صراحة لا أخفي سعادتي البالغة بتأهل مصر إلى نهائيات كأس العالم بعد غياب يتجاوز عمري بأربع أعوام كاملة. وإلى جانب السعادة فقد أثار فيّ هذا الفوز شجونًا وذكرياتٍ كثيرة. يكفي أننا سنتخلص أخيرًا من قيود الهدف التاريخ لمجدي عبد الغني، إلا لو لا قدر الله لم يتمكن المنتخب من تسجيل أي هدف خلال البطولة القادمة، يمكنك تخيّل المشهد الدرامي الذي سيحدث.

لكن بعيدًا عن المشاعر والعواطف الجياشة، ومشاعر الولاء والانتماء والحب الذي لا يمكن النزاع حولها في مثل هذه الأحداث، أثار هذا الموضوع بداخلي فكرة لم تبرح دائرة تفكيري أو بالأحرى دائرة الـ overthinking خاصتي في الفترة الماضية، تجسدت أكثر عند سماعي عن المكافأة المالية التي قد خُصصت لكل لاعب.

صناعة الترفيه

الرياضة في زمننا هذا لم تعُد مجرد لعبة، ولكنها تحولّت إلى صناعة تقدر بالمليارات، صناعة قد تغيّر من اقتصاديات دول، وصناعة تشهد صفقات بملايين الدولارات، بعضها كفيل بانتشال ملايين البشر من تحت وطأة الفقر. قد تجادلني بأننا لسنا في جمعية خيرية لحقوق الإنسان كي نتكلم بهذه اللهجة، أنت مُحق بكل تأكيد، لأنه لا يوجد إنسان كي نبحث له عن حقوق من الأساس.

الرياضة مثلها مثل الفن بأنواعه كالسينما قد تحولت إلى صناعة بدلًا من كونها هواية، تقام بالأساس لا لإسعاد الإنسان ولكن لامتصاص الأموال من جيبه، ولمّا كانت السعادة والترفيه وسيلة فعّالة للوصول إلى هذا الهدف تحولت الرياضة والفنون إلى صناعة، ولكنها صناعة جذابة ترتدي سترة جذّابة تدّعي نشر السعادة في العالم!

أسواق الرقيق بصورتها الجديدة

انتقل اللاعب س إلى الفريق ص بمبلغ X مليون دولار… ألا يُذكرك هذا المشهد بصورة أسواق العبيد التي كنا نراها في الأفلام القديمة حيث يتقاتل التجار على شراء البارعين منهم؟ وكلما ارتفع قدر العبد ارتفعت قيمته، وبالتالي زادت المنافسة عليه، وفي النهاية سينتقل بكل تأكيد للسيّد الأقوى صاحب النفوذ الأعلى والمال الأكثر. فعبُد في قريش خيرٌ من عبدٍ في اليمن!

هذا المشهد يتكرر ولكن بصورة مختلفة، فاللاعب تتقاتل عليه الأندية المختلفة، ويتم المنافسة والتفاوض حتى تستقر الصفقة في الكفة الأرجح، وبعدها ينادى اللاعب باسم ناديه كما ينادى العبد باسم سيده، ويُملي النادي على اللاعب شروطه المختلفة، شروطًا تعنى أحيانًا تحكمًا كاملًا في حياة اللاعبين بما فيها حرية ممارسة الجنس على سبيل المثال لا الحصر!

ولكن هل هذا الأمر صار مقتصرًا على لاعبي الكرة فقط؟

بع لي نفسك!

مؤكد أنك قد سمعت هذه الجملة في إحدى مقابلات العمل التي خُضتها، أو في إحدى دورات التأهيل ونصائح مقابلات العمل المختلفة خصوصًا في مجالات التسويق والدعاية.

الحديث عن قيمتك السوقية وعن ميزتك التنافسية كإنسان وأنها هي التي ستحدد إن كانت الشركات ستتقاتل من أجل الظفر بك موظفًا عندها، أم سترجع خائبًا تجر أذيال الندم لأنك لم تستطع أن تقنعهم بكز. كسلعة.

قال لي أحدهم ذات مرة بلهجة فيها كثير من التفاخر أننا في هذا الزمان عند سعينا نحو سوق العمل نكون مثل السلع، وعلينا أن نسعى جاهدين إلى تسويق أنفسنا، وإقناع أصحاب العمل بتعييننا، وإلّا سرت علينا قوانين السوق، وطُردنا خارج ساحة المنافسة، فالسوق لا يوجد بها إلّا قانونًا واحدًا: البقاء للأقوى!

ما هي علامتك التجارية؟

بالتأكيد أيضًا قد قرأت الكثير عما يسمى Personal Branding والتي هي باختصار أن تُحوّل نفسك إلى علامة تجارية مميزة، علامة تجعلك تقفز إلى أذهان الناس عند تذكر مساحة تميزك، فهذا قد صنع لنفسه علامة تجارية كأفضل بائع في العالم، والآخر قد جعل من نفسه المتحدث الأعلى أجرًا في مصر. الشيء الوحيد الذي ينقصنا هو أن نضع شعارًا أو علامة مميزة كالتي توضع على المنتجات، أظنّك الآن قد قفز إلى ذهنك بعض الأشخاص قد فعلوا هذا بالفعل!

هل حقًا نمتلك الحرية في هذا الزمان، أم صِرنا عبيدًا لنظام كبير اسمه نظام السوق؟

قد تُهاجمني بسبب هذه الكلمات، وقد تصفني بالمتحجر أو المتزمّت أو الرجعي، وعلى أحسن الأحوال إن اقتنعت ببعض كلامي ستسألني ما العمل؟ أظن أن إجابتي على هذا السؤال ستجدها مدونّة في هذا المقال، ولكن حتى لا تُصدم بعد قراءته فاختصارًا، إجابتى هي: لا أعلم!

ولكن يا صديقي لسنا بحاجة دومًا إلى الإجابات بقدر حاجتنا إلى الأسئلة، فالتساؤل هو ما يميز كون كل منّا إنسانًا، التساؤل هو ما يجعلنا نصل إلى الحقيقة، حتى لو صاحب الوصول لهذه الحقيقة بعض الألم والمعاناة.

والحقيقة التي علينا البحث عنها ومحاولة إدراكها الآن هي معنى أن تكونَ إنسانًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد