يقول الله تعالى في سورة البقرة: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» البقرة: 155 – 157.

قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله عز وجل إذا أَحب قومًا ابتلاهم فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع». أخرجه أحمد من طريق محمود بن لبيد.

وأخرج أحمد من طريق مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال: «الأنبياءُ ثـُـمَّ الصالحون ثمَّ الأمثلُ فالأمثلُ من الناس يُبتلى الرجلُ على حسب دِينه فإن كان في دينه صَلابـَـةٌ زِيدَ في بلائه وإن كان في دينه رِقَّـةٌ خُفِّفَ عنه وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة».

انتشرت المصائب والكوارث في عالمنا بطريقة كبيرة، والناظر حوله يرى الأحزان والهموم في كل مكان ولأكثر من سبب، وهناك نقص في الأموال والأنفس والثمرات، ونجد الصابر على الابتلاء المحتسب أجره عند الله ونرى الجزِغ الخائف المتذمر من كل أذى أو مصيبة مهما صغرت، فالأول عرف أجر الصبر وشعر بالراحة، بالرغم من الألم، والثاني خسر هذا الأجر، ولم يشعر بالراحة ولا الاطمئنان.

قال تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ». البقرة: 214.

إذًا وقفتنا اليوم هي بين الصبر والبلاء، ونقول والله المستعان: الصبر هو نصف الإيمان، وذلك لأن الإيمان نصفه صبر والنصف الآخر شكر، وهو واجب بإجماع الأئمة وقد ذُكِر الصبر في القرآن في 90 موضعًا في موطن المدح والثناء والأمر به، وهو أنواع: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله عز وجل، والصبر على امتحان الله عز وجل وعلى بلاء الدنيا والصبر على مشتهيات النفس والصبر على مشاق الدعوة إلى الله والصبر حين اليأس.

وإن الصبر هو حبس النفس عن الجزع والتسخط وحبس اللسان عن التشكي والشكوى لغير الله، وإن الصبر هو اعتراف العبد لله بما أصابه واحتسابه عن الله ورجاء ثوابه. وهو دليل الإيمان، والسعادة دائرة مع الصبر والمصابرة، والشقاوة دائرة مع السخط والتضجر.

والصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا من أحب. فمن أحبه ربه ابتلاه، وبقدر ما يشتد عليه البلاء، يزداد قربه من زمرة الصالحين من عباد الله، فلتفرح يا أخي واختي بذلك، فكلما ازداد إيمانك وصلاحك، زيد عليك في الابتلاء؛ فعن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاءً؟ قال: «الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل من الناس. يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقّة، خُفف عنه، فلا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ليست عليه خطيئة». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

أما الجزع فيقع في النقطة المقابلة للصبر، حيث لا تنضبط فيها النفس أمام الحوادث والمشاكل وتتملكها حالة اليأس من الخلاص، أو تمنع هذه الحالة من التحرّك والسعي نحو المقصود والهدف؛ مما يؤدي إلى الشقاء في الدنيا والآخرة.

فالصبر محمود العاقبة، وأما الجزع فليس كذلك، وهو يحطم عناصر القوّة والاستقامة في الإنسان، ولهذا فإنّ الّذي يعيش الجزع يوقع نفسه في التعب أكثر من الصابر، مثلًا عندما يفقد الإنسان عزيزًا له يمكن أن يصرخ ويلطم وجهه ويضرب رأسه بالجدار أو حتى ينعزل عن الناس أو ينتحر، ولكن أية واحدة من هذه السلوكيات لا تعيد له عزيزه، بل من شأنها أن تدمر دعائم الإيمان في قلبه وتحطم أركان سلامته البدنية والروحية، مضافًا إلى أنه سيتلف ثوابه الأُخروي. ويقول الإمام علي: «الْجَزَعُ لا يَدْفَعُ الْقَدَرَ وَلَكِنْ يُحْبِطُ الأجْرَ».

وإن المصدر الأساس للجزع وعدم الصبر هو الحرص وحبّ الدنيا، ولأجل أن يخفف الإنسان من شدّة الجزع عليه أن يخفف من حبّه للدنيا وتعلقه بزخارفها.

وإن الابتلاء للأنبياء والمرسلين وحملة هذا الدين سنة من السنن الإلهية في هذا الكون والمتتبع لتاريخهم سوف يجد أنه ما من نبي ولا رسول إلا وقد ابتلي أشد البلاء، وقوبلت دعوته بالصد والإعراض والتكذيب، وإن سيرة الرسول صلى الله عليه سلم هي النبراس الحقيقي في تحقيق هذا الخلق الكريم. قال تعالى: «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ»، ولا يستطيع أن يتخلق بالصبر ويتحلى به على الوجه الأكمل إلا من جمع بين الإيمان واليقين، الإيمان بالله وشرعه، واليقين بما وعد به عباده الصابرين، وإن هذه الدنيا بكل شهواتها وملذاتها لا تساوي جناح بعوضة عند رب العالمين.

والصبر ضرورة دينية وضرورة حياتية ولا يمكن أن ينتصر الدين ويتحقق الاستخلاف والنصر للمسلمين بدونه، ولا يمكن أن توجد سعادة في الدنيا والآخرة بغيره، والقائم به له الأجر والجزاء الحسن عند الله بغير حساب.

«وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ» وإن المجتمع المسلم هو الذي يعم فيه التناصح بالصبر والتواصي به، وإن الخسران لا يزول عن المجتمع البشري ما لم يكن من صفاتهم التواصي بالحق والتواصي بالصبر. «إلا الذين آمنوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر» فالحياة صراع بين الحق والباطل، والفائز في ذلك الصراع هو الأطول نفسًا والأكثر صبرًا وتحملًا.

وإن أمر المؤمن كله خير، فعليه أن يتحلى بالصبر في السراء والضراء، وأن يكون في السراء من الشاكرين، وفي الضراء من الصابرين، قال من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم: عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر؛ فكان خيرًا له. رواه مسلم.

وإن التخلق بالصبر وسيلة مهمة لنيل المغفرة والأجر العظيم، كما أنه هو الطريق إلى الجنة والفوز العظيم برحمة الله. قال تعالى: «أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا» «وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ»، إن طريق الدعوة إلى الله طريق شاق محفوف بالمكاره والأشواك والابتلاءات والأذى، ولا يمكن أن يثبت عليه ويستمر فيه، إلا الدعاة المخلصون الصابرين، الذين يدعون إلى الله على بصيرةٍ وهدى.

وبالنسبة إلى سبب احباط الأجر فلا بدّ من القول: إنّ الجزع وعدم الصبر علامة على عدم الرضا وعدم التسليم لقضاء الله وقدره، فهو في الواقع اعتراض على عدل الله وحكمته حتّى لو كان الجازع غافلًا عن هذا المطلب. ونقرأ في حديث آخر عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أنّه قال: «اِنْ تَحْتَسِبُواُ وَتَصْبِرُوا تُؤجَرُوا، وَاِنْ تَجْزَعُوا تَأْثِمُوا وَتُوزَرُوا». وفي حديث مختصر وعميق المعنى عن أميرالمؤمنين يقول: «مَنْ لَمْ يُنْجِهِ الصَّبْرُ اَهْلَكَهُ الْجَزَعُ».

أجل فإنّ الجزع يذهب بأجر العبد وثوابه عند الله تعالى من دون أن يحل له أية مشكلة، وكذلك يحطم أعصابه وقواه النفسية ويسلب منه سلامته البدنية والروحية، والأسوأ من ذلك أنه يصعب عليه حلّ المشكلة؛ لأن الإنسان إذا احتفظ بهدوء أعصابه عند بروز المشكلات والمصائب وصبر على الابتلاء فإنّ ذلك من شأنه أن يفتح أمام عقله أبواب الحلّ لذلك المشكل، أو على الأقل يقلل من شدّة المصيبة، ولكنَّ الإنسان وبسبب حالة الجزع والاضطراب وعدم التسلط على الأعصاب، وبالتالي عدم تمركز الفكر فإنه لا يجد أمامه نافذة مفتوحة للأمل والحلّ، بل حتّى لو فتحت له الأبواب والنوافذ ليرى حلًا لهذه المشكلة فإنه وبسبب ما يعيشه من حالة الاضطراب والتوتر لا يرى هذه الأبواب والنوافذ، بخلاف ما إذا هدأ لحظة وضبط نفسه لفترة وجيزة، ونظر إلى ما حوله، فسيجد طريق النجاة والحلّ أمامه يسيرًا.

ولكن لا ينبغي الخلط بين إظهار التأثر والحزن مع الجزع وقلّة الصبر؛ لأن قلب الإنسان يتأثر بالحوادث المؤلمة بطبيعة الحال، ويمكن أن تعكس عينه حالة التأثر هذه وتبكي بسبب ذلك. وعليه فإنّ البكاء والحزن على فقد الأحبّة يعد أمرًا طبيعيًا وإنسانيًا. فالمهم هو أنّ الإنسان لا يسلك في المصيبة في خطّ الجزع والشكوى وعدم الشكر ويتكلّم بكلمات لا تنسجم مع الإيمان والعبودية لله تعالى والرضا بقضائه، وفي هذا المجال نقرأ حديثًا عن النبي الأكرم «صلى الله عليه وسلم» يقول: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجُيُوبَ وَدَعا بِدَعْوَىَ الجَاهِليَّةِ».

وسألت أمنا عائشة رضي الله عنها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الطاعون فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ». رواه البخاري.

أخرج البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – عَنْ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وآله وسلم – قَالَ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». وقد ورد في سيرة النبي الأكرم – صلى الله عليه وسلم – أنه عندما توفي ولده إبراهيم بكى عليه بحيث جرت دموعه على خديه الشريفين فقالوا: يا رسول الله أنت تنهانا عن البكاء، ولكنك تبكي لوفاة إبراهيم؟ فقال: «لَيْسَ هَذَا بُكاءً وَاِنّ هَذِهِ رَحْمَةٌ وَمَن لَم يَرحَمْ لا يُرْحَمُ». أي هذا نوع من إظهار المحبة والرحمة الصادرة من العاطفة الإنسانية الّتي يعيشها الإنسان. «وإن العين لتدمع وإن القلب ليخشع وإنا على فراقك محزونون يا إبراهيم».

وتحضرني بعض القصص عن أناس صبروا على ما ابتلاهم به الله تعالى لنرى كم نحن جزعين غير صابرين.

يحكى أن رجلًا من الصالحين مر على رجل أصابه شلل نصفي والدود يتناثر من جنبيه وأعمى وأصم وهو يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرًا من خلقه. فتعجب الرجل ثم قال له: يا أخي ما الذي عافاك الله منه لقد رأيتُ جميع المصائب، وقد تزاحمت عليك. فقال له: إليك عني يا بطال فإنه عافاني إذ أطلق لي لسانًا يوحده وقلبًا يعرفه وفي كل وقت يذكره.

قال الأحنف بن قيس: شكوت إلى عمي وجعًا في بطني فنهرني وقال: إذا نزل بك شيء فلا تشكه إلى مخلوق مثلك لا يقدر على دفع مثله عن نفسه، ولكن اُشكُ لمن ابتلاك به فهو قادر على أن يفرج عنك، يا ابن أخي إحدى عيني هاتين ما أُبصرُ بها من 40 سنة، وما أخبرت امرأتي بذلك ولا أحدًا من أهلي.

لله درهم من صابرين، صبروا على مصائبهم واحتسبوا الأجر من عند الواحد المنان؛ لأنهم عرفوا فائدة الصبر وأجره العظيم عند الله، وتغلبوا على هذه المصائب بقوة إيمانهم وثقتهم بالله سبحانه وتعالى.

فأين نحن من هذا الصبر أو حتى أقل منه! فبالرغم من أن نعم الله علينا كثيرة لا تعد ولا تحصى وعندنا الصحة والأهل والمال، ولكننا دائمو الشكوى والتذمر، وإن أصابتنا مشكلة، أو مصيبة، أو ابتلاء بسيط نلمس الجزع وعدم الصبر.

ونقول أيضًا: إن الصبر لا يعني الاستسلام للواقع كما يتصور البعض. فأكثر الناس يظنون بأن الصبر في السكوت وتحمل الآلام والأحزان والمشاق، وانتظار الفرج من الله!

ويتوقعون أجرًا كبيرًا لقاء هذا؟

وليس الأمر كذلك، ولا تظنوا الصبر في الرضا والسكوت، ومن يفعل هذا يكون آثمًا، وعلى المرء دفع الظلم والهضم عن نفسه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، «إلا إذا كان في أمر لا مرد له»، وإن الصبر أعمق من ذلك، ولهذا تكرر في القرآن، وتنوعت معانيه؛ فالصبر في الحرب «الشجاعة»، والصبر على الغيظ هو «الحلم»، والصبر على الشهوات هو «الإرادة»، والصبر على قدر الرزق هو «القناعة».

رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ «126».

نسأل الله تعالى أن يعجل لنا بنصره وفرجه، وأن يرفع عنا البلاء والوباء ويرحمنا برحمته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العبادة, جوهر
عرض التعليقات
تحميل المزيد