محمد أمزيل 40
محمد أمزيل 40


تذكير

انتشر الاقتصاد الرأسمالي بسهولة؛ نتيجة التطور الذي عرفته وسائل النقل بكافة أنواعها، ثم انتشرت الثقافة الرأسمالية بسلاسة، نتيجة القفزة النوعية في وسائل التواصل بكافة أشكاله. إنها الإمبريالية، التي تعتمد على نظام العولمة، كما قلنا سابقًا.

ساعد إذن نظام العولمة، منذ ظهوره، على توسع الرأسمالية في العالم، التي أصبحت قوانينها وثقافتها تُسيطر على المستهلك والمنتج، ولأن العولمة هي تجاوز للقومية، فقد أصبح العالم بكل مكوناته يعيش تحت رحمة هذا النظام.


المحافظون والثوريون

كما سبق أن أكدنا في جزء سابق، فإن العالم الصناعي هو المستفيد من الرأسمالية، في حين أن العالم التابع، يعيش على إقطاعات التخلف والانحدار. ولأن المستفيد دائمًا ما يحاول الحفاظ على الوضع الحالي، فإن المتضرر يحاول تغييره مهما كان. وهنا يحدث صدام حول هذا الوضع، بين من يحاول تغييره وبين من يحاول تركه كما هو. فالمستفيد ينظر إلى الوضع الحالي على أنه الأمثل والأفضل، ولا شيء بعده، في حين ينظر المتضرر إلى أن هناك ما هو أفضل وأمثل من هذا الوضع. وهنا نجد أنفسنا بين أطروحتين متناقضتين حول الوضع، أطروحة المستفيدين المبنية على أن الإنسان يجب أن ينظر إلى الوجود كما هو، وأطروحة المتضررين الذين، يطلبون من الإنسان أن يُفكر في الوجود كما يجب أن يكون. إنه صدام بين المحافظين والثوريين.

إذن بما أن العالم الصناعي هو المستفيد من الوضع القائم في عالمنا، فإنه يُسوق، بأن الرأسمالية هي آخر وأفضل ما توصل إليه الإنسان عبر تاريخه «أطروحة فرانسيس فوكوياما»، وأدلته العقلانية على هذا، هو الرفاهية والرخاء الذي يعيشه العالم أفضل من السابق.

كما يؤكد على عدم وجود بدائل لهذا الوضع، والبديل الوحيد الذي ظهر قد انهار ولم يصمد بسبب التناقضات التي ظهرت وسطه «يقصدون الاشتراكية». وبما أن العالم التابع لم يعط بعد بديلًا لهذا الوضع، فإنه يجد صعوبة لدحض فكرة أن الوضع الرأسمالي هو الأمثل ولا بديل له.

من هنا وضع الإنسان فرضية قبول الوضع كما هو، والتفكير في عالم بديل خيالي (اليوتوبيا). لكن هل الوضع سيبقى هكذا؟


الهجرة وتوليد الصراع العالمي

تكلمنا سابقًا عن إشكالية الهجرة وكيف تتزايد وتيرتها بتزايد عدد البشر، وتكلمنا عن تخوفات العالم الصناعي من تفاقم عدد السكان في العالم التابع، وتكلمنا عن البطالة التي تتفاقم والتي تُسبب الهجرة، وأنها ستتطور إلى بطالة اللاعودة، حيث سينقسم البطاليون إلى مثقفين ووحوش «الوحوش ليس كلمة قدحية في حق هؤلاء، وإنما هي صفة تدل على العقلية التدميرية التي سيتميزون بها».

هنا، سنتكلم كيف سيتحول الأمر إلى صراع واقعي بين العالم الصناعي والعالم التابع، وكيف يمكن أن يتجه بنا هذا الوضع إلى حرب عالمية ثالثة، تتحول فيها حكومة العالم من يد العالم الصناعي إلى يد الإنسانية، حيث لن يبقى هناك عالم صناعي ولا عالم تابع.

إن تفاقم ظاهرة الهجرة يجعل العالم الصناعي يتخوف من تغير ديموغرافي في مناطقه، لهذا يحاول الحد منها، ولكنها ليست مجرد ظاهرة عادية يسهل القضاء عليها، فهي ظاهرة تتعلق بغريزة الإنسان، أي إنها ظاهرة تتمحور حول جملة «أكون أو لا أكون».

وبما أن الهجرة ظاهرة قديمة، فإن هناك مهاجرين يقيمون كمواطنين عمال في العالم الصناعي، أي إنهم شتات العالم التابع، محافظين على ذاكرتهم القومية الأصلية، و كل محاولات الإدماج التي تقودها دول العالم الصناعي تكون فاشلة في الأخير.

سيلعب هؤلاء المهاجرون قوة ضغط لصالح العالم التابع، خاصة وأنهم اليد العاملة التي ما تزال تُعد عنصرًا «غريبًا» من طرف مواطني العالم الصناعي. وهذا يزيد من تعميق هويتهم انطلاقًا من علاقة الأنا والآخر «وهذا موضوع آخر»، مما يتولد عنه إحساس بمصير مشترك، سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي.

كلما زادت الهجرة تفاقمُا، زادت استراتيجية الحد منها عنفًا، «أي استعمال العنف في حق المهاجرين سواء من طرف الدول التي تحكم العالم التابع أو الدول التي تحكم العالم الصناعي».

– وعي
البطاليين خلال بطالة اللا عودة

عندما نصل إلى بطالة اللا عودة، ويُصبح البطاليون أمام خيارين إما الموت في بلده الفقير أو الهجرة نحو العالم الصناعي، سيصير من الضروري الوعي بقضية الوجود، أي إن هؤلاء البطاليين سيشعرون بأن وجودهم يكاد ينهار تحت الوضع الرأسمالي، وكلما زاد عدد هؤلاء، زاد وعيهم، و ترابطهم حول القضية التي تربطهم، وهي إيجاد حل لوضعهم، وسيتحولون من مجرد بطاليين متفرقين، تُفرق بينهم الأجساد والمسافات، إلى طبقة واعية بهدفها، وبأهمية تغيير الوضع القائم، ليس على مستوى الأوطان وإنما على المستوى العالمي، بعد أن يتأكدوا بأن وضعهم لن يُحل إلا عالميًا، وهنا سيكون البطاليون المثقفون هم القيادة النظرية، في حين سيكون البطاليون الوحوش هم القوة التي سيرتكز عليها التطبيق.

وقد تكلمنا بأن الوضع في العالم التابع، لن يتغير حتى ولو حدثت ثورة على السلطة القائمة. لأن الوضع في هذا العالم محكوم بالوضع في العالم الصناعي الذي يُعد مركز النظام الذي يحكم العالم ككل، إذن مهما تغيرت السلطة فإن الوضع في العالم التابع سيبقى كما هو.

إذن سيُنَظّر المثقفون البطاليون، على أن الحل يكمن في الهجرة التي تتزايد وثيرتها، وهنا سيطرأ تغير على هذه الظاهرة، إذ ستتحول من مجرد ظاهرة إلى ثقافة يجب أن يتبناه كل شخص في العالم التابع. وأنها ثقافة لها مبرراتها الوجودية.

كما ستصبح الهجرة حقًا إنسانيًا لا يجب أن يقف أحد في طريقها، بأي مبرر كان. لكن العالم الصناعي لن يقبل بهذا، وسيراه تعديًا على حدوده، وأن هذا أصبح تهديدًا منظمًا عالميًّا. إذن سنجد أنفسنا أمام صراع واقعي بين العالم التابع والعالم الصناعي.

عندما يحتدم الصراع حول مسألة الهجرة بين هذين العالمين، سينضاف إلى جانب المثقفين البطاليين، المثقفون الثوريون في العالم التابع، وأيضًا المثقفون الموضوعيون في العالم الصناعي، وسيصبح أمر الهجرة إشكالًا إنسانيًا وجوديًا لم يتوقعه أحد.

وبالتأكيد، ستلعب العولمة دورًا مهمًا في هذا الأمر، إذ إن وسائل التواصل، ستُسهل من عملية الاتصال بين بطاليي العالم التابع، كما ستُساعد على زيادة الوعي، عالميًا بأهمية تغيير الوضع العالمي القائم، عن طريق مساندة الهجرة.

وكلما حاولت دول في العالم التابع أن تُخرس هؤلاء بضغط من دول العالم الصناعي، زاد الأمر تعقيدًا، ليتحول الأمر من مجرد إشكال بين عالمين، إلى إشكال يهم الجميع، داخليًا وخارجيًا، وهنا ستجد السلطة داخل العالم التابع نفسها، أمام ثورات في كل مكان، وسيجدون أنفسهم أمام اختيارين: إما التسليم الانتحاري للوضع الجديد الذي يحمله هؤلاء البطاليون في أذهانهم «أي تسليم السلطة لهم لتخدم مشروع الصراع»، وإما انتظار فوضى الانتقام «إذ ستحدث فوضى اجتماعية يقودها الروح الانتقامية من السلطة التي ستتحول في الأخير إلى يد هؤلاء المثقفين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك