أحب أن أبدأ بالاعتذار للقارئ لسهوي عن إضافة كلمة هامة في أول عنوان المقال وهي كلمة «نظرية». هذا السهو المتعمد هو محاولة بائسة مني لجذب الجمهور المعنيّ هنا وهم عشاق نظرية المؤامرة. فأنا هنا لست بصدد كشف المؤامرات، التي يجاوز بعضها الخيال، ضد العرب، فالنظريات المنتشرة بالفعل في الوسط العربي كافية وتزيد، بل إن هدفي الرئيسي في هذا المقال هو الإجابة عن سؤال مهم وهو: لماذا؟ لماذا تجد مثل تلك النظريات السخيفة تربة خصبة لدى المتلقي العربي الذي يصدّق وينشر دون الإلتزام بأدنى قواعد التدقيق.

قبل الاستطراد، فلنعرّف مصطلح «نظرية المؤامرة»، الذي معناه حسب قاموس مريم-ويبستر هو: نظرية تفسر حدث أو مجموعة من الأحداث على أنها نتيجة مخطط سري يقوده مجموعة من المتآمرين في مراكز قوى، ولو كنت ممن ترعرعوا في الثقافة العربية مثلي، فهذا التعريف سيكون مألوفًا جدًا لك. الحقيقة أن نظرية المؤامرة كانت موجودة منذ الأبد، ولكن لنركّز على القرن الماضي والمؤامرات التي شكلت الوعي العربي الحديث. معظم تلك النظريات تمحورت حول الكيان الصهيوني ومخططاته وكان هذا لأسباب منطقية بالطبع نظرا للمساندة البريطانية للاحتلال الصهيوني، ثم جاء العدوان الثلاثي ليزيد نظرية المؤامرة قوة. لا شك أن تلك الأحداث مثلها مثل غيرها من الأحداث الكبرى تقودها مصالح دولية تنتهي دائمًا إلى الـ«مال»، وإذا توقف إدراك العرب عند هذا الحد لكانت المسألة واضحة جدًا بلاعبين واضحين بعيدًا عن جو المؤامرة السرية، ولكن النظرية امتدت لتشمل مؤامرات ضد القومية العربية ذاتها التي يهاب الغرب نهوضها لتصير قوة عظمى قادرة على تحدي هيمنته على العالم.

بتطور الحال وتغير الأحوال، انتقل تركيز نظرية المؤامرة من القومية العربية إلى الدين الإسلامي، فقد انهالت علينا شعارات تروج لفكرة «الحرب الغربية ضد الإسلام»، وهذه النقطة بالذات دالّة جدا على طبيعة بشرية أصيلة تبحث دائمًا عن مؤامرة تلومها على الصعوبات الحياتية بشكل عام، بغض النظر عن مضمون تلك المؤامرة. بمعنى آخر، المؤامرة نفسها أهم من مضمونها طالما المستهدف من المؤامرة هو «أنا»، سواء وطني «أنا» أو ديني «أنا». هي أيضًا دالة على أنه لا وجود للمؤامرة الأبدية، بل هي تتغير بتغير احتياج البشر والإرادة السياسية التي طالما استغلت المؤامرة لتعزيز موقفها وحشد الجماهير.

لكن تلك الطبيعة البشرية التي تحتاج المؤامرة ليست كافية في حد ذاتها ليتشرّبها الشخص، فكثيرون لا يسقطون فريسة نظرية المؤامرة ويحكّمون عقولهم التحليلية في الحكم على الأشياء، فما هو العامل إذًا الذي يميز الشخص المتأهب لقبول نظرية المؤامرة بأذرع مفتوحة، ولماذا هي بهذا الانتشار في العالم العربي؟

السبب

بدأت بحثي عن هذا العامل بعد انتشار وباء كوفيد-19 في العالم، والذي صاحبته نظريات مؤامرة لا حصر لها. فقد راعني ما رأيت من تقبل البعض خاصة العرب لأفكار لا تصلح إلا لكتب الخيال العلمي الجامحة مثل كيف تم تخليق الفيروس في المعامل وإطلاقه على الرعية للقضاء على ملايين البشر وتحجيم عددهم على الأرض، وكيف أن ارتداء القناع الواقي يسبب الاختناق وضعف المناعة والموت بغض النظر عن الأطباء والممرضين الذين يرتدونه كل يوم دون مشاكل، وكيف أن المتآمرين، الذين بينهم بيل جيتس بالتأكيد، سيجبرون البشر على أخذ لقاح الكوفيد الذي سيخدم عدة أهداف منها تعديل الشفرة الوراثية للبشر وإصابتهم بالسرطان، بل السيطرة على البشر عن بعد عن طريق تقنية الـ5G التي لا تخلو منها نظرية مؤامرة تحترم نفسها. كان من الممكن أن تكون كل تلك الخزعبلات مصدر تسلية طريفة لولا أنها غاية في الخطورة وتساهم في انتشار الفيروس نتيجة لعدم اتباع التعليمات الوقائية أو العلاجية؛ مما يؤدي بالتبعية إلى موت العديدين ممن يتبنون تلك الأفكار وغيرهم من المتضررين الأبرياء، أي أنها تحقق النتيجة التي تحذر منها! الكثيرون من العلماء والإعلاميين المحترمين كرّسوا من وقتهم الثمين جزءًا كبيرًا للرد على كل تلك الخرافات على أمل الحد من خطورتها وقد أوردت بعضها في المصادر.

لاحظت أثناء بحثي أن هناك مجموعة أخرى تؤمن بنفس تلك النظريات المنتشرة بين العرب، وهي مجموعة اليمين المسيحي الإنجيلي المتشدد في أمريكا. بالتدقيق أكثر وجدت أن معظم المجموعات التي تنشر نظريات المؤامرة بحماس تنتمي إلى اليمين الديني المتشدد. استوقفني هذا، فهي ليست مفاجأة أن دولنا العربية تميل إلى اليمين الديني عمومًا، والإسلامي تحديدًا، فهل هناك إذًا علاقة طردية ما بين من يعرّف نفسه على أنه متدين وبين استعداده لتبني نظرية المؤامرة؟ بحثت أكثر لأرى إن كان هناك أساس لهذا الاستنتاج وبالفعل وجدت عدة دراسات تطرقت لهذا الموضوع، إحداها دراسة نُشرت في المجلة البريطانية لعلم النفس الاجتماعي. خلصت تلك الدراسة إلى أننا نستطيع بالفعل التنبؤ باستعداد الشخص لتبني نظرية المؤامرة إذا كان هذا الشخص متدينًا لدرجة استخدام الدين لتعريف رؤيتهم للعالم وتحديد كل تصرفاتهم دون مناقشة. هذه الصفة التي هي متوفرة لدى اليمين الديني العربي والغربي على حد سواء. يمكن تقصي المنطق المطروح في الدراسة إذا فكرنا في نقاط الاختلاف بين المؤمن وغير المؤمن، فالمؤمن عادة ما يتضمن إيمانه أشياء غير ملموسة بالحواس كالإله، والملائكة، والجن، والجنة، والنار، وهو في معظم الأحوال يتلقى الحقائق الدينية عن طريق جهة أو شخص ما ألبسها المؤمن لباس الصدق المطلق ولا يشك فيها أبدًا، هذا بالإضافة إلى أن عالم المؤمن خالٍ من المصادفات، فكل شيء فيه يتم بتخطيط إلهي دقيق، كل هذا قد يساهم في استعداد المؤمن لتقبل نظرية المؤامرة بصدر أرحب من غير المؤمن الذي يشك حتى فيما تختبره حواسه ولا يرى خطة ما وراء حركة العالم وحتى إن وضع ثقته في جهة ما لسقاية المعلومات، فمن النادر أن تكون تلك الثقة مطلقة.

بالنسبة لي على الأقل، السبب المطروح أعلاه هو سبب منطقي جدًا لتلك العلاقة الطردية ولا أستطيع التغاضي عنه حتى لو لم أحبه، فأنا كمؤمن، لا أحب أن يوسمني أحد بأنني عرضة لتجنيب عقلي التحليلي بناء على تديّني. لكن هذا ليس معناه أن على المتدين الاستسلام لواقعه أو السقوط فريسة لكل نظرية مؤامرة تأتي طريقه، وهنا يأتي دور العلاج.

العلاج

كلمة السر لهذا العلاج هي «الشجاعة». الشجاعة على مواجهة الذات بأن ليس كل ما أعتقده هو مطلق الحق، بل يجب أن أضع معتقداتي تحت مقصلة الشك، وهذا ليس هدمًا للدين كما سيعلق البعض بالتأكيد، بل هو ترسيخ لهذا الدين وتثبيت. هذا لأن النتيجة الحتمية لهذه العملية هي أني سأخرج في النهاية بمعتقدات نقية من الشوائب والأفكار الفاسدة التي رسختها السنين. إذا استطعت فعل هذا عزيزي القارئ، فأعدك أنك لن تسقط أبدًا ضحية لنظرية مؤامرة سخيفة قد تحمل خطورة على حياتك.. هذا بالطبع إذا لم أكن أنا نفسي جزءًا من هذه المؤامرة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد