أيمن حويرة
أيمن حويرة

734

«تتعرض الشركة لخسائر كبيرة في الصين؛ جراء المنافسة الشرسة، نحقق أرباحًا في الولايات المتحدة، لكننا نخسر مليار دولار سنويًا في الصين. وبالرغم من أن الصين هي أكبر سوق دولي لنا، لكن نصيب الشركة من السوق الصينية يتقلص؛ بسبب منافسها الأكبر ديدي كيوادي. والذي بالرغم من أنه لا يحقق ربحًا في كل المدن التي يعمل بها، لكن حصته في السوق تتزايد».

كانت هذه الكلمات جزءً من حوار أجرته «رويترز» مع «ترافيز كالنيك»، المدير التنفيذي لشركة «أوبر» لتأجير السيارات. تلك الشركة التي ظهرت للنور عام 2009، واستطاعت على مدار الأعوام القليلة الماضية أن تضاعف عائداتها، حتى وصلت إلى أكثر من عشرة مليارات في عام 2015، مع قيمة سوقية للشركة تتخطى الستين مليار دولار، لكن بالرغم من عبقرية الفكرة التي قامت عليها الشركة، والنجاح المدوي الذي لاقته عند بدء الخدمة في العديد من الدول والمدن حول العالم؛ بسبب نموذج العمل الذي ابتكرته وانتهجته، إلا أن هذا لم يمنعها من أن تسجل خسائر في الصين بصفة خاصة، وعلى مستوى الشركة عامة.

***

ظهر الإسلام قبل أربعة عشر قرنا في وقت كانت فيه شبه الجزيرة العربية تعيش حياة الجاهلية، كان أكثر العرب حينها يعبدون الأوثان، بينما اعتنقت نسبة صغيرة منهم اليهودية (خيبر – يثرب) والمسيحية (نجران – اليمن). كانت حياة القبائل تسيطر على كامل المشهد، وكانت قريش تسكن مكة وتحكمها. وُلد محمد – عليه الصلاة والسلام – وترعرع وسط هذه الظروف وعاش طفولته، وبداية شبابه كجزء من هذه المنظومة، حتى وإن لم يلتزم بقواعدها تماما، لكنه استطاع أن يحوز احترامًا وتبجيلًا، لم ينكره أعداؤه الذين كذبوه لاحقًا.

وحين جاءه جبريل – عليه السلام – ليبدأ معه رحلة هداية أهل مكة، ومن بعدهم البشرية أجمعين، كان على رسول الله أن يقدم رسالته بما يتوافق مع المجتمع والبيئة المحيطة به.

***

في علم إدارة الأعمال يتوقف نجاح أي فكرة جديدة أو مشروع على مدى تكامل وجودة نموذج العمل الخاص به ( Business Model)، وقد كان على الإسلام أن يقدم نموذجًا متميزًا للعمل، يضمن نجاح المشروع الإسلامي، لكن هذا النموذج الذي طُرح في مكة، بعد البعثة النبوية كان نموذجًا دخيلًا إلى حد ما على قريش؛ إذ بدا أنه سيقود إلى تحطيم دولتهم وكسر سطوتهم. كانت قريش تعلم أن محمدًا ذا الأصول الكريمة والخصال الجليلة قادرًا على أن يأسر قلوب أهل مكة، وأن يصل إلى مقعد القيادة. لم تكن هذه هي المشكلة الوحيدة التي أرقت قريش وقضّت مضاجعهم؛ فالاختلاف الفكري بين ما يطرحه محمد، وبين ما وجدوا أباءهم عليه كان جليًا. كان الإسلام يدعو إلى المساواة في وقت كانت العبودية هي شعار المرحلة، جاء الإسلام ليُحرّم كثيرًا مما استحله أهل مكة على مدار عقود وقرون. إذن لن يأتي الإسلام على سلطتهم فحسب، بل سيطغى أيضا على قناعاتهم وعاداتهم الإجتماعية. هذا الدين يحمل انقلابًا فكريًا وسياسيًا لا قبل لهم به!

إذن جاءت فكرة عظيمة بنموذج عمل بالتأكيد هو الأفضل؛ لكونه سماويًا، لكنه – نموذج العمل – رغم ذلك ظل يحاول لمدة ثلاثة عشر عاما، هي عمر الدعوة في مكة، أن يحل محل نموذج العمل القرشي بكل ما يحويه من خصائص دينية «عبادة الأوثان»، واجتماعية «شيوع الرق والخمر والزنا»، واقتصادية «الربا». كانت خصائص النموذج الإسلامي على النقيض من كل هذا، حتى وإن لم تطرح ذلك في البداية، لكن شيئا ما في دعوة محمد كان ينبئ بأن هذا النموذج لن يكون نموذجًا مكملًا قابلًا للتعايش مع النموذج الجاهلي، وإنما سيكون نموذجًا بديلًا عنه، يطيح به ويجتثه من جذوره. نموذجًا يستمد شرعيته من الله عز وجل، ولذا فإن محاولة تطويعه أو إعادة تشكيله ليتناسب ورغبات أكابر قريش ستمنى حتمًا بالفشل. حاول قادة قريش بالفعل فعرضوا على محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ أموالًا طائلة، لكنه لم يستجب، اقترحوا أن يعبدوا آلهتهم وإلهه بالتناوب فأبى، فما كان منهم، إلا أن رفضوا هذا النموذج، وقاوموه وعادوا كل من نادى به أو انضم لركبه، حتى أيقن قائد هذا النموذج بضرورة تغيير أحد أطراف المعادلة، فكان أن أذن له الله بالهجرة إلى المدينة واختيار شركاء وعملاء جدد لهذا المشروع الوليد.

***

على النقيض تمامًا من مشروع دولة مكة، الذي لم يكتب له النجاح، كانت المدينة المنورة أرضًا خصبة لمشروع الدولة الإسلامية المرجوة. اختلف نموذج العمل ليتماشى مع الظرف الجديد والبيئة المختلفة كليًا عن نظيرتها في مكة. استعد الرسول جيدًا لهذه البيئة الجديدة فأرسل سفيره مصعب بن عمير؛ لينشر فكر الإسلام، ويمهد الطريق لهذا المشروع الفكري والسياسي. ربما يبدو الأمر غريبًا إذا علمنا أن دعوة مصعب – ذلك الغريب عن المدينة – لم تستمر أكثر من عام، لكنها آتت أكلها، في الوقت الذي ظل محمد ـ صلى الله عليه وسلم – صاحب الدعوة نفسه، يدعو قومه عشرة أعوام جهرًا، فلا يحقق النتائج المرجوة التي حققها أحد رجاله. لكن إجابة هذا السؤال العسير تكمن في المرونة التي اتصف بها نموذج العمل والسياسة التي انتهجها الرسول في تجربة المدينة؛ لتلافي المعوقات التي لاقاها مع قومه في مكه. اختيار المدينة في حد ذاته كأرض جديدة لهذا المشروع كان تعديلًا جوهريًا على هذا النموذج؛ فأهل المدينة – بعكس مكة – أهل كتاب، عاش اليهود على أرضها سنين عديدة يبشرون برسول جديد، وكانوا على أهبة الاستعداد لاستقبال الرسالة، على عكس عبدة الأصنام في مكة. حتى عرب المدينة خافوا من استحواذ اليهود على هذا الرسول الجديد فآثروا الاستماع له والاقتناع به. كذلك كان لهلاك العديد من قادة العرب في يثرب – قبل الهجرة – في الصراعات المستمرة بين الأوس والخزرج وآخرها حرب بعاث أثرًا واضحًا، فلم يمتلك قادة الصف الثاني في المدينة نفس الكبر والغرور، بل القوة التي امتلكها قادة قريش في مكة لمقاومة الدين الجديد، أو بصورة أكثر وضوحًا، مقاومة فقدان السلطة.

لقد استطاع محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يجد منبتًا صالحًا لزرعته التي زرعها، بداية في أرض بور، لم تشفع سقايته وجهده طوال بضعة عشر عاما في أن يرى حصاد ما زرع، إلا حين اختار أرضًا أخرى يحرثها هو ورجاله. قضى أعوامه الأخيرة في مكة يخطط لهذا التغيير الجوهري في مسار الرسالة والدعوة، تغييرًا جذريًا في نوعية المتلقي والعلاقة معه. فبدلًا من العلاقة التي بدت ندية بين الرسول وقريش في مكة، كان مصعب بن عمير ومن بعده المهاجرون، وعلى رأسهم قائدهم إخوة لأنصارهم في المدينة؛ علاقة كانت منذ يومها الأول علاقة ودية بعيدة عن التنافس أو الصراع. ربما كان لغياب بيت الله الحرام أيضًا دورًا في تقبل الأنصار للدين الجديد، فقد كانت الكعبة في مكة أحد أوجه الصراع وأركانه؛ صحيح أن ذلك لم يكن واضحًا قبل الهجرة، لكن نظرة سريعة لما حدث يوم فتح مكه يخبرنا بأن الكعبة كانت دومًا رمزًا للصراع. الكعبة التي ترى قريش أنها ملك لهم، بينما يعلم الأنصار جيدًا في المقابل أن المسجد النبوي الذي بناه الرسول هو ملك للجميع مهاجرين كانوا أو أنصار.

لم تقتصر روعة نموذج العمل – المعدل – على مرحلة ما قبل الهجرة في المدينة، لكنها امتدت لتشمل أحد عشر عاما كاملة قضاها الإسلام ورسوله هناك، خطوات المسلمين كانت ممتازة ومحسوبة، غزوات الرسول كانت لتثبيت أركان الدولة الوليدة. علاقاته ومعاهداته مع اليهود، ثم حروبه معهم بعد نقضهم لهذه المعاهدات، القيمة التي أضافها الكيان السياسي للإطار الدعوي، والذي أكسب الدعوة بريقًا فضلًا عن القوة التي اكتسبها المنتمين لها، ولهذا الكيان إلى جانب القيمة الاقتصادية التي كان لبعض خصائص هذا النموذج بالغ الأثر في إثرائها، حيث كان تحريم الربا – كمثال – أحد العوامل التي أثرت إيجابيا في حالة المدينة الإقتصادية. وقد تجلت عظمة هذا النموذج في لحظة فتح مكه، تلك اللحظة التي ربما كان ليخطر ببال محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يعود بعدها إلى موطنه، ويتخذ من مكة عاصمة لدولة الإسلام الفتية، لكن تجربة مكة قبل الهجرة كانت كفيلة بتأكيد أن بيئة المدينة وأهلها وخصائصها هي الأنسب لهذا النموذج، بمعنى أصح كانت التعديلات التي أدخلت على نموذج العمل بما فيها تغيير المكان نفسه ضرورية ولا سبيل للتراجع عنها.

***

لماذا فشلت «أوبر» في الصين، بالرغم من نجاحاتها المبهرة في الولايات المتحدة؟ بل بالرغم من الإبداع اللافت للنظر في نموذج العمل المبتكر الذي قدمته هذه الشركة، والذي صار مثالًا يحتذى به فيما بعد؟  إجابة هذا السؤال تبدو – على الرغم من الفارق الشاسع – هي نفسها إجابة السؤال الذي لا يسأله الكثيرون: لماذا نجح الإسلام في إقامة دولته الأولى في المدينة، بينما فشلت المحاولة في مكة؟ الإجابة تتعلق بنموذج العمل نفسه، والمرونة في تطبيقه وتطويعه، لا في المشروع. فالإسلام ودولته مشروع يحمل في طياته مكونات النجاح، لكن نماذج العمل المقترحة لإرساء قواعد هذه الدولة هي العامل الرئيس في نجاح أو فشل المشروع. وكما فشل مشروع إقامة الدولة في مكة، ونجح في المدينة، فقد صادف المشروع على مدار ألف وأربعمائة عامًا تحديات عديدة ونماذج عمل مختلفة، كان لكل منها مميزاته وعيوبه التي يجب دراستها وتحليلها قبل الحكم على المشروع كله بالفشل، فالإسلام في حد ذاته ليس نموذج عمل، وإنما مشروعًا جليلًا قادرًا على أن يسود العالم، لكنه فقط بحاجة إلى اختيار النموذج المناسب لتطبيقه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك