سامي: «العلاقة المتوترة بين الحاكم والمحكوم لم أرها سوى في أذهانكم وفي ألسنتكم الآن، لم أر القتل ولا أناس تسحل في الشوارع ولا تقتل ولا تذبح ولا تسفك».

يحيى: لأنك تعيش في برج العرب يا سيدي، تعيش في برج العرب في دبي.

حوار بين رجلين؛ يحيى وسامي تتعارض آراؤهما وتتشاجر أفكارهما المتضاربة وتتسابق حاسة من المحق؟ حتى تصل إلى حائط مسدود، حيث نجلس أنا وأنت سويًا نستمع إليهما حينًا وننظر الى الحقائق حينًا آخر ونحن نرتشف القهوة ثم نخلق رأيًا معًا.

جوهر الحديث اليوم هو تقديس النملة حتى ترى نفسها فيلًا، تقديس حاكم دولة أو إقليم حتى يبصر نفسه إمبراطورًا يحكم العالم.

لماذا يقدس العرب الحاكم؟

في علم النفس السبيل إلى أن تفرض سيطرتك على إنسان آخر هو أن تجعله يعاني، وهو أسلوب حكامنا العرب المفضل، الأمر لا ينتهي هنا، كل منا بحاجة إلى قدوة، إلى مُثُل عليا، لكن قد تختلط هذه الأمور بالمُثُل نتيجةً للظروف والضغوطات والمعاناة التي حكمت علينا وجعلتنا نبصر أحدهم كما نتمنى؛ فنرى الملاك متجسدًا في حضرة الشيطان، والعدل في بئر الظلم، فنتفانى في حب حاكمنا الرائع الذي جسدناه بخيال يائس وجهل عميق ورومانسية تأبى النظر في عيني الحقيقة، ووقتها أيضًا سنقدسه لأننا لا نراه ونرفض أن نراه، هو قائدنا الفذ، ورباننا الماهر، وهو وحده ومن بين الملايين القادر بـ«حكمته وببصيرته» على توجيه دفة السفينة للنجاة بالبلاد من «بحر الظلمات».

حسنًا، من يريد أن يرى شناعة حقيقة وبوسعه الغرق في جمال الوهم؟

في إحصائية أجرتها قناة الجزيرة موجهة سؤالها للعرب تحديدًا، هل تعتقد أن العرب أكثر شعوب الأرض قبولا للظلم والاضطهاد؟- 75.3% نعم، 24.7% لا.

ربما تبرهن هذه الإحصائية بوضوح أن الوعي تلبسنا أخيرًا بعد الثورات.

ولكن، لماذا نقبل الظلم؟

أدهشتني إجابة العديد من النساء حيث قالوا: لأنه حاكمنا وطاعته واجبة، إن الولاء في الطاعة يحجب عن المرء حقيقة أنه يناصر الظالم بل ويهتف له مشجعًا.

يقولون إن تسعة أعشار الإيمان عندنا في طاعة أمر السلطان لكن حتى لو صلى سكرانًا؟ حتى لو أجرم أو خان؟ حتى لو باع الأوطان؟

ابن قتيبة يقول أن شروط الحاكم: العدالة، والزهد، والعلم، والتقوى، والورع؛ انسجامًا مع تطلعات الناس، يجب على الأمة أن تفوض الحاكم، دلني على حاكم عربي فوضته أمته، نادر، احك لي عن حكام لم يزوروا الانتخابات، كلهم وصلوا بانقلابات وتمكنوا بمؤامرات، كلهم قتلوا وسحلوا وذبحوا واستنزفوا مقدرات الأمة ليظلوا في الحكم وسيظلوا بتهليلنا حتى يحلوا على العرش.

يقول يحيى: نقبل الظلم نسبيًا لأنه ما عاد أمامنا البديل، ثرنا فسال دم إخواننا الطاهر حتى سقى الأرض بالغضب وملأ عبق الهواء بالثورة، وعاد كل شيء لطبيعته.

لا، ما عاد شيء على حاله، ولن يعود يا يحيى؛ لأن إحصائيات تقديس الحكام بعد الثورة أصبحت كالآتي:

هل تعتقد أنه لا يجوز المساس بشخص الحاكم العربي؟ يجوز 86.4%، لا يجوز 13.6%.

فنقلا عن الجزيرة؛ في الاستفتاء نجد أن حوالي 87% من المصوتين يريدون أن يطالوا زعماءهم بما ملكت أيمانهم وأيسارهم.

يقول عبد الرحمن الكواكبي في «طبائع الاستبداد»: (إن أكثر الناس جبنًا في التاريخ هم الطغاة والمستبدون؛ لأنهم يخافون، لأن البعض يقول بالحرف الواحد إنهم كاللصوص؛ كما ترى اللص عندما يدافع عن مسروقاته بأسنانه، وهكذا الأمر بالنسبة للطغاة والمستبدين).

هيهات.. في هذه الأمة شرفاء يهتفون في وجه من يصرّ على تقديس الحاكم: أنت الذي بعت، نحن لم نبع ولو قُتلنا في المنافي، هيهات أن تشمتوا فينا، نحن الذين لم نقدس يومًا سوى إله واحد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد