كنت أشاهد مراسل الشؤون الأمنية في بي بي سي يحذر المشاهدين من مغبة تنزيل نسخة من “دابق” المنشور الدعائي لجماعة داعش، قائلا إن الاحتفاظ بنسخة منه على جهاز إلكتروني يعرض صاحبه للاعتقال بموجب قانون الإرهاب، في الوقت نفسه كانت صحيفة “ذا إندبندنت” البريطانية الشهيرة تقدم خدمة سديدة لكل من جماعة داعش وأيضا القارئ الذي كان يريد مطالعة نسخة من المنشور دون المغامرة بمخالفة القانون!

شرحت “ذا اندبندنت” أهم ما جاء في “دابق” ونشرت صورة للصفحة الأولى من المطبوعة، وشرحت مغزاها وأوضحت ما ادخرته للصفحة الأخيرة، وكررت الصحيفة احتفاء الجماعة بأعضائها منفذي هجمات باريس وكررت ما زعمته داعش من أن القنبلة التي أسقطت الطائرة الروسية فوق سيناء كانت مخبأة داخل علبة مياه غازية.

وصورة علبة “الشويبس” كانت في هذا اليوم أسرع الصور انتشارا، فبمجرد أن نشرتها داعش سارعت كل وسائل الإعلام إلى تناقلها، والغريب أن معظم وسائل الإعلام العالمية انزلقت إلى تكرار دعاية داعش دون أن تتناولها بالتفنيد أو النقد أو حتى الدعوة للتفكير.

وكالة رويترز العالمية تطوعت بمساعدة داعش وبدأت تروج إلى أن هذه العلبة قادرة على إسقاط الطائرة إذا ما ملئت بالمتفجرات ووضعت في المكان الصحيح! ونقلت الوكالة عن بعض الخبراء اقتراحاتهم لمكان زرع القنبلة وكأنهم يقدمون درسا مجانيا للجماعات الإرهابية! وحللت الوكالة عناصر الصورة رغم بساطتها حتى تخيلت أن علبة الشويبس والسلك المرفق في الصورة من أسلحة الدمار الشامل!

الصورة نشرتها صحيفة نيويوك تايمز الأمريكية في سياق موضوع ربما يندرج تحت فئة الترويج لداعش. احتوى الموضوع أيضا على غلاف دابق واقتبس فقرات من المجلة وكرر العبارات التي استخدمتها لتمجيد هجمات باريس وأهدافها.

شاهدت تغطية قناة الجزيرة العربية للخبر في نشرة الحصاد وعندما استضافت خبيرا روسيا توقعت أن تسأله المذيعة عن مدى قبوله رواية داعش فإذا بها تقدم معلومات داعش كأنها حقائق لا تقبل التشكيك، بل وتطلب من الخبير أن يقدم تخمينات عن الثغرة الأمنية التي ربما استخدمها المنفذون في مطار شرم الشيخ.

هذه بالطبع لم تكن كل التغطية التي قدمتها وسائل الإعلام المذكورة، وربما تكون اتبعت هذه الموضوعات بتغطية أخرى موسعة مثل صحيفة نيويورك تايمز التي نشرت لاحقا موضوعا تحت عنوان “كيف يمكن لعلبة مياه غازية أن تسقط طائرة ؟” أشارت فيه إلى عدم ذكرت وجود وجود دليل على أن هذه العلبة استخدمت بالفعل لتفجير الطائرة، وأن ما ذكرته داعش ربما يهدف إلى إبهار أنصارها، وجذب أعضاء جدد. ونقلت الصحيفة عن خبير ما يؤكد ذلك، وهذا ما كنت أتمنى أن تنتبه إليه وسائل الإعلام العالمية في التعامل مع الخبر.

فماذا لو كانت داعش نشرت صورة للقنبلة المزعومة في صورة زجاجة فودكا أو تمثال فرعوني؟ أعتقد أن الإعلام كان سينقل الصورة مصدقا ما جاء فيها كما تعامل مع زجاجة الشويبس. وأنا هنا لا أدعو إلى استبعاد ما نشرته داعش، فالخبراء يرون أن علبة المياه الغازية قادرة بالفعل على تفجير الطائرة في سيناريو مشابه لحادث تفجير الطائرة فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية عام 1988 فالتحقيقات خلصت حينها إلى أن المتفجرات كانت في حجم كف اليد، وتم إخفاؤها في جهاز تسجيل وعندما انفجرت القنبلة أحدثت ثقبا في جسم الطائرة نجم عنه اختلال الضغط فتحطمت الطائرة.

ولكن في الوقت نفسه، أميل إلى التعامل مع منشورات داعش بحذر، فمعظم وسائل الإعلام العالمية ساعدت على توصيل دعاية الجماعة إلى الملايين في أنحاء العالم وربما أثارت في قلوبهم الرعب، وجعلتهم يشعرون أن داعش مؤسسة خطيرة تتلاعب بالشرطة المصرية وتخدع الأمن الفرنسي، وتوجه ضربة موجعة لروسيا، وكل ذلك في غضون أيام معدودة. الرسالة التي نقلها الإعلام العالمي عن دابق أيضا توضح أن الإرهابيين استخدموا مجرد علبة مياه غازية لإزهاق أرواح 224 بريئا، ويحمل ذلك استخفافا بالدولة المصرية وإهانة للضحايا وألما لذويهم. لا أستبعد أيضا أن تكون داعش أرادت من هذه الصورة والمعلومات تضليل فرق التحقيق.

ولا أغفل المشكلة التي عشناها بوصفنا صحفيين عندما تلقينا الصورة، فإذا تجاهلنا داعش وانتظرنا روايات رسمية لتلقينا المزيد من البيانات المضحكة، ولا مجال للهزل في مقام الجد، فهناك المسؤول المصري الذي جزم بأن عطلا فنيا سبب الحادث، بينما كان التحقيق لم يبدأ بعد، وعندما أعلنت روسيا أن قنبلة أسقطت الطائة كانت وزارة الطيران تقول إنها في انتظار خطاب رسمي من موسكو (ربما يشترط أن يوقع عليه موظفان عموميان!) وهناك المسؤولون الذين يقسمون بأغلظ الأيمان أن حركة السياحة مستقرة، ويبرهنون على ذلك بتدفق الطائرات على شرم الشيخ، بينما يعلم القاصي والداني أن الطائرة ما جاءت إلا لتجلي الرعايا الخائفين!

أما الجانب الروسي فهو يركز على التهديد والوعيد ونسمع كلاما عن حرمة إزهاق أرواح الأبرياء من السيد بوتين رغم أن يديه ملطختان بدماء السوريين.

أما تصريحات داعش فهي عادة معززة بالأدلة والمواد الإعلامية عالية المستوى، وبالتالي أصبح لداعش مصداقية إعلامية تتفوق على بعض الحكومات، ولكن ربما كانت داعش تبني مصداقيتها الإعلامية منذ ظهورها لكي تبدأ -آجلا أو عاجلا- استغلال ذلك لتضليلنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد