مثل ما وسمت عوامل البيئة والجغرافيا أثرها وطابعها في الحياة الاجتماعية والعلاقات الأسرية والنظام الاجتماعي في المجتمع اليمني القديم، وأكسبته ذهنية العمل، كذلك فعلت تلك العوامل بنظامه السياسي والثقافي والديني. فالنظام السياسي كان وليد التقسيم الطبقي الذي فرضته العوامل البيئية المتنوعة، والحياة الدينية كانت هي الأخرى مما يألفه الإنسان اليمني، ويرى فيه عونًا على مشاق بيئته وتقلباتها وتنوعها.

فالآلهة هي التي تُخصب الأرض، وتهب القبيلة الرجال الأقوياء للحرب والعمل، وهي التي تنزل المطر وتروي الزرع، «فذات حميم» شمس الصيف التي تسقي الأرض بعد حرها الشديد، والإله «ثور» يحرث الأرض ويضع الحبوب في باطنها، والآلهة «ألمقة» القمر الذي يعرف المزارع من خلاله حساب الأشهر ومواسم الأمطار والزراعة وجني الثمر، وهذا الثالوث وإن كان للناظر أنه مما عبدته تلك الشعوب في تلك الحقبة الزمنية، فإنه برأيي في الحالة اليمنية، كان ثالوثًا زراعيًّا واقتصاديًّا، «الشمس– القمر– والثور».

كانت الشعوب تعبد مما تعرف وتألف، فتعطي الأسماء وتهب النذور لحماية الأرض والزرع، ونزول الأمطار، والغنيمة والنصر على الأعداء. ومثل ذلك تشكلت ثقافة تلك المجتمعات، فاللغة مليئة بمسميات الآلات والمواسم الزراعية، والأشهر والسنين والأيام، وأنواع الزرع، وأسماء الأرض والجبال، والحيوانات.

حتى إنك لتعجب، كيف تفنن ذلك المجتمع في تسمية الحيوان الواحد، بألوانه وعمره وشكله، بينما في المقابل لا تكاد تجد تسميات ذات أهمية في الحياة الدينية والسياسة والفكرية. وذلك إن دل على شيء، فإنما يدل على أن هذا الكم من الثقافة الشفهية التي أنتجها ذلك المجتمع، جاءت من واقعه العملي، وحياته اللصيقة ببيئته وفعله فيها، فهو بدوره إثراء لغته بها وبمسمياتها، وهي بدورها طبعت فيه ذهنية العمل والحركة من خلال انشغاله بها.

ذكرنا آنفًا أن تشكل النظام السياسي في المجتمع اليمني القديم، تأثر هو الآخر بالعوامل البيئية والتضاريس التي فرضتها الجغرافيا، والذهنية العملية التي اكتسبها الإنسان اليمني من بيئته. كانت القبيلة في المجتمع اليمني القديم – بوصفها البذرة الأولى لتشكل النظام السياسي اليمني- تعمل بنظام «الأذواء» جمع «ذو»، كما في النقوش اليمنية القديمة، فيقال «ذو ردمان» و «ذو ريدان» و«ذو غمدان»، أو بنظام «الأقيال» جمع «قيل». وهي وإن كانت تحمل تلك الألقاب أسماء عائلات، فإنها في حقيقة الأمر عبارة عن وظيفة إدارية، تُخول من خلالها الأسرة الأقوى والأكثر أفرادًا بإدارة جماعات العمل في القرية، أو ما يسمي في اللهجات الدارجة بالمحافد والحصون «مجموعة من البيوتات، أو القرى المتجاورة يتولى شئونها الأذواء أو الأقيال».

وقد حاول نشوان الحميري المتوفي سنة ٥٧٣هـ في كتابه «خلاصة السيرة الجامعة لعجائب أخبار الملوك التبابعة» أن يجمع الأقيال والأذواء في إحدى قصائده المسماة ملوك حمير وأقيال اليمن.

كانت مجموع المحافد والقرى تُشكل قبيلة، لا بوصفها قرابة دم، بل بوصفها تحالفات صغيرة شكلتها الحالة الاقتصادية والسياسية. فكان أقوى المحافد هو الذي يشكل المحور الذي تدور حوله بقية المحافد والقرى الأخرى من حوله، والمركز الذي تتركز فيه قوة العمل والإنتاج وجماعة المحاربين، وبدوره يحكم السيطرة السياسية والاقتصادية على بقية المحافد.

تذكر الباحثة أزهار كامل ناصر، في بحثها الذي نشرته بعنوان «الأذواء والأقيال دراسة في التاريخ اليمني القديم» ص14، أن اقتران كلمة «ذو» باسم العلم يعبر عن واقع ملكية اقتصادية، ويؤكد ذلك كثرة الأماكن والأشخاص التي اقترنت بكلمة «ذو» ولا سيما في مناطق حمير.

لاحقًا ظهر منصب «قيل»، والذي يرأس تجمع قبلي يسمى القبيلة، نوعًا من الإقطاع القبلي، وهو مجموع تحالف المحافد، ويذكر الدكتور صادق عبده قائد في مؤلفه «الهوية السياسية والحضارية لليمن» أن نظام القيالة في اليمن، بدأ في الظهور في الألف الأولى قبل الميلاد، وكانت أرض مملكة سمعي – شمال صنعاء – هي مهد نظام القيالة منذ عهد كرب إل وتر، وقد استمر هذا النظام حتى دخول اليمن في الدولة العربية الإسلامية.

كان يطلق القيل على نفسه أحيانًا لقب «ملك»، حينما يتوسع حكمه ليرأس «شعب»، مجموعة من تحالفات القبائل والمحافد، وقد ظهر هذا المسمى في النقوش اليمنية القديمة باسم «شعبم»، كما في نقش النصر في معبد ألمقة بمأرب، حينما وحد الملك «إل وتر» مجموعة من الشعوب، فصك لنفسه لقب «مكرب» أي الموحد. كان القيل يعقد تحالفات مع بقية القبائل أو يغزوها فيسمى ذلك التحالف شعبًا، وهذا التحالف بدوره شكلته المنافع الاقتصادية والسياسية وجماعات العمل.

اختلف الباحثون في معنى مسمى «مكرب»، فمنهم من قال إنه لقب ديني يعني المقرب للآلهة، ومنهم من قال إنه لقب سياسي يعني الموحد الذي وحد الشعوب. وبرأيي أنه هذا وذاك، موحد الآلهة وموحد الشعوب، وذلك أن إِلَهِ القبيلة الأقوى ما يلبث أن يكون هو إِلَهِ الشعوب الموحدة تحت راية المكرب أو الموحد، مع بقية الآلهة المحلية للقرى والمحافد. فحينما يطغى حكم المكرب أو الموحد على بقية الشعوب، يصبح هو المُقرب للآلهة؛ كونه من يرعى المذابح والنصب والأملاك التي تملكها المعابد، وهو أيضًا الموحد الذي وحد الشعوب.

خلقت جماعات العمل المناصب الإدارية في المحافد، نوعًا من التطور الاجتماعي الذي أفرزه العمل، توسعت تلك الجماعات فشكلت نوعًا من التحالفات النفعية، والتي بدورها أفرزت النظام الإداري والسياسي لتلك الجماعات، ظهر القيل حاجة مواكبة لذلك التطور الاقتصادي، فتوسعت الأملاك وجاء الأقيال بوصفها نوعًا من الإقطاع، لاحقًا أفرز توسع العمل الحاجة الاجتماعية لظهور «المكرب» أو الموحد، الذي وحد أكثر من شعب تحت رايته.

وهكذا رأينا في النقوش اليمنية لاحقًا، كيف توحد أكثر من مكرب تحت لواء ملك الملوك، سواء بالسلم أو بالحرب، وهذه الأخيرة لعبت الجغرافيا والقوى الاقتصادية التي أفرزتها جماعات العمل الدور الأهم في حسمها، فتشييد السدود وطرق النقل وقنوات الري، وتشكل جماعات الحرب، والزراعة والصناعة، والحرف اليدوية، وتجارة البن والبخور والمرمر، وجماعات الصيد، كل ذلك كان هو عماد ذلك النظام السياسي، وكان هو أيضًا العامل الأبرز الذي أدى إلى فنائه أيضًا، حينما تفرقت وتفككت جماعات العمل تحت سلطة الأقيال.

فمع تحول طريق القوافل الذي كان يربط سواحل حضرموت مع ميناء غزة وشواطئ المتوسط، ومع تهدم سد مأرب، وتفكك جماعات العمل وانهيار النظام الزراعي والحيواني، تفكك ذلك النظام السياسي ولم تقم له قائمة، حتى في ظل قيام الحكم الإسلامي، كانت سلطة هشة غير مستقرة، وكذلك مع مجيء حكم الإمامة الكهنوتية، ولاحقًا مع النظام الجمهوري.

مما يدل على أن تحالف التعاونيات والتي أساسها ذهنية العمل لدى المجتمع اليمني، هي العامل الأهم في نَشْأة النظام السياسي اليمني واستقراره، وهو ما فطن له الرئيس الحمدي، رحمه الله، حينما أسس جمعية التعاونيات، ولكنه رحل قبل أن يكمل ذلك المشروع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد