هناك أسطورة يتم الترويج لها حول عمالة لينين لألمانيا (خصم روسيا في الحرب العالمية الأولى)، بحجة أنها التي سهلت مروره إلى روسيا بعد الثورة، حيث كان من المعروف أن لينين معاد للحرب منذ البداية، ومن يروج لهذا الطرح يدلل عليه أيضًا بموافقة دولة السوفيات الوليدة على معاهدة «بريست ليتوفسك» التي أنهت الحرب مع ألمانيا.

وفي السطور التالية سأحاول تسليط الضوء ليس فقط على هذه النقطة ولكن سوف أقوم باتخاذها كمنطلق للتأكيد على ألمعية لينين وتروتسكي وصواب رؤيتهما حول الرهان على مفهوم «الثورة الدائمة» وعلى المزاج الثوري الذي عم أوروبا والعالم في ذلك الوقت، كما أن تسليط الضوء على هذه الفترة أيضًا سوف يطرح الأسباب الموضوعية لفشل التجربة السوفيتية وصعود الستالينية والفاشية.

بعد اندلاع الثورة في روسيا فبراير 1919، ومن ثم سقوط الملكية في مارس 1917، أعلنت الحكومة الروسية المؤقتة بقيادة ألكسندر كيرينسكي والاشتراكيين الديمقراطيين الاستمرار في الحرب إلى جانب قوى الحلفاء، على عكس الرغبة القوية من قبل سوفيتات العمال والجنود التى ترى ضرورة إخراج روسيا من هذه الحرب الإمبريالية.

وبينما كانت هناك حالة من التخبط داخل الحزب البلشفي والجريدة حول الموقف من ازدواج السلطة والموقف من الحرب وغيرها من القضايا، كان لينين يبحث بجدية بالغة كل الوسائل المتاحة والآمنة للخروج من منفاه في سويسرا والعودة إلى روسيا لقيادة الحزب الذي دأب على بنائه والحفاظ على بوصلته منذ 1903.

وفي ذلك الوقت رأت حكومة الإمبراطورية الألمانية التي تحارب قواتها في جبهتين، وهي على شفا الهزيمة، كما تواجه حالة متصاعدة من الغضب من قبل شعبها تجاه هذه الحرب، أن الفرصة سانحة لتخفيف الضغط علي جبهتها الشرقية، وأيضًا محاولة تجميل صورة الملكية في الداخل بنصر زائف.

وهكذا سمحت ألمانيا لزعيم البلاشفة الروس فلاديمير لينين بالمرور في عربة قطار من منفاه في سويسرا عبر ألمانيا ثم السويد وفنلندا نحو بتروغراد، ليعلن هو في لحظة خروجه منها بمدينة بتروغراد شعار (الأرض والخبز والسلام، كل السلطة للسوفيات)، وبالفعل بعد وصوله إلى روسيا بأشهر حقق البلاشفة الأغلبية داخل السوفيتات، وقاد لينين ثورة أكتوبر التي أنهت ازدواج السلطة لصالح السوفيتات.

وبالفعل في 3 مارس 1918 وافقت الحكومة السوفيتات الجديدة على معاهدة (بريست ليتوفسك) التي تفاوض فيها ليون تروتسكي مع الألمان من أجل السلام، ولكن ما يتم تجاهله دائمًا كان هو الدافع الرئيسي لموافقة البلاشفة على الكثير من مطالب البرجوازية الألمانية، وهو رهان لينين وتروتسكي على ثورة عمالية عالمية في ألمانيا وأوروبا وربما العالم بأسره، فقد لاحظا بألمعية «المزاج الثوري» التي بدأ في اجتياح ألمانيا وأوروبا كلها في خضم مأساة الحرب العالمية الأولى، هذا المزاج الثوري الذي سوف تسقط معه كل الارتباطات البرجوازية السابقة عليه، كما كانا يريان أيضًا أن فشل هذا المزاج الثوري في خلق ثورات في أوروبا يعني فشل وحصار التجربة العمالية في روسيا.

ولم يلحظ هذا هذان الثوريان فقط، بل تحدثت عنه تقارير سرية حكومية بريطانية في نهاية عام 1918 بوصفه انتشارًا لـ«العدوى البلشفية» وشعور عارم بين الطبقة العاملة بأن العروش الملكية أصبحت شكلًا رجعيًا ينتمي إلى العهود البائدة وأن نظام السوفيت ربما يثبت أنه أفضل شكل للحكم الديمقراطي، كما حذر منه ليود جورج رجل الدولة ورئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت المجتمعين في مؤتمر السلام في باريس بأن «أوروبا تمر بحالة ثورية، وأن جماهير الشعب في أوروبا من أقصاها إلى أقصاها تهدد حاليًا النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي القائم برمته.

وبالفعل في ألمانيا نفسها بمجرد اندلاع ثورة فبراير الروسية سنة 1917، بدأت الإضرابات المنظمة في مصانع الأسلحة الألمانية شهري مارس وأبريل من نفس العام، حيث شارك حوالي 300 ألف عامل في الإضراب حيث نظم الإضراب مجموعة تسمى «المشرفين الثوريين» كانت النواة بعد ذلك لسلسة ضخمة من الإضرابات شملت عموم ألمانيا في أكتوبر 1918 شارك فيها أكثر من مليون عامل، أطلقوا على أنفسهم لقب السوفيتات أسوة بالثورة الروسية، وكانوا صلب الثورة الألمانية التي أسقطت الملكية، ولولا ضعف «عصبة سبارتاكوس» حديثة النشأة، وانتهازية اليسار الإصلاحي بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي كان يضم في عضويته ما يفوق المليون عضو، لكانت نجحت هذه السوفيتات وقتها ليس فقط في القضاء على الملكية وهروب نفس الملك الذي سمح للينين بالعبور إلى روسيا، ولكن في القضاء على كامل النظام الرأسمالي في ألمانيا والانتصار لنفس شعار لينين (الأرض، الخبز، السلام، كل السلطة للسوفيات).

وكما كان المشهد العاصف وتأثير الدومينو حاضرًا في ألمانيا كان المشهد في بريطانيا، فقد بدأ عام 1919 بإضراب المهندسين على طول نهر كلايد في 27 يناير واستمر الإضراب لمدة 40 ساعة، وخرجت مسيرات للمضربين متنقلة من شركة إلى أخرى في كافة أنحاء مدينة جلاسجو حتى بلغ عدد المهندسين الذين انضموا إلى الإضراب بسرعة 60 ألف مهندس. ثم تلاها مدينة بلفاست بنفس الطريقة ثم أعلن أكثر من 60 ألف عامل إضرابهم في بلفاست وشارك في الإضراب 100 ألف، وكانت المدينة عمليًا تحت سيطرة المضربين، كما أعلن عمال المناجم عن استعدادهم للنضال حتى قبل بداية إضراب الأربعين ساعة على طول نهر كلايد. ففي مؤتمر عقد يوم 14 يناير قرر اتحاد عمال المناجم المطالبة بزيادة الأجور بنسبة 30%، وتخفيض يوم العمل إلى 6 ساعات، وتأميم المناجم تحت سيطرة العمال.

وعندما رفضت هذه المطالب، أحال اتحاد عمال المناجم القضية إلى أعضائه، وصوت العمال بأغلبية ساحقة بالموافقة على الإضراب، وتمت التكليفات اللازمة بعمل اللافتات، ثم أضرب 300 ألف من عمال القطن في يونيو مطالبين بتخفيض أسبوع العمل إلى 48 ساعة وزيادة الأجور بنسبة 30%، وفي يوليو، أعلنت الشرطة إضرابًا ضد قانون قدمته الحكومة يحظر تشكيل النقابات في جهاز الشرطة، ولكن إضرابهم كان جزئيًا وتركز فقط في لندن وليفربول، وقد هزم الإضراب وطرد العديد من رجال الشرطة من وظائفهم، وبالتالي كان عام 1919 في بريطانيا عام الإضرابات الهجومية في طابعها والكبيرة في حجمها، وبلغ عدد أيام الإضرابات 34 مليون و903 آلاف يوم على الأقل. وكان هذا العام تتويجًا لفترة استطاعت فيها النقابات زيادة أعضائها بنسبة هائلة من 2.5 مليون عضو في 1910 إلى 8 ملايين و328 ألف عضو في عام 1920، ولكن الغياب التام لحزب ثوري بلشفي عن تنظيم الطبقة العاملة من ناحية، وسيادة النهج الإصلاحي والبيروقراطية النقابية من ناحية أخرى، سهل من مهمة الحكومة في احتواء هذا الحراك الثوري.

وكما هو الحال في روسيا وألمانيا وبريطانيا كان الحال في الكثير من البلدان ليس الأوروبية وحدها، ولكن حتى في بلدان نامية مثل مصر، ففي مصر كان المجتمع في حالة غليان، حيث أدت سياسات التجنيد الإجباري لمليون فلاح ومصادرة أعلاف الماشية إلى نشر السخط في الريف، كما أن ارتفاع الأسعار الكبير وانتشار البطالة ضغطت بشدة على العمال والأفندية – والأخيران نظروا بغضب إلى استحواذ الأجانب على معظم الوظائف العليا في الإدارات الحكومية والمحاكم المختلطة، كما أن وجود الأجانب الواسع في مجالات التجارة والاستيراد والتصدير – مع تمتعهم بالامتيازات – ضيق الفرص أمام التجار المصريين، لقد «اعتبرت هذه الطبقات أن السيطرة البريطانية هي السبب المباشر لمحنتها الاقتصادية» بوصفها رأس حربة للسيطرة الأجنبية.

لقد تضافر الاستياء والمعاناة والتحريض الوطني في تفجير موجة واسعة من النضالات فيما عرف بثورة 1919، فشارك العمال بقسط وافر من النضال في الثورة، وربطوا بين نضالهم الاقتصادي والكفاح الوطني، وتحولت كثير من الإضرابات إلى مظاهرات شوارع تطورت إلى صدامات دموية مع جيوش الاحتلال – اختفت الشرطة بعد أيام من بداية الثورة. وقد شهد شهر مارس وإبريل 1919 «موجة من الإضرابات والاضطراب الصناعي اشترك فيها آلاف العمال المصريين، وهي ظاهرة لم يحدث مثيلها في التاريخ المصري» قبل ذلك.

بعد هذه الموجة في مارس وأبريل حدث «هبوط في مستوى النزاع الصناعي» وبدأت موجة من إحياء النقابات وانتشارها إلى قطاعات جديدة من الطبقة العاملة، وفجأة قطع الهدوء في مايو إضراب هائل في منطقة القناة. وشمل الإضراب كل عمال شركة القناة وامتد إلى جميع شركات السفن وشارك فيه عمال نقل الفحم وعمال شركتي السجائر والكهرباء، «لقد تميز إضراب عمال شركة القناة – الذي دام أربعة أسابيع – بدرجة لم يسبق لها مثيل من الوحدة بين العمال الأجانب والوطنيين». وحقق الإضراب نجاحات هامة ممهدًا الطريق لموجة نضالية جديدة للطبقة العاملة.

جاءت هذه الموجة في شهر أغسطس 1919 وكانت ردًا على التضخم المتزايد، وشملت هذه الموجة الإضرابية الكبرى في أغسطس 1919 عمال الترام في القاهرة ومصر الجديدة والإسكندرية، وسائقي الأمنيبوس وعمال السكك الحديدية في العنابر وجبل الزيتون، وكثيرا من مصانع السجائر ومصنع السكر بأبي قرقاص ومصنع التكرير بالحوامدية، والجرسونات وعمال المطابخ في أهم المقاهي والمطاعم ومحلات الحلوى بالقاهرة والإسكندرية، وموظفي المحلات التجارية والبنوك وعمال المحاجر بالمعصرة، وشركة «كانديدا» للأعمال الهندسية بالإسكندرية ومخازن بوندر ومصنع اسباتس للصودا. وقد وقعت إضرابات في السويس وطنطا والمنصورة.

ولازمت الموجة الإضرابية موجة من الانضمام للنقابات اتسعت بشكل خاص بين العمال المهرة نسبيًا أو المتعلمين من الأجانب ومن الموظفين الكتابيين وإن شملت هذه الموجة النقابية أيضًا عمالًا آخرين غيرهم. ومثال ذلك أن نقابات جديدة تأسست في هذه الأسابيع لموظفي البنوك والفنادق والمحلات التجارية والصحفيين والترزية والنجارين والكهربائية (أجانب ومصريين) وعمال الجمع بالمطابع والخبازين والجرسونات والسائقين وميكانيكي السيارات وكتبة المحامين وسائقي العربات والنقاشين والحلاقين. وكان هذا التكاثر المفاجئ في النقابات هو الذي دفع بالجريدة اليومية «لابورس اجيبسيان» أن تعلن في مانشيت عددها الصادر في 21 أغسطس: «السماء تمطر نقابات».

واستمر أطول إضرابات هذه الموجة – إضراب عمال ترام القاهرة – لمدة 56 يومًا وانتهى بعد تحقيق مكاسب ذات شأن خاصة في مجال الأجور. وفي يونيو 1920 أعلنت نقابة موظفي البنوك في الإسكندرية الإضراب تضامنا مع إضراب مستخدمي بنك الكونتوار، وفي أكتوبر من نفس العام قام عمال الغاز والكهرباء بإضراب في القاهرة والإسكندرية في توقيت موحد، وفي نفس العام – 1920 – قام عمال الخدمات البحرية من تسع شركات مختلفة في بور سعيد بإضراب موحد، وفي فبراير 1921 تم تأسيس «اتحاد النقابات العام» بمبادرة من «جوزيف روزنتال» أهم مؤسسي الحزب الاشتراكي في مصر بعد ذلك، وضم الاتحاد عددًا من النقابات الصغيرة، لكنه ضم أيضًا عددًا من النقابات الهامة مثل نقابة عمال شركة قناة السويس ومصانع الزيوت النباتية في الإسكندرية وحولها وهي مصانع تضم أعدادًا كبيرة من العمال، حيث كان يعمل في مصنع إيجولين – مثلا – 550 عاملًا.

وهكذا كان الحراك الثوري والمزاج الثوري المبشران بعالم جديد رائع ممكن في كل مكان في أوروبا والعالم كما تنبأ لينين وتروتسكي، ولكن للأسف كان غياب الحزب البلشفي الثوري في بعض البلدان، أو حداثة نشأتها في بلدان أخرى، بالتزامن مع انتهازية القوى الإصلاحية والبيروقراطية النقابية، سببًا في انحسار المد الثوري عالميًا وصعود الستالينية في روسيا والنازية والفاشية عالميًا، ومن ثم قيام الحرب العالمية الثانية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد