يقول عالم النفس أبراهام ماسلو: «من حسن حظ المرء أن يُدفع له الأجر مقابل شيء يحبّ أن يعمله».

في أحد الأيام كانت هنالك سمكتان صغيرتان تسبحان في الماء وتجريان مع تيار الماء، فمرت بهما سمكة كبيرة فقالت لهن: «كيف الماء؟» فابتسمتا لها ومضتا، بعد ذلك سألت إحداهن الأخرى: «ما الماء؟».

عندما تسأل إنسانًا يعمل في المهنة التي يحبها والتي تتناسب مع قدارته وملكاته: «كيف الشغل؟» سيبتسم لك ويمضي لأنه لا يعرف ما هو الشغل، لأن العمل بالنسبة له متعة ولا يشعر بالوقت والتعب فيه كأي نشاط آخر ممتع.

لم أشعر يومًا ما أني أعمل! كنت أقول دائمًا إنني أستمتع في العمل أكثر من أي نشاط آخر أقوم به في حياتي، وحتى أني لم أشعر يومًا ما بأنني بحاجة إلى إجازة، الآن أقرأ في كتاب رائع اسمه «المحفز» يقول فيه الكاتب: «إن العمل الذي يتطلب من الفرد استنفاد قدراته وملكاته ليبدع في إخراج شيء جديد للعالم، هو في الحقيقة متعة أكثر منه عملًا»، ويقول أيضًا: «هذه النوعية من الأعمال لا يوجد فيها روتين، بمعنى أن الشخص لا يعود كل يوم لاستخدام نفس الأدوات والتقنيات التي استعملها بالأمس»، الآن ربما تتفهم زوجتي لماذا لم أكن أسمعها في كثير من المرات التي كانت تحدثني فيها أثناء عملي!

إن ذروة تحقيق الذات بالنسبة لي تكمن في 5 حالات: أولًا، حين أقف على المنصة لأحاضر، وثانيًا حين أحضر عرضًا لمحاضرة أو ورشة، وحين أحلل فكرة وأبين أسبابها وتبعاتها، وحين أخطط، وحين أكتب، في هذه الحالات لا أشعر بالوقت، والطاقة التي أخرج منها بعد أن أنهي هذه الأعمال أكثر من الطاقة التي دخلت بها، وأتمنى أن يستمر ويستمر العمل إلى ما لا نهاية.

للأسف، للأسف، اقتصر الناس بفهمهم على الرزق أنه المال، وعلى الشقاء أنه العمل؛ فالمال جزء من الرزق، وساعات العمل قد تكون أجمل ساعات اليوم، ربّونا على فكرة أن العمل معاناة وشقاء وتعب وكدح وعرق، فكيف لنا أن نبدع ونحن نحمل هذا الإرث الثقيل من القناعات السلبية حول العمل؟!

إن السعادة المعنوية هي فقدان الشعور بأنفسنا وبالوقت وبكل شيء عندما ننشغل في نشاط يستغرق قدراتنا التي نتميز بها؛ فعملية الإبداع في المجال الذي لدينا فيه قدرات يسبب لنا شعورًا رائعًا بالانغماس والاستغراق، فعلى سبيل المثال من يملك ملكة التفكير المنطقي يعشق الأوقات التي يمضيها في حل المسائل الرياضية أو برمجة الحاسوب أو اختراع الإلكترونيات، ومن يملك ملكة حب الاستطلاع يذوب في المطالعة والبحث، ومن يملك ملكة الرسم يمضي ساعات أمام لوحاته، ومن يملك الذكاء العاطفي ينسى نفسه أثناء مساعدة الآخرين، أنا شخصيًا أستغرق وأنغمس عندما أكتب، عندما أكتب أغادر عالمكم هذا الذي تسيطر عليه الأقدار والناس، وأغادر ذاتي الضعيفة إلى عالم أشعر أني أسيطر فيه على كل شيء فأشعر أني ملك، يا لروعة الكتابة.

إن الحرفية العالية تعني أن تعود للطفولة فتصبح المهام الصعبة مثل تركيب «الليجو»، إن العمل الذي يتطلب من الفرد استنفاذ قدراته وملكاته ليبدع في إخراج شيء جديد للعالم هو في الحقيقة متعة أكثر منه عملًا، العمل الممتع لا يحتاج إلى طاقة؛ لأنه هو منتج للطاقة، عندما تنتهي منه تشعر بطاقة أكبر من الطاقة التي كانت عندك عندما بدأت به، التعب يتعلق بنوعية العمل وليس بكمية الجهد المبذول وعدد الساعات التي تقضيها في العمل، فإن عملت في عمل أو مهمة لا تحبها أو لا يوجد عندك مهارة فيها؛ يكفيك ساعة واحدة كي تستنفد منك طاقتك وحيويتك، عندما يكون العمل ممتعًا تكتشف فجأة أنك عملت 16 ساعة، شتان ما بين من يجرّ نفسه إلى العمل وبين من يجر نفسه من العمل، الأول الإبداع غير موجود في قاموسه، والثاني يأتي معه تلقائيًا مثل الزفير والشهيق حاله يقول: داوني بالتي كانت هي الداء.

في حياة المبادرين من الإثارة ما يغنيهم عن مشاهدة أفلام الإثارة والدراما، وأحيانـًا تصل الإثارة في حياتهم إلى حد لا يبلغه خيال أعتى مخرجي هوليود، هذه الإثارة لا يستطيع البعض تحملها لأنها تسبب ألمًا، وهي كذلك لكن بالنسبة لمن يملك ملكة التحدي ومكلة حب الاستطلاع فإنها تثير في داخله مشاعر إيجابية كثيرة أخرى تعوضه عن هذا القلق، هنالك أشخاص كلما شرحت لهم عن صعوبة المهمة زدت في شراهتهم لها، هؤلاء يعشقون المغامرات والتحديات والتميز، مفضل إذا أردتهم أن لا يقدموا أن تبين لهم أن هذه مهمة سهلة وأن أي شخص يمكنه أن يقوم بها، إن من يمل بسرعة وطموحه كبير، ويعشق المغامرة فحياته مثل بحر هائج متلاطم الأمواج، حياته فيلم إثارة لا ينتهي، ولن يهدأ إلا في قبره.

كيف يمكن أن يصبح عملنا مصدرًا لسعادتنا؟ إذا كانت الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة كلها بنعم فهذا يعني أننا نأخذ أجرًا مقابل شيء نحبّ أن نعمله!

  1. هل العمل يشعرني بأني أقوم بواجب إنساني أو ديني أو قومي أو وطني؟
  2. هل العمل يتناسب مع قدراتي وملكاتي؟
  3. هل أستمتع بأداء جزء كبير من المهام في عملي؟

إذا لم تكن الإجابة بنعم على هذه الأسئلة، فعليك أن تعيد النظر في عملك.

الإبداع يجعل ساعات العمل أجمل ساعات اليوم، فعليكم بالإبداع.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العمل
عرض التعليقات
تحميل المزيد