أتذكر تلك الليلة، حين أخبرتك أني خائف جدًا في حين لم أستطِع أن أبدو أمام الآخرين إلا متماسكًا، كانت مريعة ولكنك لم تكن مختلفًا عن كل الوجوه والكلمات، قذفتني ببعض العبارات التي سمعتها من الجميع قَبلك، في الوقت الذي كنت أشرح لك فيه شعوري الصادق كنت نسخةً عنهم.

الآن أعلم أنك لا تذكر شيئًا ولا تَعي ما أقول أو من المقصود، كل ما في الأمر أنها مضت ومضى صباح مريع آخر بعدها، ومضت الكثير من الأشياء معهم، للأسف.

هكذا نحمل الكثير على أكتافنا – ربما – بعض الأحمال القليلة لا ترفعها الأكتاف الضعيفة، وكلما كتبنا عن التفاصيل الصغيرة التي تبدو تافهة للبعض، ينهال على رأسنا أكوام من الشتائم وعبارات لا معنى لها، كأن يخبروني عن المجاعة في الصومال أو عن الحرب في سوريا أو عن جارتِنا التي مات طفلها، والأخرى الأرملة، أو يسردوا لنا رحلة كفاحهم ويقارنوها بطريقة عجيبة بمشاكلنا وهمومنا اليومية لنهبَهم صمتنا، أو لنتحجر.

وهبنا أقلامنا للأوطان والإنسان والحرية، عِشنا الأحداث البعيدة في العاطفة على أقل تقدير، وتجاهلنا حاجتنا لأقلامنا لما غصت الحناجر ولما دمعت الأعين، ولما ابتلينا بأنفسنا وأحبتنا، فلما التفتنا إلينا قيل «خائن، منافق، لم يكتب يوم انتصر الوطن»!

رغم أنا كتبنا في حزنه وتجرأنا على العلو بصوت الحق الذي أصبح نادرًا، الصوت الذي تخلت عنه الكثير من الحناجر التي حملت القرآن والدعوة.

أتذكر حينَ نظرت إليك وفي عيني قول أعلم جيدًا أنك تستطيع قراءته، كان حديثًا طويلًا ومقيتًا لكنه كان موجودًا، وتسترنا خلف ضحكةٍ كاذبة لا تستر لمعة الأعين المشاكسة حتى بلا ضوء الشمس، ليس مهمًا الآن المهم أن تلك العيون لم تعد ترى.

هذا العالم لا يعترف بقلبك الذي يحزن، حتى الذين ربتوا على كتِفك مرارًا كانوا في المِرار ذاتها يتحدثون عنك أمام آخرين، يخبرونهم أنك شخص ثقيل الظل وغير مقبل على الحياة وأنك تحولت من ذلك الشخص المرح إلى شخصٍ بتجاعيد كثيرة على ضحكته، كان بإمكاننا أن نفرح معًا، بعض الصدق يفي بالغرض، ولكنك لم تفعل.

على أية حال ما من شيء يستحق وقوفنا بخافِق، كان خيرًا لنا أن نقف بمضخة دم تؤدي عملها، سترى السعداء الذين يقفون بها، وسترى المقبلين على السعادة الذين ودعوا خوافقهم النابضة حبًا وخوفًا وجمالًا وكرهًا، وسترى التعساء الذين تمسكوا بها، سترى كل شيء ولكن إياكَ أن تعمى يا صديق فتجهل أي الطرق في هذا العالم الموحش أسلم.

إنا حين نكتب شيئًا كهذا أو حين نؤمن به نكون قد تجردنا من حاجتنا لمن حولنا نحملهم ويحملوننا في أفقٍ كنا نحسبه بر الأمان، نكون قد مددنا أيدينا للسماء للمرة الأولى نذكرنا بعدما ظننا أنه لا حاجة لذلك ما داموا حولنا، قال لي أحدهم يومًا ما: «إن هذا العالم لا يحتاج الطيبين أمثالك» قالها بعد أن أخبرته أني لا أكره أحدًا ولن أفعل ذلك في حياتي، وفتحنا أبواب قلوبنا من بعدها مرارًا ولكن الخارجين منها كانوا يتعمدون أن يغلقوا الأبواب خلفهم، كانوا مصممين على إثبات حماقتنا وصدق أحدهم لما قال ذلك.

أعلم تمامًا أن من بين الفقرات هذه شيئًا ناقصًا كان بإمكانه أن يربط الحديث غير المترابط في الأعلى، ولكنه لم يكتب ولا أريد أن أكتب ما يهذب النص فيجعله مستساغًا، بعض النصوص تحتاج عبثية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات