لطالما أرقتني فكرة الموت والفناء بعد البقاء والعدم بعد الوجود، هذا الموت الذي أصبح عاديًا عند الكثير وسلم به على أنه أمر حتمي مصيري على الجميع.

نعم إنه مصيرنا الحتمي لا محالة، ولكن هل غاية الكلمة الرضا به من غير تدبر لمعناها؟

كانت إحدى محطات التغيير الحاسمة في حياتي والتي أقضت مضجعي لسنوات طوال هي فكرة الخروج من هذا الجسد التكويني المحسوس إلى جسد أثيري لم أسمع عن كنه إلا في الأساطير، قبل أن ألجأ إلى أقوال الشرع الإسلامي الحكيم في معرفة ماهية هذا العالم العجيب الذي أخذ بلب كل عاقل وحجمه عن غفلات وملذات كثيرة كانت لتودي بحياته.

لا عجب كيف غيرت فكرة الموت مسالك ودروب الكثيرين ممن عرفوا حقيقته وحقيقة هذه العوالم الخفية، فهذا العالم اللامرئي جاء في الإسلام تحت مسميات كثيرة عالم الغيب وعالم الآخرة وعالم البرزخ، وهذا الأخير هو البرزخ الحاجز بين الحياة الدنيا والدار الآخرة، والتي يحياها من مات إلى أن تقوم الساعة وتنشر الأجساد والأرواح من القبور إلى الحشر والحساب، ثم نهاية إلى جنة أو نار نعوذ بالله من النار.

فكرة الموت كانت سببًا في تغيير مساري من حياة ملؤها الغفلات إلى حياة اليقظه وتبدل الرؤيا نحو أمور كثيرة، والتي يستمد كل ما فيها من شرعنا الحكيم وكانت إحدى المقولات التي شدت انتباهي قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وإذا انتبهوا ندموا ولن ينفع الندم بعد العدم». وبالرغم من الاختلاف بين قائل بصحة هذه المقولة بنسبتها لعلي رضي الله عنه أو كونها حديثًا كان لوقع هذه الكلمات من القوة بمكان ما جعلني أعيد ترتيب أولوياتي وحساباتي مع خالقي في هذه الحياة، ويبقى لهذه الكلمات من الأثر على النفس ومن المعاني الكثيرة والعميقة ما لا يكفي الكثير من المجلدات للحديث عنها.

عالم الغيب في الشريعة الإسلامية ذكر في عدة آيات وأحاديث نبوية ودونت الكثير من القصص والروايات لنخبة من العلماء كل تحدث فيها عن هذه الحياة المجهولة والتي باتت مبحثًا مهمًا لدى الكثيرين إلى يومنا هذا.

تحدث كتاب الروح للعلامة إبن القيم الجوزية رحمه الله عن الكثير من القصص وكرامات الصالحين بعد الموت وعن ماهية هذا الجسد الأثيري بشيء من التفصيل والذي لا يخرج عن حدود الشرع غير مخالط لخرافة أو بدعة

فلعلي أذكر فيما يلي قطرات من عبرات هذا الكتاب الرائع.

يقول الكاتب: «الروح يعرف بالشواهد والقرائن، أما ما يقال في صفات، أو نعوت للروح، فما هو إلا رجم بالغيب لا يغني عن الحق شيئًا».

قال تعالى: «ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا».

وفي جزء ثان يقول رحمه الله: «وحكم بالموت على كل ذي روح من مخلوقاته وساوى فيه بين الملك، والمملوك، والغني، والفقير، والشريف، والضعيف، والعاصي، والمطيع، من سكان أرضه وسماواته».

ربما يثقل علينا ذكر الموت ولكنه حقيقة حتمية على كل حي وإنه ما من نفس إلا ستتذوق وتتجرع من كأسه قال تعالى: «كل نفس ذائقة الموت» فمن لزوم الواجبات على كل عاقل أن يعد الزاد ليوم السفر وأن يتزود بالعلم عن مكان الإقامة كما هو الحال في رحلات الحياة الدنيا.

روي أن عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه – أنه كان يحلق الفقهاء في كل ليلة حتى يتذاكروا الموت والآخرة، ثم يبكون من شدة وقع الموت في قلوبهم.

حرص الإسلام على ذكر لحظات الاحتضار مفصلة وبدقة متناهية لم تترك أثرًا للشك في القلوب فقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تكون لحظات الاحتضار وما يحدث لمن يعالجها من أول طلوع الروح إلى الحساب في الآخرة.

وكيف تعامل الإسلام مع جسد الميت بشكل من الخصوصية والاحترام لما له من حرمة كما كان في حال حياته، ومن أجمل ما تميزت به الشريعة الإسلامية هو بساطة الشعائر الجنائزية حيث أنهت حياة المسلم بغسل وماء وكفن بسيط، ثم بصلاة لا ركوع فيها ولا سجود، وآخرًا دعاء ودفن بسيط بلا بهرجة ولا مغالاة.

الموت هذا العالم الذي كثر اللغط فيه فمنهم من وصفه بالعالم الميتافيزيقي والميتافيزيقا تعتبر في علم أرسطو المفكر السياسي اليوناني من علوم ما وراء الطبيعة وهذه الدلالة بحد ذاتها تفصح عن سوء الفهم لحقيقة كنه الموت، حيث أن أرسطو لم يكن مؤمنًا بوجود الغيبيات المحققة في الشرع الإسلامي فكان يقول إن الله يتجسد في الطبيعة كتجسد النفس في الجسد، وأقر العلماء والمختصون من المسلمين أن هذا المفهوم يتناقض مع صورة الله المنزه عن كل نقص وعيب، وكان ممن أنكروا وجود عالم آخر غير العالم المادي، وأقر بعدم وجود للعالم المثالي، وهو صاحب نظرية العلل الأربع.

فمهما ترقى هذا العقل الإنساني في الفهم يبقى ذا محدودية في فهم وإدراك خفايا الأمور ومتعلقاتها من استيعاب الوجود الغيبي المطلق عن حدود الزمان والمكان.

مصطلح الميتافيزيقا بحد ذاته عقديًا لا يعد مرفوضًا، إذا ما فسر على أساس أن ما يدركه الإنسان ليس هو مايقتصر عليه من الوجود الاستخلافي في الأرض، بل هو إيمان أوسع من ذلك يمتد إلى اليقين بوجود عالم غير الذي نراه بأم أعيننا، وهذا هو أحد أسس مقتضيات الإيمان في الإسلام.

فالإيمان بالغيب يعد جزء مهم لا يتجزأ من عقيدة المسلم والتي هي أساس نجاته في الآخرة، فليس كل ما حجب عن العقل ليس بصائر به إلى الحقيقة، بل الحقيقة واقعة في عالم الغيب، ولكن حجبت عنه أبصارنا لمحدودية العقل الإنساني في هذه الحياة.

فمن عالج الموت وسكرته تكشفت له الحقائق ورأى من عالم الغيب ما لم ولن يتصوره بشر قال تعالى في سورة ق: «وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد» إلى قوله تعالى: «فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد».

فحدة البصر هي سمة من سمات الإعداد لاستقبال العالم اللامرئي وهي من رحمة الله الخفية على محدودية أذهاننا في هذه الحياة فسبحان الله العظيم.

كانت الأمم الغابرة تتهيأ للموت بطقوس غريبة ابتكروها اعتقادًا منهم بتكريم الميت وإعداده لحياة أخرى فمنهم من اعتقد بإعادة التجسيد مثل الهندوسية والإغريق والفراعنة وهو ما يعرف في الإنجليزية Reincarnation، وهي ما عرفت عند أهل العلوم الدينية بنظرية الحلول، فعند موت شخص ما يظن الفرد منهم بأن روح هذا الميت ستحل في جسد شخص آخر، أو أنها ستحل في شجرة، أو حيوان، أو طير، كل على حسب ما كان منه في حياته السابقة وأن حياته ستظل تدور في إيطار حلقة منذ الولادة ثم الحياة فالموت، وتبدأ سلسلة جديدة من حياة أخرى، وبظروف أخرى، وزمن آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية.

مما جاء في كتب الأساطير اليونانية عن تجسد الآلهه في جسد بشري وهبوطها إلى الأرض اعتقادًا منهم بوجود نسب بين الآلهه وبين البشر يعني استحالة الموت لهذه المخلوقات المؤلهة، بل إن إعادة التجسيد والظهور مرة أخرى هو بمثابة التكريم لهذه الأرواح وهو ما عرف بالتقمص أو تناسخ الأرواحّ.

إسلاميًا تعد نظرية الحلول والتجسد أو التقمص من الأمور المنكرة عقلًا وشرعًا وما ترمي له يتنافى مع الحكمة الإلهية لخلق الكون والبشرية.

يقول الجرجاني رحمه الله:

«أما الحلول فهو عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفًا للآخر كحلول الماء في الكوز فهو امتزاج الشيئين، واختلاطهما حتى يصيرا شيئًا واحدًا ويعد هذا المعتقد شرعا من أعظم الكفر والإلحاد».

انتقالًا لعقيدة الموت ومعناه عند الفراعنة فقد لاقت فكرة الموت تقديسًا واهتمامًا كبيرًا عند الحضارة المصرية القديمة، وخصوصًا فيما يتعلق بالبعث وحياة الخلود في عالم الآخرة، فنجد أن المتبحر في أحوال مصر القديمة والحضارة الفرعونية يجد بعضًا من التشابه بين ما ورد ذكره في كتاب الله وبين ما ذكرعند الفراعنة عن عقيدة الموت، ويظهر أن المصريين القدامي قبيل عصر التوحيد كانوا يهابون الحياة بعد الموت أكثر من هيبة الموت نفسه فكان جل تركيزهم في الكثير من الرسومات الهيروغليفية على عالم الخلود كأصل للحياة الحقيقة، وكل ذلك السعي كان بهدف الوصول لهذه الحياة المجهولة بسلام.

ولعبت عقيدة الثواب والعقاب دورًا كبيرًا في نفوسهم آن ذاك، واعتبرت مبدأً رئيسًا لإمكانية دخول جنة «الأيارو»، كما عرفت الروح عند الفراعنة القدماء برمز الطائر المحلق فوق فم الميت، ناهيك عن إيمانهم بعقيدة البعث والتي تعتبر امتدادًا لحياة أخرى يتمتع فيها المتوفى بعد الموت اعتقادًا منهم بإمكانية بعثه والخلود الأبدي.

وانطلاقًا من هذا المعتقد قام الفراعنة بحفظ الجثث بما عرف بالتحنيط فكانوا يحتفظون بالجثث في درجات حرارة معينة للمحافظة على الجسد المتوفى وأهمها القلب.

وكل ذلك تهيئة للعرض في محكمة موتى محاسبًا من قبل جمع من الآلهة، إله الموت، وإله الحكمة، والقاضي الفصل، وفي النهاية يقدم المتوفى اعترافًا لتبرير أفعاله السيئة والتي فعلها على الأرض.

تعددت الأقوال في الحديث عن الموت وتعددت مفاهيمه بين حقيقة واقعة مستمدة من الإسلام وبين خرافة متناقلة، ولكن يبقى الموت بهيبته قاهرًا للخلائق بقدرة الله وحكمته، فسبحان الذي قهر عباده وخلائقه بالموت إثباتًا لعظمته وجلاله.

اللهم اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم.

أما ما كان صوابًا فمن الله، وما كان عن خطأ وسهو فمن نفسي ومن الشيطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد