تحتفل الطبقة العمالية في العالم بالعيد الأممي من فاتح مايو (أيار) السنوية، في جميع أرجاء المعمورة، وذلك من أجل التذكير بمطالب وتطلعات الطبقة الشغيلة، التي تعد العمود الفقري للنظام الاقتصادي لأي بلد، وإن اختلفت في الشكل والمضمون، بالرغم من الإشكالات والثغرات القانونية والتفسيرات الدستورية المتعددة، التي تستغل في مواجهة مطالب الطبقة العاملة، خاصة في الدول التي تنعدم فيها شروط العدالة المؤسساتية، أو شبه المؤسساتية، إلا أن الحق النقابي يعد مبدأ أمميًا لا يمكن نكرانه، بالرغم من أفول ونكوص وهج النقابات العمالية، التي تماهت مع الخطاب الرأسمالي الجشع وأضحت فقط ديكورًا وقتيًّا للمناسبات والمهرجانات العمالية، الذي يؤثث لاحتفالات أول مايو (أيار) السنوية.

ولقد بدأ الكلام عن القضية العمالية منذ القرن التاسع عشر، إذ إن انتشار البطالة والفقر والبؤس في أوساط الطبقة العاملة، دفع الكثير من المفكرين والمنظرين للفكر الاشتراكي والماركسي إلى مصادمة ومواجهة النظام الاقتصادي الرأسمالي، القائم على الحرية الفردية المطلقة والملكية الخاصة، فنجد هذا الهجوم حتى في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ أي الفترة التي كان فيها هذا النظام في أوج قوته وانتشاره، ويحتل المكانة الأولى في عقول المفكرين وإيمانهم بضرورة تغيير النظام الاقتصادي الذي يقوم على استعباد العامل.
ولكنه اتخذ شكلًا آخر وقويًّا جدًّا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين، حتى إننا لا نجد دعاة لمذهب اقتصادي جديد إلا ومعالجة وضعية الطبقة العاملة دعامة من دعائم هذا المذهب، ويكفي لإدراك ذلك مجرد نظرة عاجلة على كتابات وتنظيرات أصحاب المذاهب الاشتراكية، لاسيما اشتراكية الدولة والاشتراكية المسيحية، والتضامنية، والتعاونية، والنقابية، وقد كانت اشتراكية الدولة من أكثر الاشتراكيات تطبيقًا على أرض الواقع التي ثبتت فشلها، بل كانت أكثر رأسمالية من الفكر الرأسمالي نفسه، وما دموية ستالين واستعباده للشعوب السوفيتية، والتي راح ضحيتها ملايين البشر في حقبة ستالين، وحول هذه الشعوب إلى قطعان خاصة قامت عليها اشتراكيته، وسار على نهجه الكثير من الدول؛ فهي اشتراكية راديكالية لا تختلف عن الرأسمالية الراديكالية، وإن كانت هذه الأخيرة أقل إيلامًا وكبحًا؛ لأنها تخضع لسلطة المؤسسات الدستورية والمدنية، وهذا ما جعل دولاً اشتراكية مثل الصين تمزج بين اشتراكيتها الشيوعية مع النظام الرأسمالي العالمي، الذي يتحكم في مفاصل الاقتصاد الدولي.
فالقضية العمالية بدأت من خلال بؤس الطبقات العاملة، والذي نتج عن أن شروط حياة الكثيرين من العمال انحدرت إلى مستوى لا يستطيع أن يقبل به الضمير والوجدان الإنساني.
لقد بدأت المشكلة العمالية على هذا الشكل؛ أي مشكلة الفقر في مطلع القرن التاسع عشر، عندما تدنت أجور العمال إلى مستوى يستحيل معه على العامل أن يضمن بأجرته سداد حاجياته الضرورية، وتأمين قوته الضروري، وهذا ما دفع الكثير من العمال إلى تشغيل نسائهم وأطفالهم في عدة فترات تاريخية ليستطيع الفرد منهم أن يجمع من أجور جمع عائلته ما يستطيع به سداد حاجاتها الرئيسية، وهذا ما زال قائمًا إلى الآن في عدة دول.
ولقد بدأت القضية العمالية على هذا الشكل أيضًا؛ أي مشكلة بؤس، عندما ارتفعت مدة العمل اليومي إلى 14 ساعة أو أكثر، وما رائعة البؤساء (Le misérable) للكاتب والروائي الفرنسي فكتور هيجو إلا ترجمة لجزء من واقع الطبقة العمالية بالعالم.
أما أسباب هذه المعضلة فليس من الضروري أن ندخل في تفاصيلها وفي الآراء المختلفة حولها، بل نكتفي أن نقول إنه وإن حاول الماركسيون وغيرهم ممن قدم للماركسية أفكارها ولبنات بنائها أن يعدوا هذا الوضع ناتجًا عن استغلال العامل وجشع أرباب المصانع والشركات والمعامل، واندفاعهم وراء الثروة فإنهم جميعًا يسايرون غيرهم في عد هذه المعضلة نتيجة طبيعية وحتمية لنظام اقتصادي يقوم على حرية المزاحمة بين المنتجين؛ لأن بقاء المنتج وحياة معمله إنما تتوقف على مدى التخفيض الذي يستطيع تحقيقه في تكاليف الإنتاج، ولا شك أن مدة العمل اليومي ومستوى الأجور عناصر أساسية في تشكيل هذه التكاليف وتكوينها.
ولعل المناظرة الأخيرة التي جمعت بين الفيلسوف الماركسي سلافوي جيجيك، والسيكولوجي الكندي المحافظ بيترسون حول موضوع السعادة من وجهة نظر ماركسية ورأسمالية، قد أماطت اللثام عن بؤس الأيديولوجيا وتفكيكها ونقدها، هذه المناظرة بالرغم من أنها حسب وجهة نظري المتواضعة لم تقدم شيئًا جديدًا كل ماقيل فيها هو ربما تبسيط الفكرة، أو إعادة صياغة لجدالات سابقة بعضها شعبوي وبعضها متخصص، وقد كانت خالية من الهجومية الصدامية، لكنها كانت على درجة عالية من الصدق والموضوعية في الاعتراف بإخفاقات كل من الجهتين الفكريتين، ففلسفة التبرير التي تقع خارج الأيديولوجيات حسب قول جيجك هي ما تؤدي إلى البؤس والتعاسة لحياة البشر، وقد كشف عن تناقضات الماركسية المركبة التي في كثير من الأحيان تتعامل مع موضوع العامل بفوقية واستعلاء، وجعل الدولة الصنم الذي يعبد ويقدس على حساب كرامة الفرد وحقه بالتملك، والعكس صحيح، فهي علاقة تأثر وتأثير وهي تخضع حسب التغيرات وفلسفة التبريرات المصاحبة لهذه الأيديولوجيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

آيل للسقوط
منذ 4 أسابيع
المرأة