا لحرب لن تنتهي، لأننا نقاوم أثر الفكر لا جوهره. لكن السؤال الأهم: متى يتدخل السلاح ومتى يتدخل الفكر؟

 

السلاح:
يقول السيد المسيح: “يشبه ملكوت السماوات إنسانًا زرع زرعًا جيدًا في حقله. وفيما الناس نيام جاء عدوه وزرع (زوانا) في وسط (الحنطة) ومضى. فلما طلع النبات وصنع ثمرًا حينئذ ظهر (الزوان) أيضًا. فجاء عبيد رب البيت وقالوا له: أتريد أن نذهب ونجمعه؟ فقال: لا! لئلا تقلعوا (الحنطة) مع (الزوان) وأنتم تجمعونه. دعوهما ينميان كلاهما معًا إلى الحصاد وفي وقت الحصاد أقول للحصادين: اجمعوا أولاً (الزوان) واحزموه ليحرق وأما الحنطة فاجمعوها إلى مخزني”.

 

هكذا يكمن جوهر المشكلة والحل؛ فطالما المسألة في حيز الفكر لا يمكنك إطلاقًا الفصل بين الفكر والإبداع والإباحية والإرهاب والكفر، وإذا حاولت استئصال أي منهم ستستأصل بالضرورة أفكارًا وإبداعًا معها، فكلها مجرد أفكار تُناقش، لا نعرف إن كان صاحبها يسأل عنها، أو يشك فيها، أو يوقن بها، أو يجهل جزءًا منها، فوجود الأمن في هذه المرحلة يجعلهم يجرون مئات من المفكرين جهلاً وغباءً، أما عند نضوج الفكرة لتنتقل لحيز الفعل، عندئذ يسهل الفصل بين الفكر والإرهاب، فإذا قال أحد: الفتوحات الإسلامية كانت لإكراه الناس على الإسلام. فصاحب هذه الجملة قد يكون غبيًّا، أو ضحية معلومة خاطئة، أو لم تكتمل معرفته بعد، أو إرهابيًّا، فمن الظلم إهمال كل الاحتمالات واعتباره إرهابي، وعدم السماح لأحد بالحديث عن الجهاد. أما إذا وجدنا شخصًا يحرق التوراه، أو يسب غير المسلمين، أو يرمي آخر بحجر، عندئذ يسهل تصنيفه وحسابه، عندئذ فقط يتدخل الأمن.

 

الفكر:
(فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي.قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا.. قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ)

 

رجع موسى ليجد قومه قد ضلوا؛ فعبدوا العجل الذي صنعه الضال: السامري. إلا أننا نتوقف عند تسلسل موسى في علاج هذا الضلال، فقد خاطب أولاً قومه، ثم الحاكم: هارون، ثم الضال: السامري. بدأ بقومه باعتبارهم عاقلون، مهما أغواهم الضالون، ومهما تقاعس الحكام، فليس مبررًا أن ينساقوا نحو الضلال، فقد تجبر فرسًا أن يأتي النهر، لكن يستحيل أن تجبره على الشرب منه، فالضلال سيظل موجودًا ما بقيت عقول، لكن تربية الناس وتحصينهم منه هو الحل.

 

فإن كنت مخلصًا حقًّا في مواجهة الأفكار المنحرفة والمعتقدات الباطلة، فها أنا أدلك على الطريق: عليك أن ترفع كتابًا وأذانًا بين الناس بالحق، أن تسلط الكتب والندوات والحوارات والمناظرات على الباطل ليدمغه. بهذا– وهذا فقط – يمكنك اقتلاع الضلال من الرؤوس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد