في عام 1964م، تحديدًا في تلك اللحظة الذي بدأ أحد الأطباء بتشريح جثة أحد النبلاء في عصره أمام تلاميذه في مدريد بأسبانيا لمعرفة سبب الوفاة، فوجئ الجميع عند فتح القفص الصدري للميت أن قلبه لا يزال ينبض!

فبحدود العقل وقتها هذا يعني أن هذا الإنسان لم يمت، وعند تلك اللحظة أجبر الطبيب علي ترك المهنة وسافر خارج أسبانيا، وهنا بدأ الشغف والبحث عن أسباب الوفاة وإعلان الموت الإكلينكي أو الوفاة الدماغية.

ثم بدأ المفهوم في الانتشار مع التجارب التي أجريت علي الدجاج، فبعد قطع رأسها وفصلها عن جسمها تظل الدجاجه تتحرك وقلبها ينبض وأرجلها تتحرك مما يؤكد علي أن الحياة في الجسم مستمرة رغم قطع الدماغ نهائيًا.

وهكذا عُرف مفهوم الموت الأكلينكي من الناحية العضوية، وهو المفهوم الذي يعكس موت الدماغ نهائيًا مع استمرار نبض القلب. ولكن متي ظهر هذا المفهوم من الناحية الاجتماعية الإنسانية، متي يتوقف عقل الإنسان عن العمل علي الرغم من أن قلبه ما زال ينبض! دعونا نبحث عن الإجابة معًا.

في هذا العالم القاتم اللون نسبيًا، الذى يعلوه الكثير من الاضطرابات الخارجية والداخلية، ولعل ما يحدث بداخل الإنسان الذي وكِّل لحمل الأمانه علي هذا الأرض أكثر اضطرابًا وأعلى صوتًا وإن لم يستمع إليه أحد. لا أعلم متي تحديدًا فُرضت علينا نمط هذه الحياة ومتى أصبحنا نعيش فيها متعايشين مع ما بها من هدر للروح والذات.

لا أعلم من وضع قواعد التعليم ومعايير النجاح في الحياة، لا أعلم من رسم الخطوط ووضع لكل أمر قدره الذي لايجب أن يحيد عنه. لا أعلم من وضع يديه علي أعيننا كي لا نبصر حقائق أمتنا، مشاكلها، من سلك بنا في طريق الوهم وأخبرنا أن الحياة تعليم فاسد يليه شغل كآله بلا معنى ولا روح ينتهي بأولاد وحياه أخرى نكررها، بل أشد قسوة مع تعليم أفسد وأبهظ في الثمن وأكثر استهلاكًا للعمر فيما لا يجدى كثيرًا؟

تذكر معى متى بدأت قصتك؟ متي بدأت عملية إيقاف عقلك بكامل إرادتك؟ هل أبصرت يومًا حقيقة نفسك أو حقيقة روحك؟ متي تستريح وتستكين؟ أو متي تحسن استغلال الفرصة التى منحك الله إياها للحياة؟

لماذا أخذوا بأيدينا من صغرنا ووضعونا داخل هذا الدائرة؟ فماهي الحياة؟ أجب لا تدع السؤال يمر دون إجابة.

فقد خلقك الله برسمك وسمتك وصفتك ونفخ فيه من روحه وكنت في مرحلة لاوعي بكل ما يحدث لك، لا تتذكر كيف أطعموك، كيف تعلمت الكلام والمشي؟ لم تكن تدرك وقتها أنك تتعلم المشي للدوران فى الحياه طبقًا للمواصفات التي وضعتها حدود مجتمعك داخل هذا البرواز لذا كان يجب عليك دومًا أن ترتدي ما يعجب الناس، ثم تدخل داخل البرواز، وتبتسم لتبدو الصورة “حلوة”. لعلنا وصلنا للإجابة: الصورة، نعم، هي بالفعل الصورة، بدت كما أردت لها ان تبدو أمام الناس، ولكنك ليس كما أردتُ أنت لنفسك، أو أراد الله لك أن تكون عليه.

ولعل أبرز الوسائل حاليًا للعيش كصورة للأشياء والحقائق هي مواقع التواصل الإجتماعي،ففي كتاب: العيش كصورة والذي يوضح لنا ببساطه كيف ساهم الفيس بوك في جعل حياتنا أكثر تعاسه طرح الكاتب العديد من الأفكار منها:

– الفايسبوك يحوّلنا إلى صورة جميلة تبتسم، وإلى ستاتوس ذكي لا يتعدّى 200 حرف، لكننا كبشر أكثر من ذلك بكثير. نحن قوس قزح من الرقص والفرح والحزن والغضب والإبداع والجنون والعشق والقتال والأسرار.

– اليوم لم يعد من الضرورى أن نقرأ وأن نكوّن آراء حقيقية تجاه القضايا المهمه وأن ننشط على أرض الواقع؛ لكى نوصف بأننا “ناشطون”، يكفى أن ننقر بضعة أزرار على الفايسبوك، لكى نبدو كأن كل هاجسنا فى الحياة هو إنقاذ العالم. على الفايسبوك، الجميع ناشط لكن قلة قليلة هى من تحارب فعليا على أرض الواقع.

– لا نعلم ما إذا كان الفيسبوك يساهم في تحويلنا إلى مصحّ كبير أم أننا كنا نعيش في مصحّ كبير في الأصل، والفايسبوك أخرج ذلك إلى العلن فحسب؟ في الحالتين، وضعنا كبشريّة في زمننا الحالي مثير للاهتمام”.

–    الفيسبوك هو اليوم مجرّد واحدة من الآلات الأكثر ضجيجاً في هذا العالم، آله تضيف ضجيج مئات الناس على مساحتنا الخاصة وتجبرنا على مقارنة حياتنا باستمرار مع الجميع لدرجة قد ننسى فيها أنفسنا وحياتنا الخاصة. لكل هذه الأسباب، هو بالفعل يجعل حياة الكثيرين منّا أكثر تعاسة.

وما الحل إذن؟

ميت هو ذاك الذي يصبح عبدا لعاداته، مكررا نفسه كل يوم. ذاك الذي لا يغيّر ماركة ملابسه ولا طريق ذهابه إلى العمل، ولا لون نظراته عند المغيب. ميت هو ذاك الذي يفضّل الأسود والأبيض والنقاط على الحروف بدلا من سرب غامض من الانفعالات الجارفة، تلك التي تجعل العينين تبرقان، وتحوّل التثاؤب ابتسامة، وتعلّم القلب الخفقان أمام جنون المشاعر.

ميت هو ذاك الذي لا يقلب الطاولة ولا يسمح لنفسه، ولو لمرة واحدة في حياته بالهرب من النصائح المنطقية. ذاك الذي لا يسافر ولا يقرأ ولا يصغي إلى الموسيقى، ذاك الذي لا يقبل مساعدة أحد ويمضي نهاراته متذمرا من سوء حظه أو من استمرار هطول المطر. ميت هو من يتخلى عن مشروع قبل أن يهم به، ميت من يخشى أن يطرح الأسئلة حول المواضيع التي يجهلها، ومن لا يجيب عندما يُسأل عن أمر يعرفه. ميت ٌ من يجتنب الشغف ولا يجازف باليقين في سبيل اللا يقين من أجل أن يطارد أحد أحلامه. هكذا قال الشاعر التشيلي بابلو نيرودا. إذن فلتحمل فأسك لتحطيم كل ما جمد في حياتك وفي قلبك وفي دماغك.

فالحل رحلة طويلة اخرى في داخلك في أعماقك، الحل إدراك للعالم من حولك، الحل قراءة تاريخ أمتك وفهم حاضرها، نعم الحل أن تقرأ، أن تعمل هذا الجزء من المخ، الذي إما مات موتا أنت معه إكلينكيًا، ولا تنس أن قلبك ما زال ينبض وأن عينيك ما زالت قادرة على أن تبصر إذا أرادت.

الحل أن تستطيع أن تنظر في المرآة لتري نفسك الحقيقة، تلاحظ هل هى سعيدة واعية هل هى كما أرادها الله.

هل هى في المكان الذي خلقه الله من أجلها؟ الرحلة طويلة، ولكن بمجرد خوضها ستولد بعدها من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد