أثارت إحدى توصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الصادرة قبل أيام، الداعية إلى المساواة في الإرث بين الرجال والنساء بالمغرب ردود فعل كثيرة بين القبول والرفض، بين من رآها مجرد استفزاز للحكومة المغربية الحالية التي يقودها حزب العدالة والتنمية ذو التوجهات الإسلامية، ومحاولة لإحراجهم، وبين من يراها خطوة تتماشى مع مبادئ المساواة في بعدها الكوني والإنساني، وتستجيب للواقع الاجتماعي والاقتصادي المغربي، لكن الغريب في هذا النقاش أن لا أحد أخذ رأي المرأة نفسها، وكأن الأمر لا يعنيها من قريب ولا بعيد.

 

 
وإن كان من المفهوم إلى حد كبير موقف الأحزاب المحافظة بالمغرب وأتباعها من النص الديني الذي يضمن وضعية مريحة للرجال وتفوقا، وإن كان مشروطا بالإنفاق، فالحال أن الأسر المغربية اليوم، وفي معظمها تتقاسم فيها النساء مع الرجال المسئولية، بل إن نسبة كبيرة تصرف عليها المرأة، مما يدعونا لمساءلة هذا النظام المالي القائم، من وجهة نظر قانونية لا تمس قدسية النص الديني، لكنها تعمل على منح للمرأة عدالة مادية يفرضها الواقع الاقتصادي.

 

 

 
والواقع أن الكثير من النساء، لا يفهمن كيف يحصل أشقاءهن على النصيب الأكبر من إرث عائلي يفترض أن الجميع شركاء فيه، وقد تكون المرأة طبيبة أو مهندسة أو عالمة فيزياء، لكنها لا تحصل سوى على نصف حظها من الإرث مقابل حظين يكونا من نصيب شقيقها الذي قد تتفوق عليه ذكاء وتدبيرا ومركزا بشهادة الجميع.

 

 

 
وقد يكون الشقيق سكيرا عربيدا وقد يضيع كل الإرث في اللهو وغيره من الاستثمارات الغير الناجحة، ومع ذلك ينظر إلى المساواة في الإرث، وكأنها خط أحمر وسهم موجه ضد الرجل وسلطته.

 

 

 
إن وضعية المرأة المسلمة، في نظام الإرث، يدفعها إلى الشعور العميق بأنها أقل شأنا من شقيقها، وهو شعور قد لا تعبر عنه المرأة أمام قدسية النص الديني والسلطة التي تمارسها العائلة، لكن شعور الدونية بالنسبة لها هو شعور كبير في مسألة الإرث، ولا يمكنها التغاضي عنه داخل هذا النظام، وهو أمر يسيئها ويصيبها في مقتل حين تدافع عن نفسها كامرأة كاملة الحقوق أمام نفسها وأمام أنظمة أخرى.

 

 

 
قد يكون النص القانوني هو الحل المناسب في مثل هذه الحالات، ذلك أن النص الديني، حتى داخل مجتمع إسلامي منفتح كالمغرب، يصعب كثيرا القفز عليه، ويبقى الحل، حسب وجهة نظر عملية وضع آلية تتكون من ترسانة قانونية واضحة تمنح للآباء إمكانية اختيار تقسيم ممتلكاتهم بالمساواة بين أطفالهم، وفق نصوص واضحة وصريحة، وفي إطار مبسط.

 

 

 
كما أن هناك عدة حالات داخل الإرث، خاصة في حالة عدم وجود شقيق ذكر، ينبغي أن تتدخل فيها الدولة لحماية حقوق المرأة، خاصة تجاه الأعمام، حيث تجد الكثير من النساء أنفسهن خارج منازلهن بمجرد وفاة الأب، حيث يضع الأعمام اليد على حقوقهن، في انتظار تقسيم التركة، وقد حضرت جلسات استماع لنساء وجدن أنفسهن، بعد العزاء مباشرة، خارج بيتهن العائلي لا لشيء غير أنهن إناث.

 

 

 
وفي انتظار حل عملي لهذه المشكلة التي لا تنفك تطرح وتزعزع الكثير من المفاهيم الجامدة، يبقى موقف فئة عريضة من المناضلين والمتعاطفين مع الأحزاب اليسارية غير مفهوم وغير واقعي، ففي الوقت الذي لا يعارضون فيه مبدأ المساواة في الإرث، لكنهم لا يمانعون من الاستفادة منه عمليا، و”يستمتعون” بواقع أن للذكر مثل حظ الأنثيين في مواجهة شقيقاتهن، ولم نسمع عن يساري مغربي، أعلن صراحة على أنه لا يقبل بأن ترث أخته أقل منه، وقاسمها الإرث بالتساوي.

 

 

 
كما أن أغلبية المناضلين اليساريين في المغرب لا يعلنون عن رفض هذه الوضعية بطرق واقعية، كالإعلان مثلا عن نيتهم القيام بتقسيم متساو لممتلكاتهم المادية بين أبنائهم وبناتهم، بعد وفاتهم، ولأن الواقع ينبغي أن يسبق القانون ولو بخطوة واحدة، فحتى البت في هذا الموضوع علميا بالمغرب، يبقى جميع الرجال، إسلاميين ويساريين مستفيدين من هذه الوضعية المادية المريحة، ويبقى الرفض والقبول مجرد كلام على الورق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, المغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد