رغم سيطرة قوات الأسد والقوات المساندة لها على معظم مناطق سوريا التي خرجت عن سيطرتها منذ عام 2011 مع بقاء مناطق في الشمال السوري والشمال الشرقي، إلا أن الأمور التي تحدث في مناطق سيطرته تنذر بأيام سوداء قد تنتظر الأسد ومواليه.

فبعد هدوء وتيرة المعارك خلال ثماني سنوات تلوح الآن في الأفق معركة ربما لم تكن في حسبان الأسد، وطن مدمر، نقص في مقومات الحياة، القواعد الأجنبية التي باتت في كل شبر تقريبًا في البلاد، بينما يزعم النظام السوري أن البلاد قد عادت بالكامل إليه بعدما صارت البلاد محطمة بالكامل، وما تلك المشاهد القادمة من مدينة حلب، ودرعا، والغوطة، وريف حماة، التي تظهر القوات الإيرانية والروسية والميليشيات الشيعة التي تتحكم في تلك المناطق، ولا وجود لقوات سورية تتحكم فيها أبدًا خير شاهد ربما على كذبة الانتصار.

 رئيس لبلد مدمر

استعاد النظام السوري الأسدي السيطرة على معظم المناطق التي كانت خاضعةً لسيطرة الثوار، والفضل يعود إلى التدخل العسكري من حليفتيه: إيران، وروسيا. وانتشرت اللوحات التي كُتِب عليها «مبارك الانتصار»، وصورة الأسد مرتديًا الزي العسكري، ويقف عند نقاط التفتيش العسكرية، لكنَّ البريق الذي يشع من اللوحات يتناقض مع مظهر المدينة المتهالكة.

على مسافة أقل من 15 دقيقة من دمشق في الغوطة الشرقية، توجد منطقة كانت ذات يوم منطقة زراعية مزدهرة استعادها نظام الأسد من أيدي الثوار العام الماضي 2018؛ مما ردع التهديد الأمني لدمشق. تحولت الأحياء برمتها في الغوطة إلى ركام، أما المباني الصامدة فقد جردتها تمامًا عمليات النهب والسلب من محتوياتها. فُتحت الأسواق الآن، لكنَّ عودة الخدمات للدولة تسير بوتيرة أبطأ. وصار الوجود العسكري واضحًا في الكثير من المناطق، ولم تعد بعد خدمات المياه، أو جمع القمامة.

كذلك مناطق: درعا، وحمص، وحماة، وغالب المناطق التي سيطر عليها الأسد الذي بات رئيسًا لبلد محطم يزينه ما فعلته أيدي قواته من ركام وحطام.

لا غاز ولا كهرباء.. هكذا  الأوضاع المعيشية في مناطق سيطرة الأسد

لكن أزمة الكهرباء والوقود والخبز التي ضربت الداخل السوريّ بشدّة في هذه الأيّام الباردة تحرم السوريين من عيش تلك اللحظات؛ إذ تعاني مناطق النظام منذ سنوات من تردّي الأوضاع المعيشية على جميع المستويات علاوة على انتشار الفقر والتسوّل والغلاء بشكل كبير، وتفاقمت الأوضاع منذ أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى اليوم؛ فقد تسببت زيادة أسعار المازوت إلى توجّه السوريين نحو استخدام الغاز المنزلي في التدفئة؛ مما أدى في مختلف محافظات سوريا إلى شح حادٍ في هذا المورد الذي يستعمل للتدفئة والطهي.

وقد وصل سعر إسطوانة الغاز الواحدة في بعض المناطق إلى نحو 17 ألف ليرة سورية، بينما كان سعرها في مناطق متفرقة في ريف دمشق 11 ألف ليرة سورية، أمّا أزمة انقطاع التيار الكهربائي فزادت من معاناة السورييين في ظل موجات البرد المتتالية، ونتيجة أزمة الغاز زادت  أحمال الكهرباء بنسبة 20% مقارنةً مع الفترة نفسها من العام الماضي، بالإضافة إلى ذلك فقد تزامنت زيادة ساعات تقنين الكهرباء للحدّ من استهلاكها في التدفئة مع اهتمام مُحافظة دمشق بتزيين دمشق بإنارة مترفة في احتفالات رأس السنة؛ ما أثار غضب السوريين، ولذلك وصف مهندس خمسيني من سكان ريف دمشق تلك الإنارة «بالهدر الوقح للكهرباء، ففي ريف دمشق لا نرى الكهرباء، وبذلها على هذا النحو خسة وإمعان في إذلال المواطن».

«سيدي الرئيس.. الشعب تعبان، ما في غاز، ما في مازوت، ما في بنزين، ما في كهربا، إجارات بيوت وصلت لمئات الألوف، ما في حليب أطفال، وصل حق العلبة 11 ألف سوري. اللي ما مات من الحرب يموت من القهر والبرد والغلا، وتعبنا عتمة، بدنا نطلع عالضو، بيليقلنا وبيليق ببلدنا العظيم» – شكران مرتجى.

نقص الغاز والكهرباء دفع بالكثير من الشخصيات في سوريا الموالية من فنانين وغيرهم للتعبير عن سخطهم عما وصلت إليهم الحالة في البلاد، كشكران مرتجى، وأيمن زيدان، وبشار إسماعيل، وباسم ياخور.

فقد اعتبر زيدان أن ما يحدث عكر فرحة النصر حسب قوله: لماذا تقتلون بهجتنا بالنصر؟ لا يتوّج إكليل الغار في العتمة.. نحن سكان الضوء نكره صقيعكم وعتمتكم.. شمس دمشق أكبر من تبريراتكم.. دعونا نتدفأ بوطننا الذي نعشق.

انتصرنا، لكن لا معنى للنصر إن لم تعُد لنا أوطاننا التي نعرفها تبًّا للصقيع والعتمة. – زيدان.

البعض الآخر من باقي فئات الشعب عبر عن سخطه بتهديد رئيسه بالانتحار، بينما بعضهم حاول الانتحار في نهر العاصي بحماة بسبب عجزه عن تأمين اسطوانة غاز لأطفاله.

قصف إسرائيلي مستمر

لا يزال الطيران الإسرائيلي يواصل قصفه وبشكل مستمر لعدد من المواقع الأسدية والإيرانية، بل أصبحت إسرائيل تنفذ الغارات قبل أن تعلن عن ضرباتها كما كان يحدث سابقًا، على الرغم من تقديم روسيا للنظام السوري منظومة دفاع جوي S300.

قانون قيصر

في 22 من يناير (كانون الثاني) الحالي أقرّ مجلس النواب الأمريكي بالإجماع فرض عقوبات جديدة على نظام بشار الأسد وداعميه في سوريا، وتشجيع المفاوضات لإنهاء الأزمة.

ويفرض القانون عقوبات جديدة على منتهكي حقوق الإنسان، ويشجع على إجراء المفاوضات، ويأذن لوزارة الخارجية بدعم الكيانات التي تجمع وتحفظ سلسلة الأدلة، من أجل الملاحقة النهائية لمن يرتكبون جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في سوريا.

كما يمنح هذا التشريع المرونة للإدارة الأمريكية، للتنازل عن العقوبات على أساس كل حالة على حدة للحفاظ على استمرار المفاوضات. كما يمكن تعليق العقوبات إذا انخرط طرفا الصراع في سوريا في مفاوضات هادفة، مع ضمان توقف العنف ضد المدنيين. وسيكون تعليق العقوبات قابلًا للتجديد، إذا كان التعليق حاسمًا لاستمرار المفاوضات، ولم يتم استئناف الهجمات ضد المدنيين.

(قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين) يتطلب من الرئيس الأمريكي، فرض عقوبات جديدة على أي شخص يتعامل مع الحكومة السورية أو يقدّم لها التمويل، بما في ذلك أجهزة الاستخبارات والأمن السورية، أو البنك المركزي السوري. وكذلك على من يوفر طائرات أو قطع غيار للطائرات لشركات الطيران السورية، بما في ذلك التمويل. وعلى من يشارك في مشاريع البناء والهندسة التي تديرها الحكومة السورية، ومن يدعم صناعات الطاقة في سوريا.


ولم يمر تشريع القانون بعد في مجلس الشيوخ، مع رفض الديموقراطيين التصويت على أي مشروع قانون خلال الإغلاق الجزئي للحكومة الأمريكية.

عقوبات أوروبية بمنطق جديد على نظام الأسد

قال الاتحاد الأوروبي، الإثنين 21 يناير 2019، إنه سيضيف 11 مسؤولًا تنفيذيًا في شركات، وخمسة كيانات إلى القائمة المتنامية للسوريين الداعمين لجهود الحرب لبشار الأسد، ستُطبَّق عليهم عقوبات المنع من السفر، وتجميد الأصول، وإنهاء الأنشطة الاقتصادية في أوروبا. لكن كيف سيكون شكل هذه العقوبات؟

في حين أن نوعية هذه العقوبات ليست بالجديدة؛ إلا أن منطقها جديدٌ، وقد صرَّح دبلوماسي أوروبي هذا الأسبوع، بأنهم يأملون أن ترسل هذه العقوبات رسالة تحذير للمجتمع الاقتصادي الذي يعتمد عليه النظام السوري الآن في إعادة بناء ما خلفته الحرب.

تشمل القائمة مستهدفين هم في الحقيقة من «الأباطرة»، ولديهم – كمستثمرين ومطورين – مصالح تجارية متنوعة؛ من صناعة المسلسلات، وحتى صناعات السكر والصلب. ولكنهم مرتبطون بصورةٍ أكبر بتخومٍ اقتصاديةٍ جديدة لها آثارٌ كبيرة على مستقبل سوريا: عقارات فاخرة على الأراضي المُصادَرة.

اعتراف نظام الأسد باتفاقية أضنة مع تركيا

بعد العملية المرتقبة التي ستقوم بها تركيا داخل الأراضي السورية، أو مابات يعرف بعملية شرق الفرات، وذلك بعد إعلان الانسحاب الأمريكي من هناك، وإعلان منطقة آمنة، عارض النظام السوري أي عملية تركية داخل الأراضي السورية، ونتيجة المباحثات بين تركيا وروسيا (الحليف الأكبر للنظام أو الحاكم الفعلي في سوريا إن صح التعبير)، اتفق الطرفان الروسي والتركي على دخول الأخير لمناطق داخل الحدود السورية وفقًا لاتفاق أضنة الموقع بين تركيا وسوريا إبان حكم الأسد الأب، والذي يقضي بدخول الجيش التركي أراضٍ سورية بغية محاربة الإرهاب، ويقصد به هنا محاربة حزب العمال الكردستاني.

وبعد موافقة روسيا على ذلك ما كان من النظام السوري إلا الاعتراف بالاتفاقية أيضًا؛ فالعين لا تعلو على الحاجب، وستدخل القوات التركية لمناطق سورية على مرأى ومسمع الأسد ومواليه.

ربما استطاع  الأسد أن يبقى حتى هذه اللحظة، لكنه بقي رئيسًا على بلد محطم مدمر، تحكمه وتتحكم فيه دول أخرى استعان بها على قتل السوريين، لكن بناء على ما سبق، فثمة مؤشرات تدل على أن عام 2019 سيكون الأسوأ للأسد كما كان 2018 الأقسى على الثورة السورية، قد تكون الأيام كفيلة لكشف صحة التنبؤ من عدمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد