في ظل الأحداث المضطربة التي تحدث في الواقع الدولي لا بد أن هناك من مر على ذهنه هذا السؤال؛ هل من الممكن اندلاع حرب عالمية ثالثة في ظل تقلب أوضاع الواقع الدولي التي يشهدها العالم؟

في الحقيقة عندما نعود إلى الماضي المؤلم الذي شهده العالم في الحربين العالميتين والمعاناة التي عاشها المجتمع الدولي، نرى أن هناك أسبابًا مشتركة في اندلاع الحربين ومعرفة بعض من هذه الأسباب التي أدت إلى اندلاعها قد يساعدنا في مطابقة وكشف هل العوامل التي أدت لقيام الحربين تم معالجتها وتجاوزها في وقتنا الحاضر أم ما زالت موجودة، لمعرفة إمكانية واحتمالية قيام حرب عالمية ثالثة.

أولًا: أحد العوامل أو الأسباب التي تحدث عنها الكثير من منظري العلاقات الدولية وغيرهم لمحاولة فهم اندلاع الحرب ولتفادي حروب عالمية أخرى وهو (غياب السلطة العليا) التي تحكم الدول وتجبرها على أن لا تتعدى على الدول الأخرى واحترام حقوقها والتي تضمن المساواة بين الدول واحترام الاتفاقيات الدولية.

بعد الحرب العالمية الأولى أدرك العالم هذا السبب، لذلك تم إنشاء أول منظمة دولية وهي عصبة الأمم لكي تحقق الهدف المرجو منها، وهو أن تكون السلطة العليا التي تضمن حقوق الدول، ولكن أثبتت فشلها وذلك بسبب قيام الحرب العالمية الثانية والتي كانت للأسف خسائرها أعلى وأعظم بكثير من الأولى، أحد أسباب فشلها عدم قدرتها على أن تجعل الدول ملتزمة في قراراتها وغياب المستوى الفعلي لعملها، وبعد الحرب العالمية الثانية أدرك العالم مرة أخرى هذا الأمر وأن لابد من إنشاء منظمة دولية عالمية تضم جميع الدول لتحقيق ما فشلت به عصبة الأمم وتم إنشاء منظمة الأمم المتحدة.

لذلك يجب أن نطرح هذا السؤال؛ هل استطاعت الأمم المتحدة منع أو إجبار أي دولة من التعدي على حقوق الدول الأخرى أو أن تجعل الدول تلتزم في قراراتها؟ للأسف لم تنجح في لعب هذا الدور المهم وهذا ما يتضح لنا في عدم قدرتها على معالجة وحل الكثير من الأزمات الدولية التي حدثت والأزمات التي ما زال العالم لا يخلو منها، وبحسب بعض نظريات العلاقات الدولية (الطبيعة الفوضوية) التي تحكم العلاقات الدولية ما زالت موجودة.

ثانيًا: تعدد القوى العظمى فإن الحرب العالمية الأولى كان هناك أكثر من خمس قوى عظمى في العالم التي دخلت بشكل مباشر في الحرب بسبب النزاعات والصراعات بينها وكل دولة تريد أن تحقق مصالحها وأن تبقى وتضمن لنفسها بقاءها ومكانة القوى العظمى، وهذا ما تكرر في الحرب العالمية الثانية فقد كان هناك تعدد في القوى العظمى والتي انقسمت بين دول التحالف ودول المحور.

وعند مطابقة هذا الأمر على اليوم نجد أن تعدد القوى موجود، صحيح ما زالت الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة والقطب الأوحد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، لكن ما نراه اليوم أن هناك عددًا من الدول الصاعدة في قوتها وهي قوى كما يطلق عليها دول غير راضية عن الوضع الراهن وتسعى لتغيره، نجد روسيا اليوم تبحث عن تعزيز وجودها في العالم ونشر نفوذها وقوتها في العالم، أيضًا هناك الصين فهي أحد أكبر الاقتصادات الدولية وأحد أعضاء النادي النووي وقوة عسكرية لا يستهان بها، وهناك كوريا الشمالية التي هي تحت قائد لا يمكن أن تتنبأ بتصرفاته خاصة بامتلاكه السلاح النووي، وغيرها من الدول التي تسعى في تعظيم قوتها والبعض منها كانت دولًا كبرى في السابق وتريد أن تعيد مكانتها في الماضي.

ثالثًا: سباق التسلح، فإن أحد أسباب قيام الحرب العالمية الأولى والثانية هو سباق التسلح إذ سارعت الدول في التعظيم من قوتها في هذا الجانب وعندما اندلعت شرارة تدفعها لدخول حرب كانت مستعدة أن تدخل في حرب لحماية مصالحها. اليوم نشهد جهودًا كبيرة من جانب الدول بشأن تطورها في القطاع العسكري، أيضًا هناك الكثير من الدول التي استطاعت أن تحصل على السلاح النووي الأمر الذي يردع أي دولة تريد أن تستخدم السلاح النووي ضدها بسبب إمكانية الضربة الثانية، لذلك يمكنها تفادي الضربة النووية لأنه لا يوجد دولة تريد أن تخسر بقاءها، لذلك قد لا تتردد في الدخول في حرب في حال رأت مصلحتها في ذلك.

من خلال التطرق لبعض الأسباب التي أدت لقيام الحربين العالميتين نجد أن بعضًا من هذه الأسباب ما زالت موجودة لذلك فإن الحرب العالمية الثالثة يمكن أن تحدث، وإن اندلاعها ليس مستحيلًا لأن العالم اليوم لم يصل إلى مرحلة القدرة على تجاوز الصراعات والأزمات والوصول إلى عالم يعمه السلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد