حظرت مدينة ووهان الصينية-مركز بؤرة تفشي الفيروس التاجي المميتة- تجارة الحيوانات الحية في أسواق المواد الغذائية، بعد أن تم ربط موقع واحد بانتشار المرض. قالت هيئة الإذاعة البريطانية نقلًا عن تقارير إعلامية حكومية؛ إن الشرطة في وسط الصين تجري عمليات تفتيش؛ للتأكد من تطبيق القاعدة من قبل سكان المدينة البالغ عددهم حوالي 11 مليون نسمة.

وتأتي هذه الخطوة بعد إغلاق سوق هوانان للمأكولات البحرية في ووهان في الأول من يناير (كانون الثاني)، بعد أن كان يعتقد أنه نقطة البداية لتفشي كوفيد-19، المعروف أيضًا باسم فيروس ووهان.
قبل إغلاقها، كان السوق يبيع مجموعةً من الحيوانات غير العادية للأغذية، بما في ذلك الذئاب الصغيرة والقطط الزبادية؛ التي يعتقد الخبراء أنها يمكن أن تلعب دورًا في انتشار المرض.

على الرغم من نفور العديد من الغربيين، إلا أن الحياة البرية هي عنصر أساسي في النظام الغذائي الصيني والطب الصيني، مع بعض التقاليد التي يعود تاريخها إلى قرونٍ مضت. إن الجهود المبذولة لحظر تجارة الحياة البرية في الصين ستدفع فقط الاتجار في الأسواق الرمادية أو السوداء، تاركةً التهديد الفيروسي سليمًا.

«من المدهش أن بلدًا جيدًا في السيطرة، لم يكن قادرًا على القيام بعملٍ أفضل في هذا الأمر» أخبر أورفيل شيل من جمعية آسيا للصحفيين: أنه «على الرغم من سيطرة الصين المشددة؛ فهناك أجزاء من هيكلها المجتمعي تتسم باللامركزية للغاية، وإنه لمن الصعب للغاية أن نتحكم في ما يجري في الأسواق».

يعتقد الباحثون أن الفيروس التاجي ومرض كوفيد 19؛ الذي يسببه، نشأ في سوق ضخمة في ووهان بالصين، حيث باع البائعون الحياة البرية الحية والمذبوحة إلى جانب اللحوم المصنعة، والمأكولات البحرية، والمنتجات وأنواعًا أخرى من الطعام.

تم اكتشاف الفيروس شديد العدوى؛ والذي انتقل على الأرجح من الخفافيش إلى البشر في ووهان، في أواخر العام الماضي، في ثلاثة ملايين شخص في عشرات البلدان، وربما هناك ملايين الحالات الإضافية التي لم يتم اكتشافها، ومن المحتمل أيضًا أن الفيروس المرتبط بانتشار السارس في عام 2003م، جاء من سوق للحيوانات في الصين. قد يكون فيروس نقص المناعة البشرية، والإيبولا والفيروسات الأخرى تأتي من أسواق الحيوانات في أماكن أخرى من العالم.

وقد ضغط المسؤولون الأمريكيون والأوروبيون على الصين لإغلاق الأسواق؛ يقول الدكتور أنتوني فوسي؛ كبير خبراء الأمراض المعدية في حكومة الولايات المتحدة، في 3 أبريل (نيسان): «إن ذلك يحير ذهني عندما يكون لدينا كثير من الأمراض؛ التي تنبثق من تلك الواجهة غير العادية بين الإنسان والحيوان، حتى إننا لا نكتفي بإغلاقها».

وقد حظرت الحكومة المركزية الصينية بعض التجارة في الحيوانات البرية في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، ولقد قامت بعض المقاطعات التي لديها حكومات إقليمية قوية بفرض حظرٍ أكثر صرامة.

ومع ذلك؛ من المرجح أن تستمر تجارة الحيوانات البرية في الصين بطريقةٍ أو بأخرى، بسبب الطلب القوي على تلك المنتجات؛ تمامًا كما يولد الطلب على الهيروين أو المواد الأفيونية أعمالًا قوية هنا في الولايات المتحدة، على الرغم من أنها غير قانونية.

كان استهلاك الحياة البرية في الصين ضرورةً بعد أن تولى الحزب الشيوعي السلطة في عام 1949م، وأصبحت المجاعة روتينية. شجعت الإصلاحات المزارعين الريفيين على توليد الأنواع البرية مثل الجرذان والخفافيش والقطط لتضخيم الإمدادات الغذائية،، وأصبحت أسواق الحيوانات الحية الآن تمثل قطاعًا اقتصاديًا مهمًا، مع وجود أموال على المحك، وسياسيين يحمون تلك المصالح، أحيانًا بشكل قانوني، وأحيانًا للحصول على رشاوى، وخارج المدن الكبرى مثل بكين وشانغهاى وقوانغدونغ؛ فإن المسئولين الإقليميين الذين يبحثون عن المصالح المحلية، كثيرًا ما يتمتعون بسلطةٍ أكبر من سلطات الحكومة المركزية .

يعد الطب الصيني التقليدي عاملًا ضخمًا آخر، لأنه يعتمد على مئات المكونات التي تأتي من الحياة البرية؛ مثل قشور البنغولين، والدببة الصفراء، وبراز الخفافيش، وقرون وحيد القرن؛ على الرغم من أنه ليس فعالًا بالضرورة، إلا أن علاجات الطب الصيني التقليدي شائعةً، وصناعة 73 مليار دولار قوية سياسيًا؛ «إن صناعة المستحضرات الصيدلانية الصينية تشكل مصدرًا كبيرًا لتوليد فرص العمل والدخل»؛ يقول فباب براون من مؤسسة بروكنجز «والحكومة مترددة لمسها»، حتى إن الصين أقنعت منظمة الصحة العالمية بإدراج العلاج الصيني التقليدي في دليلها العالمي للأمراض والعلاجات، مما يضفي جوًّا من الشرعية على الممارسات التي كانت تعتمد منذ مئات أو آلاف السنين على ذبح الحياة البرية، ولا تنطبق الحدود الجديدة التي وضعتها الصين على تجارة الحيوانات البرية في وقت سابق من هذا العام على الطب الصيني التقليدي.

فالعديد من البلدان إلى جانب الصين، تسمح أو تتسامح مع تهريب الأحياء البرية، بما في ذلك فيتنام وإندونيسيا وتايلاند والفلبين، وبعض البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية؛ لذلك حتى لو تمكنت الصين من كبح تجارة الحياة البرية؛ فإنها ستزدهر في مكان آخر، وربما تنمو مع توجه الطلب الصيني إلى الخارج.

وبعد تفشي مرض سارس عام 2003م، فرضت الصين إجراءاتٍ صارمةً على أجزاء من تجارة الحيوانات؛ التي من المحتمل أن تكون مسئولة عن المرض؛ لكن الحملة لم تستمر، وعادت معظم تجارة الحيوانات إلى طبيعتها في أقل من عام. الفيروس التاجي أشد بكثير، إذ يصل عدد القتلى حتى الآن إلى أسوأ من 260 مرةً. لقد عانى اقتصاد الصين بقدر معاناة أي أحدٍ آخر، وهو ما يعني أنه من مصلحة الصين منع تفشي وباء فيروسي آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد