لا تبلغ الأعمال كمالها إلا بالطهارة، فالماء سر الحياة به طهارة الأبدان، وطهارة الجوارح كفها عن الجرائم والآثام، وطهارة القلب خلوه عما سوى الله.

ولن ينال الإنسان الطبقة العالية من الطهارة حتى يجتاز الطبقة السافلة، وكمال الطهارة في أن تتحقق هذه المراتب.

ثم اعلم أن الصلاة ارتباط مع الله فهي معراج الروح إلى حضرة الودود.

إنها أشبه بالتمارين الرياضية التي يُقبل عليها الإنسان بشغف ملتمسًا من المداومة عليها عافية البدن وسلامة الحياة، وفي الصلاة أنت تقابل واجد الوجود الحي الذي لا يموت، الصلاة هي التي يستمد منها خليفة الله في الأرض طاقته ليكمل أداء الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملتها أنت.

وكما أن الإنسان لا يكون إنسانًا موجودًا كاملًا إلا بالحياة والروح وجسمه وأعضائه، كذلك الصلاة لها شكلها ومضمونها حتى تبلغ كمالها، ولو خشع القلب في الصلاة لخشعت الجوارح، ولو بلغت كمالها في الأداء لأثمرت في حياة الإنسان، فهي تطهير من سوء القول وسوءالفعل، فإذا لم تنهك صلاتك عن ظلم الناس قولًا أو فعلًا، إذا لم تنهك عن قول الزور، إذا لم تنهك عن سب وشتم الناس، إذا لم تجعلك إنسانًا رحيمًا عادلًا بقوله وفعله، إذا لم تغيرك نحو الأفضل، فلا داعي لتلك الحركات.

والزكاة عبادة قائمة على تقوية العلاقة الاجتماعية ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب بل هي غرس لمشاعر الحنان والرأفة وتوطيد لعلاقات التعارف والألفة بين شتى الطبقات، عبادة اجتماعية يتعدى نفعها إلى الغير، وهي شكر للنعمة، ونماء للمال، وسد حاجة الفقراء، ولما كان المال معشوق الإنسان وحبيبه جاء الاختبار هنا والامتحان بين المحبوب الأعظم الذي أغنى وأفقر، وأضحك وأبكى، وبين محبوب الناس الوسيلة الدنيوية لقضاء الحاجات، وفي الزكاة العدالة الاجتماعية، بما يتحقق من ذلك مشاعر المودة والرحمة بين الأغنياء والفقراء وكفهم عن السؤال وكفهم عن أفعال قد تكون مبررات لأفعال الشر والسوء، كالسرقة وغيرها رغم أننا نؤكد أنه لا مبرر للشر في العالم.

والصبر المجرد على الفضائل يكمن في الصوم، فرمضان عبادة جوهرها أن يعتق الإنسان نفسه من نفسه قبل أن يعتقها من النار. فليس القصد من الصوم التوقف عن الأكل والشرب وفقط، لكن كمال الصوم في صوم القلب والجوارح، صوم اللسان عن القول الفاحش وصوم اليد عن البطش الظالم، وصوم الأذن عن سماع الغيبة والنميمة، وصوم العين عن تتبع أعراض الناس، وهكذا يبلغ صوم الجوارح كماله، وكما أن الله خص سيدنا محمدًا بالرسالة الخاتمة خص رمضان بالصيام، ‏لكن الإيمان وطاعة الله لا يمكن أن تختزل في شهر، فرب رمضان هو رب الشهور كلها وليكن لرمضان أثر في بقية شهور السنة في حياتك، إنها عبادة لترويض النفس والسيطرة عليها والتحكم بها ورمضان هو نقطة الانطلاق التي تتجدد كل عام.

والحج هو القصد لله تعالى بيت الوحدة الإنسانية، وبيت التوحيد وقبلة الموحدين، وحضارة لا إله إلا الله محمد رسول الله، تلك الرحلة ستعود بك إلى أصلك ستجردك من العلائق التي رافقتك في طريق الحياة ستذكرك بهويتك ووجهتك، رحلة البداية والنهاية.

فالعبادات بهذا الفهم تمثل مدارج الكمال المنشود وروافد التطهر الذي يصون الحياة ويعلي شأنها.

ومن سر الأمر بتكرار العبادات هو تطويع النفس على الفضائل، فإذا لم يستفد الإنسان منها ما يزكي قلبه وينقي لبه ويهذب بالله وبالناس صلته فقد هوى.

– أما النوافل من العبادات فعظيمٌ أجرها، وإذا كانت الفرائض دليل طاعة فالنوافل دليل محبة، وفي الحديث القدسي: «ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» رواه البخاري.

وذِكر الله هو الاتصال المستمر مع الحق عز وجل.

– وذِكره تعالى من كمال المحبة وإن المُحب لذكر حبيبه مكثر، يقول ثابت البناني رحمه الله: إني أعلم متى يذكرني ربي عز وجل ففزعوا منه وقالوا كيف تعلم ذلك؟ فقال: إذا ذكرته ذكرني، وهو القائل: «فاذكروني أذكركم».

وفي فضيلة مجالس الذكر: يقول عليه الصلاة والسلام:«ما جلس قومٌ مجلسًا يذكرون الله عز وجل إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده».

ومطلوب الذكر الأنس والحب فإن المريد في بداية أمره قد يكون متكلفًا بصرف قلبه ولسانه عن الوسواس إلى ذكر الله عز وجل، فان وفق للمداومة أنس به وانغرس في قلبه حب المذكور، وإن من أحب شيئًا أكثر من ذكره، ومن أكثر ذكر شيء وإن كان تكلفًا أحبه.

– وفي اللجوء إليه تعالى يقول:«وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان»

وقال عزوجل: «ادعوني أستجب لكم».

ولكن هل كنت مع الله ليكن معك؟ بعبارة أخرى هل قمت بواجباتك قبل طلباتك؟

هذه ليست دعوة إلى القنوط بقدر ما هي دعوة للتفكر.

ومع هذا سيستجيب لكنك لن تعرف كيفية إجابته.

– تذكر بعد كل هذا أن الله لا يحتاج لنا، إنما العبادات لتجعلنا أفضل في حياتنا هذه ولتجعلنا مؤهلين لندخل جنة الرحمن الرحيم تلك الحياة الأبدية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد