تربينا وكبرنا وترعرعنا، على جملة اعتدنا ترددها على مسامعنا كثيرًا، تقول هذه الجملة إن «العمل ليس عيبًا»، فاعمل في أي شيء، طالما أن هذا الشيء لا يندرج تحت مُسمى التجارة السيئة التي تُشين صاحبها.

فإذا كنت مثلًا طبيبًا فلا مانع من أنك تعمل في أي مهنة متواضعة، طالما لا يتوفر مكان لك تُمارس فيه مهنتك الأساسية كطبيب بداخل المستشفيات، سواء كانت المستشفيات الحكومية أو الخاصة.

وإذا كنت مهندسًا فلا مانع أيضًا من أن تعمل كبائع في متجر، حتى تكسب لقمة عيشك بالحلال، ولا تنتظر مُطلقًا أن يتكرم عليك مدير أي شركة ويطلب منك أن تعمل في تخصصك بداخل شركته.

توضيح

رجاءً لا أريد من أحد أن يسيء فهمي، فأنا أحترم وأقدر جميع المهن، فجميع المهن وُجدت لتكمل بعضها البعض، فالطبيب يحتاج إلى السباك، كما يحتاج المهندس إلى الميكانيكي، ويحتاج المحاسب إلى الخباز، فنحن جميعًا بداخل ترس يدور في عجلة واحدة، وهي عجلة إعمار الأرض.

ولكن ما أُعنيه هنا، بأن تلك المقولة جعلت الكثير منا يميل إلى الكسل واللامبالاة، ولا يفرق معه مُطلقًا دراسته أو شهادته الجامعية، ولكن ما يفرق معه فقط هو أن يعمل في أي شيء حتى يتحصل على الأموال، والتي من خلالها يعيش هو وأسرته في حياة كريمة!!

ولا فارق معه مستواه الاجتماعي والعلمي الذي ظل يسهر الليالي لكي يبنيه.

معذرة فأنا أرفض هذه المقولة، بل وأقول: «العمل عيب».

عندما يكون العمل لا يتناسب مع شهادتك العلمية، ولكنك تعمل من أجل المال فقط، ولا تطلع إلى التطور من نفسك، وتحارب من أجل أن تحصل على حقك من الدنيا وفي الحياة، فأقول لك أن العمل عيب.

عندما تكون على الورق وفي الشهادة مُحامٍ، ولكن فعليًّا وفي الواقع بائع خبز، فأقول لك إن العمل عيب.

عندما تظل تدور في ساقية من أجل فقط لقمة العيش، ولا تسعى إلى الحصول على حقوقك من الحياة، فأقول لك العمل عيب.

قصة توضيحية

من فترة ليست ببعيدة قرأت قصة شاب ما زال في العشرينات من عمره، خريج دبلوم صنائع، ظل يُكافح هذا الشاب ويتعلم، ويطور من نفسه حتى أصبح مديرًا للمبيعات والتسويق في إحدى الشركات المرموقة، بل ويسير حاليًا نحو إنشاء شركته الخاصة.

إذا أردنا تحليل هذه القصة سوف نجد الآتي:

شاب ذات الإمكانيات المتواضعة والمتواضعة جدًّا، قرر يتمرد على واقعه، بل ويصنع الواقع الذي يتصوره ويريده بنفسه.

رفض الاستسلام لمجرد كونه خريج دبلوم صنائع، والتي بالتأكيد هذه الشهادة لا توفر له وظيفة في مصر سوى الوظائف المتواضعة، ولكنه أبى ذلك، وظل يحارب ويتغلب على الكثير من التحديات والمصاعب التي بالطبع واجهته، ومن ثم أكرمه الخالق، وجعله قائدًا وقدوةً حسنة يتمنى البعض أن يصبحوا مثله.

ولكن إذا عكسنا تلك القصة، وأسقطنا تلك الحالة على شاب خريج كلية الطب أو الهندسة أو أي كلية أخرى.

سوف نجد خريج الجامعة يعمل كعامل نظافة على سبيل المثال، ويظل لسنوات طويلة يعمل بها!!

والسؤال هو كيف لك أن تظل في مثل تلك الوظيفة، والتي بالتأكيد لا تناسب مؤهلك الدراسي من دون أن تتمرد وتُطالب بحقك في الحياة؟!

والمطالبة بالحق هنا، لا أقصد بها أن تذهب إلى الوزير الفلاني أو المسؤول العلاني وتُطالبه بتوفير فرصة عمل لك، لا، ما أُعنيه هنا أنك أنت بذات نفسك تجتهد وتسعى بكافة الطرق والوسائل المشروعة، ومن ثم سوف تحصل على ما تريد، وتذكر إن الله لا يضيع أي عمل واجتهاد بإخلاص.

قصة توضيحية أخرى

قصة أخرى قرأتها منذ فترة، تتحدث عن شاب كان يعمل محاسبًا في بنك، وقرر أن يستقيل من عمله ليعمل في مجال آخر يعشقه من صميم قلبه، وهو مجال الأطعمة، وبالفعل استقال من وظيفته، وأنشأ عربة لبيع الفول.

هنا الموضوع يختلف تمامًا عن القصة السابقة، هنا هذا الشاب حصل على بكالوريوس، وبعد ذلك التحق بعمل يتناسب مع درجته العلمية، وعندما شعر إن شغفه في مجال آخر، استقال.

ولهذا السبب يختلف اتباعك لشغفك عن إحساسك بالعجز، والذي يؤدي بك إلى أنك تعمل في أي مجال لا يتناسب مع درجتك العلمية.

فأنا أؤيد اتباعك لشغفك، ولا أؤيد سياسة الأمر الواقع التي تفترضها أنت على نفسك، بسبب عدم اجتهادك بالشكل الكافي.

وحتى لا تعتبرني أقول كلامًا مُرسلًا ليس له أدنى أساس من الصحة، سوف أقوم باقتراح بعض الخطوات التي من الممكن أن تساعدك في أن تعمل في المجال الذي تريده:

  • خذ بجميع الأسباب التي أمامك.
  • وسع من دائرة معارفك، ومن الأشخاص الذين تريد أن تصبح مثلهم.
  • اقرأ كثيرًا في المجال الذي تفضله، من يعلم من الممكن أن تأتي بفكرة إبداعية لم يسبقك أحد لها.
  • وأخيرًا تذكر أن لكل مُجتهد نصيب.

هذه المقالة بمثابة الصرخة، صرخة مني لجميع فئات المجتمع، صرخة تقول لا تستسلم للواقع، بل اصنع أنت واقعك بنفسك، والله معك وسوف يكرمك ويُرزقك بقدر سعيك واجتهاد وأخذك بالأسباب، ربك أمرك بالسعي والنتيجة عليه هو وحده، هو وحده القادر على تكليل عملك واجتهادك بالنتيجة التي تستحقها.

لا تيأس، فليس لليائسين مكان في الحياة، اقرأ كثيرًا في قصص نجاح السابقين، وادرس ماذا فعلوا، حتى وصلوا إلى هذه المكانة العالية والشهرة الواسعة، من يعلم، جائز جدًّا أن تكون أنت قصة النجاح القادمة.

«ولا تنس نصيبك من الدنيا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العمل
عرض التعليقات
تحميل المزيد