تحقق الحلم، وصلنا كأس العالم.

قد يتساءل بعضنا: تُرى ما هو أكثر شيء يمكن أن يجعل الإنسان هادئ الأعصاب كثيرًا في أكثر الأوقات صعوبة؟ بل ما الذى يجعله يتحكم بأعصابه، بالرغم من قسوة المواقف التى يمر بها فتصير صلبه كالفولاذ؟ لم أكن أدري أنني قد أرى بشرًا يمتلك هذه السمة، ولكني رأيت هذا بأم عيني، ورآه معى الملايين من البشر.

تُرى ماذا كان يدور بباله وقتها، فيما كان يفكر في تلك الثوانى المعدودة، حقًا حالة تستحق التأمل لأنها أصبحت (معجزة بشرية) نحتاج من علماء النفس تفسيرها، خاصة في تلك اللحظة التي وقف فيها ينظر أمامه في صمود، ليتوقف الزمن من حوله، وبنظرة ثاقبة يتقدم (محمد صلاح) للأمام غير عابئ بنظرات الآلاف، بل الملايين المتجهة نحوه ليكمل تقدمه ويسدد تلك الضربة.

حلم كبير جدًا حد السماء، كان يداعب طفولتنا وطفولة من هم أكبر سنًا منا، الذين لم يشهدوا تأهل مصر للمونديال، بما في ذلك اللاعبون أيضًا، فأغلبهم لم يكونوا قد وُلدوا وقتها حينما تأهلت مصر لمونديال 90 بإيطاليا، باستثناء أسطورة الكرة المصرية (عصام الحضرى) الذي كان في عمر الـ17 عامًا وقتها، ولم يشهده سوى في عامه الـ44، سنين طويلة مرت ليتحقق الحلم في يوم العبور الثانى (عبور 8 أكتوبر)، وتصل مصر للمونديال، كلمة جديدة علينا لم نعتد وقعها على مسامعنا حتى الآن، تحققت تلك الفرحة المنتظرة، وبأقدام (محمد صلاح)، الشاب الذهبى فخر مصر وفرحتها، ليحقق بهذا الهدف انتصار انتظره الملايين لسنوات، فيصنع معها مجدًا جديدًا لنا ولنفسه أيضًا، ونصعد أخيرًا إلى مونديال كأس العالم بروسيا 2018.

فرحة غامرة ملأت الدنيا يعجز اللسان عن وصفها، وربما تعجز الكلمات أيضًا عن وصف تلك المشاعر التى مررنا بها طوال الـ90 دقيقة من المباراة وربما أكثر، فرحة لا نكاد نصدق معها أنها أصبحت حقيقة وواقعًا ملموسًا نراه أمامنا، ليخرج الجميع إلى شوارع مصر يغنون ويرقصون فرحة بهذا النصر الكبير، فدائمًا ما كانت كرة القدم هي الشيء الوحيد الذي يُسعد قلوب المصريين، ويُذكرهم بحبهم لبلادهم؛ فيتغنون باسمها ولها، وهذا ليس بغريب عن تاريخ المنتخب المصرى الكبير بإنجازاته بداية من جيل 90 مرورًا بجيل (المعلم) حسن شحاته أو (الجيل الذهبى)، وهذا الجيل (جيل المونديال) والذي يضم لاعبين مميزين بحق بفضل احترافهم بأكبر الدوريات الأوروبية، الأمر الذي أكسبهم العديد من الخبرات والثقة بالنفس، والتي تُرجمت على ملعب استاد برج العرب، وأعادت مجد تلك الأيام وفرحة هذه الانتصارات.

كلمة لها مذاق خاص، أصبحت حقيقة ووضعت مصر في مصاف الكبار في الكرة العالمية، وتغرس بها علمها على أرض روسيا، ليسافر المنتخب كما أعلن الاتحاد الروسى لكرة القدم على صفحاته على السوشيال ميديا بأنه يرغب برؤية المنتخب المصري بالبطولة، وذلك بعد خسارته لقب أمم إفريقيا بالمباراة النهائية أمام الكاميرون.

لم تكن مهارة (صلاح) وحدها وتماسكه بمثابة تأشيرة الوصول للمونديال، بل إن هذا الفريق الذى أعاد رسم البسمة على وجوه الملايين، جميعهم يستحقون الشكر والثناء من كل المصريين، بل العرب أيضًا، والذين فرحوا لفرحنا.

لم يكن الأمر سهلًا علينا طوال وقت المباراة، خاصة ومع الدقائق الأخيرة التي رسمت سيناريو سينمائيًا لنهاية لم تكن متوقعة أبدًا، لتأتى الأجواء بعدها غير اعتيادية بالمدرجات من احتفال وغناء، في مشهد أعاد إلى ذهني ما جاء بأحداث فيلم (العالمي) للفنان يوسف الشريف، والذى تم إنتاجه في عام 2009، وجسد فيه الشريف دور (مالك)، الشاب الذي واجه الكثير في حياته حتى استطاع تحقيق حلمه وحلم الملايين من المصريين، وهو الوصول التاريخي للمونديال.

لم يكن الأمر ليكون بهذه السلاسة، لولا نتيجة مباراة غانا وأوغندا في التصفيات، والتي إنتهت بالتعادل السلبى بينهم، لتزيد معها آمال وطموحات المنتخب المصرى بزيادة فرص التأهل بعد انتصاره فقط في مباراته مع الكونغو.

مع بداية المباراة، الجميع كان في حالة جمعت بين قلق وتوتر، وبين أمل وتفاؤل حذر بما هو قادم، مشاعر متخبطة لدقائق المباراة التى تمر بسرعة السلحفاة، منتخب الكونغو الذى تذيل المجموعة بعدد نقاطه نراه يهاجم ويحاول التقدم لنصف ملعب المنتخب المصرى، بل يقدم مستوى لعب جيد جدًا على غير المعتاد، ويحاول معه منتخبنا أيضًا إثبات وجوده، لكن دون جدوى من الفريقين، البعض في تلك اللحظات يقدم اقتراحاته في تشكيلة المنتخب اليوم، أو ربما مستوى أداء بعض اللاعبين، ويطالب باستبدالهم بآخرين، والبعض يتعجب مستوى لعب منتخب الكونغو، والذى قرر أن يلعب مباراة تاريخية مع منتخب مصر في وقت ليس بالمناسب بالنسبة لنا على الإطلاق، لينتهى معه شوط المباراة الأول بالتعادل السلبى، ويبدأ معه مسلسل الرعب الحقيقي طوال 45 دقيقة كاملة تفصلنا عن تلك اللحظة التي لا يفعل فيها المصريون أى شيء سوى الدعاء فقط.

ينزل اللاعبون إلى أرض الملعب، ويطلق الحكم صافرته إيذانًا ببدء الشوط الثانى، والكل معلق آماله بقدرات هذا المنتخب وبصمود (عصام الحضرى) أمام هجمات الكونغو المتكررة، وبأحلام (محمد صلاح) الأيقونة التي ألقينا على كاهلها كل آمالنا وإيماننا بهذا الوصول وبهذا اليوم، فالأمر ليس فقط مباراة كرة قدم، بل إنها لحظة نشعر فيها جميعًا بفخر وعزة للنفس نحن في أشد الشوق والاحتياج إليها، تلك اللعبة التى تجمعنا جميعًا على كلمة واحدة، وهى  السبب  الذي يدرك معه المصريون أنهم بحق يحبون مصر.

دقائق قليلة، يحرز معها (صلاح) هدف مصر الأول في مرمى الكونغو، لتهب معه الجماهير فرحة تهز أرجاء الملعب بأكمله، وتبدأ بعدها بحساب الوقت المتبقي على نهاية المباراة، ولكن الأمر لن يكون بهذه السهولة، فتلك اللحظات التي نشهدها هي لحظات تاريخية بكل المقاييس.

ومع اقتراب الدقائق الأخيرة من المباراة، بدأ الجميع يستعد لنهاية سعيدة للمباراة وبداية الاحتفال والفرحة، ولكنها لم تدم طويلًا، لينزل علينا هدف التعادل للكونغو كالصاعقة، وفي لحظات قاتلة، لتشكل معها الدقائق الأخيرة المتبقية سطورًا جديدة يكتبها لاعب استثنائي استطاع أن يحمل كل ما تربى عليه ورآه في حياته معه ويعطيه فقط لتلك اللحظات. سقوط على الأرض في لحظة يأس وإحباط، ليحوله إلى صمود كبير كصمود الجبال، ينهض متحسرًا على ما حدث، ثم ما يلبث أن يعود من جديد ليقوم بتشجيع نفسه، ومن ثم باقي زملائه والجمهور من بعده.

5 دقائق متبقية احتسبها الحكم الرابع كوقت بدل عن الضائع، وقت في عُرف كرة القدم كبير، يستطيع أن يفعل الكثير، ومع لاعبين كبار يكون إصرارهم أقوى وأكبر من أية هزيمة أو إنكسار، ليعود اللعب مرة أخرى على أرض الملعب في لحظات ترقب وأمل مكتوم يأبى الإعتراف بالنتيجة القائمة حاليًا، ومازالت الأعين متعلقة بآخر خيط فيه، خيط قد تكون نهايته الأجمل في لحظات حياتنا القادمة. صافرة الحكم في الدقيقة 93 يعلن فيها إحتسابه لضربة جزاء لصالح منتخب مصر.

ضجة كبيرة تشعر معها وكأن الارض من تحتك لم تعد في مكانها، ضجة لا تدرى معها ما الذى يحدث من حولك، هل حقًا أصبح الأمر قريبًا إلى هذه الدرجة؟ من لا يتابع المباراة من بدايتها قد يتداخل عليه الأمر، ويظن أن هذه الفرحة جاءت بسبب إحراز الهدف، ولكن هذه اللحظة ستأتي وكأنها عام كامل، لحظة هي للتاريخ، لن ينساها أحد، لحظة اجتمعت فيها نظرات الملايين من البشر على عين شاب يقف هناك ويحمل معه هذا الحلم الكبير، إنه ليس بالأمر الهين، ولكنه قادر على فعلها.

يرى أجيال تعاقبت ولم تصل، وأجيال باتت تحلم بهذا اليوم، وربما تكون قد مضت حياتها دون أن تراه، أطفال هم كالزهور، يرون أمامهم مَثَل وقدوة لطالما تمنوا الاقتداء بها، ليكونوا ربما مثله في يوم ما، رجال قد بلغوا من العمر ما بلغوا، ينتظرون ولو فرحة صغيرة لعلها تهون عليهم أيامهم القادمة.

كل هذا يحمله هذا الشاب ذو الـ25 عامًا على كتفيه، إنه يدرك أهمية تلك الركلة بالنسبة لكل هؤلاء الموجودين والمترقبين، ولكنه لم يتردد للحظة في أن يكمل ما بدأه، ويتقدم للأمام غير عابئ بأي شيء في هذه الحياة يمسك بكرته، متحدثًا إليها، يتمنى ألا تخذله كعادتها، ويكمل تقدمه ويسدد، ويحرز معه هدف الفوز، ليصعد منتخبنا أخيرًا إلى كأس العالم وبعد إنتظار طويل.

لم يكن غريبًا أن نرى تكريم الرئيس السيسى لأبطال المنتخب مع تكريم أبطال حرب أكتوبر البواسل في عيد النصر، كان مشهدًا رائعًا أن ترى أبطال الأمس وأبطال اليوم في عبورهم الثاني يوم الثامن من أكتوبر 2017، كان مشهد يجمع بين الوفاء لما حققه أباؤنا فيما مضى ونصرهم الخالد العظيم الذي ما زلنا نفخر به حتى الآن بعد كل هذه السنوات، وبين الأمل فيما هو قادم من شباب مصر الذين أسعدوا الملايين ليناموا على فرحة لن ينسوها طوال حياتهم، فرحة لا مثيل لها على الإطلاق.

كانت مداعبة لطيفة من الرئيس السيسي لـ(عصام الحضري) أسطورة حراسة المرمى في مصر، و(محمد صلاح) الذي شكره (السيسي) بشكل خاص؛ لأنه أظهر معدن الرجال الحقيقي في وقت الأزمات والصعاب، من خلال موقفه الذي أظهره في المباراة وبعد صاعقة التعادل مع الكونغو، والذى يُدَرس في التمسك بالحلم وعدم اليأس والإيمان لآخر لحظة بالوصول.

لم تكن مجرد كلمات، بل كانت رسالة لكل شاب سعى ليحقق حلمه مهما كان الطريق أمامه طويل، ومع فرحتنا التي لاتزال في غمرتها، مازلنا ننتظر ذلك اليوم الذي سيُرفع فيه العلم المصري ويُنشد السلام الوطنى لجمهورية مصر العربية في أكبر محفل كروي دولي في تاريخ.

ألف مبروك يا مصر.. دمتِ دائمًا منتصرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كأس العالم
عرض التعليقات
تحميل المزيد