أيمن حويرة
أيمن حويرة

582

«من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».

هكذا استهل خليفة رسول الله ورفيق رحلته -قبل الهجرة وأثناءها وبعدها- كلامه حين علم بوفاة نبي الله وخاتم المرسلين محمد عليه الصلاة والسلام. هكذا أسس أبو بكر رضي الله عنه لمرحلة جديدة من عمر دولة الإسلام، واضعًا أهم لبنة في بناء نموذج العمل الجديد الذي بدا أنه سيواجه تحديات عديدة بعد وفاة مؤسسها. تحديات كان أولها التأسيس لقاعدة تداول السلطة واكتساب الشرعية اللازمة لإدارة الدولة الوليدة. أما عن تداول السلطة فقد اجتاز الصديق هذه المعضلة بنجاح يوم السقيفة، حيث أرسى يومها قاعدة هامة ظلت قائمة بعده لأكثر من تسعة قرون، مستعينًا بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام أن منهم -أي قريش- الأمراء، ومن الأنصار الوزراء بعد أن كان الأنصار قد رشحوا سعد بن عبادة ليخلف الرسول عليه الصلاة والسلام. وأما عن الشرعية فقد حازها لما له من الفضل، سواء لأسبقية دخوله الإسلام، أو لمرافقته للنبي في هجرته وغزواته. لكن هذا النموذج صادف اختبارًا عسيرًا وتحديًا صعبًا في أولى محطات الخلافة بعدما امتنعت أكثر القبائل عن أداء الزكاة في خطوة بدا ظاهرها كمجرد خلاف فقهي في تفسير الزكاة وحكمها، لكنها في الأساس كانت خروجًا سياسيًّا على دولة الخلافة الوليدة، التي ربما لم تنل رضا الجميع.

***

ماذا لو لم يقاتل أبو بكر -رضي الله عنه- القبائل التي ارتدت؟ ماذا لو استطاع عمر بن الخطاب إقناعه بالكف عن قتالهم وتركهم على ما هم عليه مستشهدًا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:  «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»؟ بل ماذا لو قاتلهم الصديق وفشل في ردعهم فضاعت دولة الإسلام التي أسسها رفيق الغار؟ ماذا لو انتصر حربيًّا ثم فشل سياسيًّا في إعادة هؤلاء المرتدين إلى كنف دولته، وهو ما يعني بالتبعية فشله في إضفاء الشرعية على خلافته؟ لماذا أصر على منازلتهم وقال قولته المشهورة، والتي أقنعت عمر وسائر الصحابة: «والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعها، إن الزكاة حق المال، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة».

***

هذا إذن هو الإصدار الثالث من نموذج عمل دولة الإسلام، ذلك النموذج الذي ما زلت أؤكد على عظمة ما ينادي به، وعلى عصمة إصداره الأول والثاني حتى وإن واجه كلاهما بعض الصعوبات، بل وحتى هذا الإصدار الثالث نفسه -إصدار دولة الصحابة- لهو من العظمة بأن يحتذى به ويظل قدوة للعديد من الدول الإسلامية وأنظمة العمل الخاصة بها على مدار ثلاثة عشر قرنًا لاحقة، حتى وإن حادت هذه الدول والأنظمة عن الصورة المثلى التي رسمها الرسول وصحابته في صدر الإسلام. لقد جاء نموذج الصديق معتمدًا بصورة كبيرة على شركاء المشروع (المسلمين) حين اهتم بالحفاظ عليهم (حروب الردة)، وعلى موارد المشروع الرئيسية (الزكاة)، بل وحاول توسيع قاعدة عملاء هذا المشروع العظيم (فتوحات الشام والعراق). وقد جاء تسييره لجيش أسامة بن زيد كأول عمل له وهو خليفة للمسلمين، للتأكيد على ثبات المبادئ الأساسية لنموذج العمل وللمشروع الإسلامي نفسه، وتنفيذ أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام إرساءً لقاعدة هامة مفادها أن القرآن والسنة هما المرجعية التي لا غنى عنها مهما حدث.

***

لم يختلف نموذج الفاروق كثيرًا عن نموذج سلفه، ربما أعطى عمر -رضي الله عنه- اهتمامًا إضافيًّا بالقيمة المضافة لعملاء المشروع الإسلامي، تلك القيمة التي كانت موجودة من قبل بالتأكيد، لكن لاختلاف المتلقي في عهد الرسول عنه في عهد الفاروق فقد كان لزامًا أن يُدخل عمر بعض الإضافات الضرورية لمن لم يعاصر الرسول بنفسه، كان ضروريًّا أن يضيف عوامل مادية فرضتها الظروف والتطورات الزمانية والمكانية تضاف لنظيرتها المعنوية التي جاءت بها الرسالة، فكانت تدبيراته الإدارية والتعديلات التي أدخلها على نظام الدولة وليدة الحاجة، بعد أن توسعت الدولة وترامت أطرافها إثر الانتصارات المتتالية على الفرس والروم. بل إن هذه الانتصارات نفسها كانت سببًا في لحظة ما لإدخال الفاروق عدة تعديلات على نموذج عمله، حتى يستطيع الحفاظ على تماسك عملاء هذا المشروع العظيم، لنراه وقد أوقف الفتوحات خوفًا على المسلمين من فتنة الدنيا، نراه وقد قرر في موقف جريء أن يوقف تدفق الأموال والغنائم -الهدف الرئيسي لأي مشروع- خوفًا على الفكرة نفسها. بل نراه في موقف شبيه يقوم بعزل خالد بن الوليد أحد أعظم قادة المسلمين العسكريين -الشركاء الرئيسيين للمشروع- حتى لا يُفتن به المسلمون. هنا تتجلى عظمة هذا المشروع وروعة نماذج العمل الأولى التي صاحبته، والتي كان هدفها الأوحد والأسمى هو الحفاظ على نقاء هذا المشروع ومبادئه.

***

ربما يظن البعض أن تلك الصورة الملائكية للمشروع الإسلامي لم تدم إلا خمسة وعشرين عامًا، وأن شيئًا ما قد اختلف بعد أن تولى ذو النورين لكن هذا غير صحيح، فعهد عثمان بن عفان كان استكمالًا لما بدأه عمر سواء على مستوى الفتوحات أو التعديلات الإدارية التي أدخلها على الدولة، بل لقد كانت الطريقة التي اختير بها في حد ذاتها نموذج عملٍ مبتكرًا في حد ذاته. وكما كان انتخابه -رضي الله عنه- جديدًا، كان انتهاء خلافته وشهادته حدثًا دخيلًا على الدولة الإسلامية، ذلك الحدث الذي ارتج له ذلك النموذج.. اهتز اهتزازًا هز معه الدولة كلها. لكن هذا الحدث ألقى الضوء على مدى صلابة الدولة ونموذج عملها كما لم يتخيل أحد، تلك الدولة التي بدا وأنها انقسمت إلى فريقين متناحرين: أحدهما فريق الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، والآخر للصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين. بدا وأن الدولة في أوهن لحظاتها، لكن ومع ذلك ظلت متماسكة وحافظت على أراضيها ومكتسباتها، بل إن الخلاف الذي حدث بين علي ومعاوية كان مجرد خلاف على أحد متغيرات نموذج العمل، وليس أركانه الأساسية، وهو ما جعل من السهل في لحظة ما أن يجنح الفريقان للتحكيم، ثم ينجح الحسن رضي الله عنه لاحقًا في رأب الصدع، فكان أن انخرط الناس في مبايعة معاوية بعد استشهاد علي لتعود الدولة كيانًا واحدًا متماسكًا مرة أخرى، وليسجل نموج عمل دولة الصحابة نجاحًا جديدًا أضيف لعظمة نموذج عمل دولة المدينة.

***

لقراءة الجزء الأول: الإسلام ونموذج العمل – لماذا نجحت دولة المدينة وفشلت دولة مكة؟

الإسلام ونموذج العمل – لماذا نجحت دولة المدينة وفشلت دولة مكه؟

تعريف نموذج العمل:

هو النموذج المستخدم لخلق قيمة مضافة، وكيفية توفير هذه القيمة عن طريق وضع تصور لتسعة أركان أساسية وهي: قاعدة العملاء، العلاقة مع العملاء، قنوات الاتصال، القيمة، الأنشطة الرئيسية، الموارد الرئيسية، شركاء العمل، التكلفة، مصادر الدخل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك