تغرق الكثير من دول العالم الثالث في مشاكل اجتماعية واقتصادية متنوعة جعلتها تحت رحمة الأنظمة الاقتصادية المستوردة أو المفروضة عبر إملاء خارجي (النيو ليبرالية نموذجًا)، مما زاد من شقاء الفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود أو تلك التي تعاني العوز والهشاشة، نتج عنه خروج كل أفراد هذه الفئات إلى البحث عن العمل طمعًا في تحسين الوضع المادي والمعيشي.

وتظل المرأة الأكثر استهدافًا من طرف هذه الأنظمة عبر إغرائها بشعارات رنانة كالمساواة المطلقة والتحرر من سلطة الرجل (أخًا كان أو زوجًا أو أبًا) بالإضافة إلى تعزيز شعورها بالفردانية والاستقلالية، وبذلك سُلمت رقاب النساء العاملات إلى مقصلة الشركات المتبنية لنظام اقتصاد السوق كالشركات المنتجة للأسلاك الكهربائية الخاصة بالحافلات والسيارات أو ما بات يصطلح عليه بـ(الكابلاج) وتنتشر هذه الشركات في المغرب خصوصًا في الجهات المأهولة بالسكان حتى تضمن تدفق أيدٍ عاملة وفيرة وبأبخس الأثمان كجهة طنجة والبيضاء والقنيطرة، وكذلك تفضل هذه الشركات العاملات النساء لأنهن الأكثر صبرًا وبذلًا للمجهود والأقل طلبًا للحقوق.

إن المتجول في شوارع مدينة القنيطرة أو طنجة سيلحظ جولات العربات الناقلة للعمال إلى شركات (الكابلاج) وبلمحة بسيطة سيتبين أن أغلب الركاب هن من النساء، كما يمكن استخلاص ذلك من نقط عبور هذه المركبات، وتبقى السمة المشتركة لهذه الشركات هو نظام العمل الشرس المتحلل من كل لمسة إنسانية إذ يغدو فيه الفرد آلة للإنتاج بغض النظر عن آدميته، يتعذر مسايرة إيقاعه من طرف الرجال فما بالك النساء ويمكن بيانه كما يلي:

1- نظام المناوبة أو الورديات، يرتكز نظام الشركة على العمل 24 ساعة في اليوم وفق مجموعات تصل الليل بالنهار كل مجموعة تعمل 12 ساعة متواصلة وقد تكون نهارًا أو ليلًا ويبقى الخيال (في غياب دراسات ميدانية) المتكأ الوحيد لتصور حال النساء وهن يغادرن عملهن قافلات إلى بيوتهن أو بيوت أسرهن في ساعات متأخرة من الليل وما يمكن أن يتعرضن له من مخاطر تهدد سلامتهن الجسدية والنفسية.

2- الاشتغال وقوفًا أمام آلات سلسلة الإنتاج فوق أرضية صلبة دون أي حماية للجسم من الآثار السلبية الناتجة عن هذا الوقوف كتضرر العمود الفقري وتضرر الكثير من أنسجة الجسم في غياب تام للتغطية الصحية.

3- المنع الكلي من تأسيس أي شكل من أشكال التكتل العمالي يتولى الدفاع عن حقوق العاملات كالنقابة أو غيرها مما يجعلهن معرضات لكل أنواع الابتزاز من طرف المسؤولين وكذلك للطرد التعسفي تحت ذرائع واهية.

4- الأجور الزهيدة هي القاسم المشترك لهذه الشركات مقابل الساعات الطويلة من العمل ويمكن أن تتعدى اثنتي عشرة ساعة مقابل اثني عشر درهمًا للساعة الواحدة يتم التحايل عليها بكل الوسائل السخيفة الممكنة كالتأخر بعض الدقائق أو عدم استيفاء شروط العمل، ثم بعد ذلك يفرض عليهن العمل لساعات إضافية أخرى دون مقابل.

5- عدم اشتراط الشهادة العلمية: إذ أن العاملات في هذه الشركات جلهن غير حاصلات على أي شهادة علمية يتساوى معهن الحاصلات عليها التي لا يعتَد بها وقد ألجأهن لقبول هذا العمل ضغط الحاجة أو الهروب من شبح البطالة مما عزز لديهن الشعور بالقهر.

هذا غيض من فيض هذا النظام المتوحش ذي الحماية الدولية والمحلية والذي لا تقتصر آثاره على المرأة وحدها بل له انعكاس سلبي على المجتمع بأسره ويمكن تلخيص بعض هذه الآثار فيما يلي:

1- تزايد نسب الأسر التي تعيلها نساء وقد تكون الأسرة مكونة من أبناء أو من إخوة وآباء أو حتى تعيل نفسها بنفسها وتثبت الكثير من الدراسات أن هذا النوع من الأسر هو الأكثر تعرضًا للهشاشة.

2- ارتفاع نسب الطلاق: فبعد نزوح النساء من المناطق المجاورة إلى المدن التي تتمركز فيها هذه الشركات تلجأ بعضهن إلى طلب الطلاق للتحرر من قيود الزوج وتبعات الأسرة.

3- العجز عن خلق توازن بين متطلبات الأسرة وساعات العمل الطويلة مما يعرض الأبناء للإهمال التربوي.

4- تراجع دور الدولة في محاربة الفقر عبر التمكين للنساء من ولوج سوق الشغل وتسليمهن لمذبح هذه الشركات التي تمتهن كرامتهن بدل تعزيز وتشجيع دور الأم من أجل تحقيق الأمن النفسي والمعيشي للأسرة ككل.

وعطفًا على كل ما سبق يمكن القول إن عاملات هذه الشركات يتجرعن الوجع في صمت دون القدرة على البوح بمعاناتهن متواريات خلف ظلال القهر وهن واقعات بين كماشة الحاجة الدافعة بهن إلى تحمل الهوان والنظرة الاجتماعية التي تعمق الجرح وجشع الشركات العابرة للقارات والمؤطرَة بفلسفة اقتصاد السوق، حالهن كحال المستجير من النار بالرمضاء يعشن مهيضات الجناح لا هن قادرات على التظاهر والنضال لإسماع الصوت وانتزاع الحقوق ولا الدفع بقضيتهن إلى دائرة الضوء حتى تصبح مهمة يمكن تبنيها والدفاع عنها من طرف الجهات المعنية كالنقابات والجمعيات، ويبقى الخاسر الأكبر في كل هذا هو البناء المجتمعي والقيمي الذي يتآكل يومًا بعد يوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد