تحية طيبة للمكافحين الذين وصلوا إلى ما هم عليه رغم الظروف الأليمة القاسية فلم يكلوا ولم يملوا واجتازوا كل الاختبارات بتقدير ولم يلتفتوا لمطر العوائق.

عُرف مفهوم الرجولة عند الشباب مؤخرًا بالعمل بجانب التعليم، حتى أصبح الأمر في محازاة الفضولية أكثر من الاحتياجية.

قالها لي صديق وهو مُرهقٌ ذات مرة عندما سألتهُ عن سبب الإرهاق والسواد أسفل عينيه وأنا أعلم حالته الميسورة وهو ما زال طالبًا، فأجاب بنبرة فخرٍ «أعمل بجانب الدراسة ليس لأني أحتاج لهذا ولكنْ يجب أن أعتمد على نفسي منذ الآن».

أنا شاب درست في محافظة أُخرى غير التي يسكُنها أهلي، فكان خيار العمل بجانب الدراسة أفضل من قضاء الوقت على المقهى أو بصحبة مجموعة شباب طائش.

الأمر أيضًا كان له ظروف شخصية لا تنطبق على صديقي هذا، أو بمعنى أوضح؛ مقومات العَيْش حتّمت عليَّ هذا.

أصبح هذا الأمر عادةً له أضرار تفوق منافعه بمراحل، فمهمة طالب العلم في هذه المرحلة يجب أن تكون لطلب العلم فقط، لا حياة أُخرى تدخل بجانب طلب العلم، بذل المجهود في العمل سيقضي عليه ليلًا فلا يهتم بدراسته – هذا أمر.

الثاني أنه لا يبالي بالنجاح في التعليم أكثر من شغل مناصب أعلى في العمل. الأمر ليس بيديه، نحنُ جيل (عصفورٌ في يدي خيرٌ من عشرة على الشجرة).

الحقيقة أنه لو تعلم ما يجب أن يتعلمه وفَعل ما يجب أن يفعل ووضع الاحتمال الأكبر ما يمنعُه أن يُمسك بتسعة عصافير من الشجرة؟

يمنعُه شيء واحد؛ يريد التي بيده لا يريد المجازفة.

عند التخرُج ستكون الكارثة الحقيقية. نحنُ في بلد الواسطة. هذا يعني أنه سيضطر للجوء إلى الدورات التدريبية، أموال ستُنفق وعُمر آخر سيمر بدونها، هذا العُمر المُنفق في التعليم لا قيمة لهُ الآن، قد أهدره في مجال آخر لا علاقة له بشهادةٍ اقتناها الآن!

أصبحت الدراسة لمدة أربع أو خمس سنوات هباءً عبارة عن شهادة لا فائدة فيها البتة.

هُنا الفاصل، هُنا ما أخشاه عليه. سيضطر للجوء إلى المهنة التي كُان يقتنيها في وقت الدراسة، لا يوجد مُتسع من العُمر ليضيع في الدورات هناك مسؤوليات وأولويات حان وقت تجميعها وتلبيتها.

الكثير يفعل هذا لا لسوء التعليم، لكن الفرصة أصبحت في المتناول، من سيضحي بأعوام من الخبرة للبدء في مجال آخر؟

الأمر في وقته سيكون غير الذي يرسُمه في مُخيلته.

بالطبع هناك الكثير له القدرة على فعل الشيئين معًا، هذا رائع أيضًا، لكن المُجمل من العدد هو الضالّ غير المتّزن.

ماذا لو أعطى كُل الوقت للدراسة فقط، أو كان العمل في فترة الدراسة في المجال الذي يدرسه حتى يستثمر الوقت فيخرج بشهادة وخبرة قد يحتاجها.

الكل الآن يطلب الخبرة قبل الشهادة، لا مجال لك للتعلُّم، إلا سبيلًا واحدًا، التعليم بدون عائد.

من الشّاب العاقل الذي سيترك كل الخبرة والمنصب الذي وصل إليه – ربما – زاحفًا ويترك المال الوفير ويذهب ليقضي سنوات ليتعلم مجالًا آخر هو أصلًا لم يهتم بهِ وقت دراسته؟

الآن نحنُ بين أمرين؛ إما أن نتقن التعليم، أو لا نتعلم ونجتهد في حرفة قد تفيد المجتمع، المجتمع يحتاج إلى طبيب يعمل على علم، ومهندس يبني على علم، ورجل حسابات مُدرك خطورة وحجم الخطر الذي سيحل على شركته وهو على غير دراية بمنهج المحاسبة، ورجل قضاء عادل أو ربما جلس دون إرهاق في مُدرّج فأعطى تركيزًا أخذ ثمرتهُ وهو أمام قاضٍ يُعيد الحق لأهله، غير أننا في حاجةٍ ماسةٍ إلى رجال الحاسبات وتكنولوجيا المعلومات البارعين الذين قضوا وقتهم في تعلم المجال والعمل فيه إن سنحت لهم الفرصة.

مجالات شتى تسمح للطلاب بالعمل فيها وكسب الخبرة ولكن البعض يجري وراء اقتناء المال من عمل وقتي بل لحظي تنتهي فائدته مع انتهاء اليوم إلا من بضعة قروش تتلاشى عند مطلع الصباح.

العمل في وقت الدراسة أمر يُحسب لك لتتفاخر به لا شك، لكنّ حصيلته الوقتية لا تُغني عنكَ لحظة حُزن وأنت تأخذ شهادة لا فائدة منها إلا شيئًا واحدًا؛ تقليص فترة التجنيد إلى عام وثلاثة وثلاثين يومًا، أو الزواج بفتاة كل ما يهُمها هو رجل يرتدي بذلة بلونٍ ما ولديه شهادة ما.

خطورة الأمر على الأجيال الصاعدة مما سيُربي في أذهانهم الفكرة سيعود عليهم لاحقًا عندما يكون هذا الجيل الذي يعمل الآن وهو مُخير تحت شعار زائف (الملل والإحساس بالرجولة والاعتماد على الذات) سيأتي اليوم الذي سنكون فيه أشخاصًا آخرين وهذا الجيل سيضطر للعمل غيرَ مُخيّر له وربما لترك الدراسة.

وسنكون أمة بلا تعليم بدلًا من أمة تعليمها في الشتات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد