آمال صغيرة خائبة مع بدايات عامي الثلاثين، ومزيد من القلق وانتظار مجيء الذين لن يأتوا أبدًا، يأس في هيئة انتظار، ونوافذ جديدة على القلق فتحت في روحي كوابيس، ليس لها علاقة بالوضع السياسي الراهن، ولا بأن مؤهلي الدراسي متوسط، ولا بأني من سكان مدينة الفيوم!

ثلاثون سنة، وستة وخمسون كيلو جرام، وألف من الكتب، أحملها على كاهلي، وأختزنها في رأسي، كما أختزن الهموم، أيام كثيرة من التدخين، وفشل متجدد في مواعدة الفتيات، أو مصاحبتهن إلى السينما في احتفالات أعياد الميلاد، ولا أعلم لماذا؟!

ولامبالاة أشبه باليقين، تراوح مكانها بفعل الملل، أو القلق، وزيارة مؤجلة لأبي، حتى الوصول لإجابة تكون مقنعة بالنسبة له عن؛ لماذا أدخن؟ مرت عشر سنوات ولم أصل للإجابة، وتوقفت عن البحث، هناك الكثير من الأشياء نفعلها يا أبي، وليس من الضروري أن نصل إلى يقين بخصوصها، يسري هذا الكلام على الكون كله، بقضاياه الكبيرة، وقضاياي التافهة، أنا مثلاً لن أتقاضى أجرًا على هذا المقال – وهذا شيء مؤسف بالطبع – لكن بكري والمسلماني وجميع أصدقائي يكتبون المقالات، ويتقاضون أجرًا، مجدي الجلاد تقاضى أجرًا عن مقال عنوانه “حيوان بكل لغات العالم”!

أنا لا أكتب كتابات تتسم بالعمق، والرصانة، لا أحدثكم عن الوسطية، والحداثة، وما بعد القوميات، ولن تسمع مني مصطلحات مثل البنيوية، والتفكيكية، ولا حتى حروب الجيل الرابع، لن أحدثك عن نظريات “ميشيل فوكو”، أو “آدم سميث”، ولا سيرة علي عزت بيجوفيتش، أو عبد الوهاب المسيري.

هناك دائمًا – كما تعلم أو لا تعلم- توجد سبع حقائق – على الأقل- لا تعرفها أنت، ولا أنا، عن كل الأشياء، فدعنا ننشد عالمًا أفضل، لا يوجد فيه أناس يخرجون ألسنتهم وهم ينطقون حرف الثاء!

“جات علي أنا يعني؟” أنا لا أريد أن أتقاضى ألفي دولار على المقال، مثلما يتقاضى كتاب المقالات في جريدة العربي الجديد، كما قال الرئيس السيسي! فقط أريد ثمن علبتي السجائر اللتين أدخنهما وأنا أكتب!

أنا لا أشعر بالاضطهاد، لكن الشحاذين، وسائقي “التاكسيات”، لا يعاملونني بالاحترام اللائق! دائمًا ما يصرخون في وجهي – لسبب لا اعرفه – ويتهمونني بأني أتعاطى “الترامادول”، ضباط الشرطة أيضًا يبدوا أنهم لا يرتاحون لرؤيتي، شيء ما يدفع أحدهم في كل مرة تتوقف فيها سيارة الأجرة في أحد الأكمنة، إلى إلقاء نظرة سريعة على الركاب، ثم تستقر عينه علي، ويقول: انزل. تربكني دائمًا رؤية ضباط البوليس، رغم أني لا أستنشق البودرة!

أنا إنسان مسالم، ومرهف الحس، عندما أجد فأرًا في غرفتي، أبذل كل المحاولات الممكنة لإرجاعه من حيث أتى، دون التعرض له بأيذاء، فإن بائت كل جهودي بالفشل أترك له طعامًا يكفيه مدة إقامته.

ناهيك عن أني قد أشكل تهديدًا على الأمن القومي. أجد نفسي طيلة الوقت مضطرًا لشرح معنى اسمي المركب الذي يشبه أسماء الإرهابيين.

أثناء الثورة وعندما كان يأتي المساء، ويخيم الظلام على الميدان، ويغمض العالم أعينه، كنت أترقب وسط القلق والخوف من أين سيأتي الهجوم؟ أتساءل وأنا أشاهد الحرائق المشتعلة ومشاهد الفوضى المقبضة للنفس، ماذا فعلنا حتى يحدث لنا هذا كله؟ ساعات الليل بطيئة لا تمر، والعالم نائم، رغم هذا لم تطاوعني نفسي على رشق إخوتي في الوطن من الفلول حتى لو كنا في ثورة، حتى لو كانوا عسكر بلباس أسود!

مع بلوغي سن الثلاثين يزداد قلقي من الموت، ليس لأني سأموت، فكلنا سنموت، لكن ما يقلقني هو هاجس له علاقة بأنني عندما أموت سيبقى أناس أعرفهم ويعرفونني على قيد الحياة، لفترة ليست بالقصيرة، سيستمرون في جلستهم على المقهى بدوني، وقد يتذكرون هذا المقال، ويتندرون به، ويضحكون، أحدهم على الأقل بعد انتهاء السهرة سيذهب ليمارس الجنس، وستستمر الحياة بدوني!

لا شك ستستمر، لا شك عزائي الوحيد أن من يراني للمرة الأولى يعتقد أني لم أتجاوز الرابعة والعشرين، بإمكاني إذن أن أخدع الموت وأحتال عليه في ست سنوات، أعيشها لأمارس ما فاتني من الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد