القارة العجوز.. البدايات والنهايات

يقول كوفي عنان الأمين العام السابق لهيئة الأمم المتحدة: «في الواقع إن الجدل المناهض لمفهوم العولمة كالجدل حول قوانين الجاذبية»، والمدرك للجدل حول تعريف الجاذبية يمكنه تصور ما يفكر فيه عنان، فالنتيجة ثابتة لكن البرهنة عليها يختلف حولها فريق نيوتن وفريق أينشتاين، وهناك قسم ثالث ينكرها تمامًا ويضع مفهومًا مختلفًا تمامًا يحكم سقوط الأشياء، وكذلك هي العولمة فهي أمر واقع لكن نظرة المختصين لها مختلفة من حيث البواعث والنتائج والتبعات.

مرت التجمعات البشرية بعدة مراحل قبل وصولها لوضعها السياسي اليوم، حياة المشاع، فالقبيلة، فالشعب… وصولًا للنظم السياسية الحديثة التي اتخذت فيها هذه التجمعات شكل دول ليس بالضرورة أن تكون لأفرادها عناصر هوية مشتركة باستثناء الوطنية المكتسبة، ثم دعت نفس الحاجة الأولى التي دفعت الإنسان الأول للتكتل مع غيره بعد أن وعى منطقية «العمل المشترك» لحماية مصالحه الخاصة هذه الدول للتكتل أكثر على شكل منظمات إقليمية وعالمية، ويعد الاتحاد الأوروبي من أنجح التكتلات الإقليمية الدولية، ومما ساعد الدول الأوروبية على إنجاح تكتلهم هذا – إلى حد ما – كما ستكشف الأزمات فيما بعد ما يزعزع هذا الحكم إذا ما أصدر على إطلاقه هو حلف شمال الأطلسي (النيتو) الذي يشكل ركيزة تاريخية للتعاون الأوروبي منذ تأسيسه في 1949 فكانت بدايات الاتحاد الأوروبي قوية لأن جناحها العسكري (النيتو) سابق لها وبوجود هذه القوة كان التأسيس أقل عسرًا خاصة بعد تفكيك الجمهوريات السوفيتية وإضعافها على يد هذه القوة ذاتها.

الاتحاد السوفيتي ليس عدو أوروبا الوحيد لكنه الأقرب فنال حظه من المؤامرات الأوروبية وبالفعل نجحت القارة العجوز في تقويضه إلى حد كبير كقوة جارة تشكل خطرًا محتملًا، فانتزعت منه ألمانيا الشرقية وفككت يوغوسلافيا ثم تشيكسلوفاكيا، وقبلهما أوكرانيا، ناهيك عن الدول الشرق أوروبية الأخرى التي تغيرت أنظمة حكمها لتتخلى عن الاشتراكية الأممية لصالح النموذج الليبرالي الذي تتبناه أوروبا الغربية، ليس العدو الوحيد لأن آسيا أيضًا تشكل قوة مقارعة عسكريًا واقتصاديًا، وأمريكا اليوم بقيادة ترامب لم تعد أمريكا الحليفة المستأمنة، مما يطرح عدة تحديات خارجية تواجه أوروبا اقتصاديًا وعسكريًا، بل وجوديًا إذا ما اجتمعت مع التحديات الداخلية التي يبرزها التململ الأوروبي من مسألة الوحدة التي تراها الشعوب الأحسن معيشة والأفضل اقتصادًا عبئًا عليها، ولعل المثال الأبرز هو إنجلترا التي كانت منذ التأسيس عضوًا متميزًا بفرضها شروطًا خاصة وتحفظات عديدة خاصة في مسألتي العملة والحدود.

التململ هذا ليس آخر المشاكل التي تواجه هذا التكتل فمشاكل أوروبا كعلبة داخل علبة داخل علبة، كلما حللت إحداها برزت الأخرى للعيان، حتى وصل الأمر اليوم إلى بروز عدة مشاكل وتحديات على مستويات مختلفة في الوقت ذاته، فكما تطالب بعض الشعوب حكوماتها بالانسحاب من الاتحاد، تطالب بعض المقاطعات أيضًا بالانسحاب من دولها الفيدرالية، وعلى غرار المثال الأبرز اليوم وهو كتالونيا يجد أمثلة أخرى في طريقها لخوض تجربة الانفصال كبفاريا والباسك وصقلية والفلامندي والتيرول وغيرها، فهل هذه نهاية التحديات؟

يعرف الأطباء وكثير من غير الأطباء أن الإنسان إذا تجاوز المائة عام من عمره فقد تعود أسنانه للنمو ثانية وقد تستعيد غدده الحياة حتى إن هناك من تخرج له قرون في رأسه، وربما لم يكن يعلم من أطلق تسمية «القارة العجوز» على أوروبا ذلك، لكنه قد وضع لنا وصفًا دقيقًا لها، فأوروبا تشكل القارة الأقوى والأقدم من حيث التطور المدني الإنساني في العصر الحديث، إذ لو شبهت الحضارة بالطائرة لكانت آخر محطاتها اليوم هي أوروبا ومنها تنطلق رحلاتها للمستقبلين الجدد، فمنها انطلقت التكنولوجيا الحديثة والفتوحات الجغرافية ومنها هاجر الناس ليستوطنوا العالم الجديد ويعمروه بغض النظر عن نتائج ذلك، ومن المحتمل أن تكون أوروبا هي بداية النهاية لهذا العصر من السطوة والتكنولوجيا.

تحديات الوجود والفناء

من الأكيد أن الاستقرار السياسي والطفرة المالية عنصران مهمان في تطور المدنية الحديثة ولكن الأصعب من هذه المكتسبات هو الحفاظ عليها وهذا مرهون بالإرادة السياسية المرتبطة بدورها بمصالح رعاة المال في العالم، ولكن لسوء حظ المنظمات الإقليمية اليوم خاصة بعدما سمي بـ«الربيع العربي» أصبحت الشعوب تميل إلى الاستقلالية السياسية والعودة إلى «الوطنية» التقليدية حيث يرى الناس اليوم أنهم كلما كانوا مكتنفين على أنفسهم كانوا أكثر أمنًا وحماية بعد أن جربوا الانفتاح على الآخر الذي لم يزدهم إلا عبئًا على أعبائهم، ولم يكف هذا بل زادت حدة الأصوات المطالبة بالانفصال الإقليمي كما يحدث اليوم في مسألتي الأكراد والكتالونيين، وحتمًا إذا نجحت هاتان الدعوتان فلن تكونا الأخيرتين، وسيشهد العالم تفككًا لم يشهده منذ قرون، وربما يوافقني المؤمنون بنظرية المؤامرة أن ما زرعه الغرب في أفريقيا والشرق الأوسط وشرق آسيا من دعم للحركات الانفصالية والثورات التخريبية يجني ثماره اليوم على أراضيه فالعالم الذي أرادوا له أن يكون «قرية صغيرة» لا يتحمل أن تدق المسامير في جدرانه دون أن تهتز لها بقية الأرجاء.

إن نجاح قضايا الانفصال في العالم يورث تبعات حتمية على المنفصل والمنفصل عنه، وتبعات إقليمية أيضًا، لكن هذه التبعات تختلف شدتها لعدة أسباب لكن ليست هذه مناسبة مناقشتها كلها، إذ تهدف هذه الورقة المقتضبة لإثارة التبعات الكبرى التي ستؤثر على شكل العالم كله، وعلى رأسها التبعات الأمنية التي ستهز العالم وتحوله إلى ركام في حال صح هذا الاحتمال، وبكل وضوح إذا انتقلت عدوى الانفصال إلى الدول النووية الغربية الكبرى (الولايات المتحدة الأمريكية – بريطانيا – فرنسا) فالتداعيات ستكون كارثية، ففي أمريكا هناك خمس ولايات لا تنفك تطالب بالاستقلال وهي ألاسكا، كاليفورنيا، تكساس، كارولينا الجنوبية، وفيرمونت، وفي بريطانيا ما زال الإسكتلانديون يطالبون بالانفصال التام عن التاج البريطاني، وكورسيكا وموناكو في فرنسا أيضًا يسعون للانفصال، والسؤال الذي يطرح نفسه؛ ماذا لو انتقلت العدوى إلى بقية الأقاليم والإثنيات في هذه الدول؟

إذا تفككنا فسنفكك العالم!

القوى النووية الغربية الثلاث، أمريكا، بريطانيا، وفرنسا ستكون أكثر الدول خوفًا من عدوى الانفصاليين فتفكك هذه الدول سيطرح إشكاليات عظمى على المستويات الأمني والعسكري والاقتصادي، إذ ستصبح مكتسباتها الوطنية في هذه المجالات الثلاثة عرضة للمطالبات والمنازعات من قبل الأقاليم التي قد تنجح في الانفصال عنها، وحتمًا ستعمل هذه الدول بكل ما أوتيت من وسائل على استباق هذه الخطوات واضعة في الحسبان خطر توزيع القدرات النووية والعسكرية على الورثة الجدد مستذكرة بذلك ما حدث للاتحاد السوفيتي والهند بعد الحرب الباردة، وكوريا بعد الانقسام، إذ أصبحت باكستان (المحسوبة على الهند) وكوريا الشمالية (التي هي في الأصل جزء من الكوريتين) دولًا نووية مارقة، ويشاع أن باكستان وبعض الدول السوفيتية السابقة امتلكت النووي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عن طريق تفكك منظومته النووية وشيوعها بين الأقاليم التابعة له سابقًا بفعل وجود معاملها في تلك المناطق أصلًا أو بفعل الضباط الفارين بعد السقوط الذين باعوا التكنولوجيا النووية وبعض الأجهزة لتلك الدول سعيًا وراء المال أو انتقامًا من غورباتشوف الذي لم يكن قراره بحل الاتحاد يرضي جميع من في السلطة والجيش.

قد ينجح الغرب في كفكفة أصوات الانفصال بسبب تلك المخاوف، لكن ماذا لو لم ينجح؟ وهو احتمال وارد فبين النجاح والفشل تتساوى النسب عند أخصائيي علم الإحصاء والاحتمالات، في هذه الحالة لن تملك تلك الدول إلا تفعيل «الخطة ب» وهي المسارعة إلى تفكيك الدول النووية الأخرى وإنهاء قدراتها النووية قبل أن تتفكك هي بدورها، والسعي أيضًا إلى إضعاف الاقتصاديات الكبرى في آسيا، وهذه مهمة صعبة المنال كما أنها قد تجر على العالم خرابًا كبيرًا إذ لا يتوقع أن تسقط الصين أو كوريا أو اليابان بسهولة، ومن جهة أخرى لن تقف روسيا متفرجة وستحاول استغلال هذا الصراع لتقوية حلفائها والإجهاز على القوى الليبرالية الغربية.

قد يبدو هذا التصور مبالغًا فيه لكن إذا دققنا في احتماليته على المستوى البعيد فسنجده النتيجة الحتمية لأحداث اليوم، فهو بالفعل ليس واقع الحال اليوم ولا في الغد القريب لكنه الأقرب لما ستؤول إليه الأحداث في المستقبل البعيد إذا تواصلت الإرهاصات بهذه الصورة الحالية، وإذا تحقق ذلك فسيعاد تشكيل الخارطة السياسية والاقتصادية وحتى الحضارية للعالم من جديد وسيطول الأمر حتى تستقر الأوضاع وتتشكل تكتلات أخرى، وسيكون لهذا آثار أيضًا على «المتفرجين» في أفريقيا والشرق الأوسط ومعظم أمريكا اللاتينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد