خرج الكثير من المراقبين والمحللين السياسيين بالكثير من الكتابات والتحليلات التي تناولت موضوع وصول ترامب للرئاسة في الولايات المتحدة، وفي غالبها كانت تُجمع على حقيقة أن حقبة ترامب القادمة، ستكون وبالاً على العرب وعلى المسلمين بشكل خاص، وعلى العالم بشكل عام، لكن إذا نظرنا إلى الأمور من زاوية أخرى، نجد أن هناك فرصة رائعة ومنحة لا تتكرر للعرب والمسلمين، وباقي دول العالم المستضعفة.

ذلك لأن ترامب إذا ما طبق الذي كان يصرح به بحملته الانتخابية، فإنه سوف يُدخل أمريكا بمشاكل لا حصر لها مع دول العالم، وسوف تفضي تلك المشاكل بالنهاية، لفقدان أمريكا مكانتها لصالح غيرها من الأقطاب العالمية، وسوف يتنفس الصعداء كثير من البلدان، وسيدخل العالم مرحلة تعدد الأقطاب، ينتج عنه توازن عالمي تستفيد منه الدول الضعيفة، على غير الحال الذي كان عندما تفرَّدت الولايات المتحدة بقيادة العالم، وأدخلته بأزمات لا حصر لها، كان للعرب والمسلمين الحظ الأوفر من مآسيها، ناهيك عن باقي شعوب العالم المستضعفة.

ترامب يحارب الإسلام الراديكالي

من تصريحاته التي ذكرها بحملته الانتخابية وعاد التأكيد عليها في أول خطاب له بعد تسلمه الرئاسة، نيته بمحاربة الإسلام الراديكالي، بمعنى محاربة تنظيمات القاعدة وداعش وأخواتها المنتشرة بالعالم، أي أنه سوف يخصص جزءًا كبيرًا من جهد الولايات المتحدة ومن اقتصادها وقدراتها العسكرية، ليجندها ضد ما يعده تهديدًا لبلده. وقد سبق أن جرب جورج بوش الابن وأوباما حظهما من قبله في تلك الحرب، ولم يستطيعوا أن يحدّوا من نشاط تلك الجماعات بل إنه توسع، للدرجة التي جعلت ترامب يتهم إدارة أوباما بأنها أحد أهم الأسباب التي مهدت لولادة تنظيم داعش. والكثير يعلم، أن هناك شواهد كثيرة تدلل على مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول بشكل مباشر أو غير مباشر، في إنتاج تنظيم داعش ومن قبله تنظيم القاعدة، وأن تلك التنظيمات كانت تتصرف كشركة مساهمة تعمل لصالح من لديه أكبر الأسهم فيها. وبالتالي فإن ترامب إذا ما أراد أن يعمل على محاربة تلك التنظيمات عسكريًا وفق طريقته التي أعلنها، فإن المساهمين في شركة داعش والقاعدة سوف يزيدون أسهمهم فيها للدرجة التي تتحول فيها إلى كابوس لأمريكا، وسوف تنتقل نشاطات الإرهابيين إلى داخل أمريكا، وستتحول أمريكا تدريجيًا إلى دولة منكفئة فعلاً على نفسها كما يريد لها ترامب. هناك دول كثيرة تريد لأمريكا أن تختفي في تأثيرها عن المشهد العالمي، مثل روسيا وإيران وحتى الصين وكوريا الشمالية، فتلك الدول سوف تزيد أسهما في التنظيمات الإرهابية لتحويل أمريكا إلى دولة مدافعة عن نفسها مشغولة بتأمين نفسها.

انكفاء أمريكا على نفسها

صرح ترامب أكثر من مرة أن أمريكا تريد أن تنكفئ على نفسها لتهتم بمصالحها تحت شعار أمريكا أولاً، وقد تناسى ترامب أن أمريكا لم تصل إلى ما وصلت إليه من جبروت عسكري واقتصادي، إلا من خلال تدخلاتها الخارجية ورسم الخارطة السياسية العالمية بما يتناسب مع مصالحها، ولم تظهر الولايات المتحدة كقوة عالمية، إلا حينما دخلت بالحرب العالمية الثانية لتنقذ أوروبا من هتلر، بعد أن انتظرت ولم تتدخل، حتى وصلت أوروبا إلى حافة الاستسلام بالكامل لهتلر، بعدها استفادت أمريكا بشكل منقطع النظير، من عمليات الإعمار في أوروبا عبر مشروع مارشال، وشكلت أمريكا منطقة نفوذ لها في أوروبا والعالم، ما زالت حتى الآن تتمتع به، بينما يأتي ترامب اليوم ليتكلم عن عدم فائدة حلف الناتو لأمريكا وأنه ينوي سحب قواته من أوروبا، إذا لم تراع أوروبا المصالح الأمريكية بشكل جيد. إن هذا الفعل سوف يقوض التحالف بين دول الغرب، وهذا ما سوف تستفيد منه الشعوب العربية والإسلامية التي تعاني أشد المعاناة من دعم الدول الغربية للأنظمة الاستبدادية في بلدانهم. إن تصريحات ترامب العنصرية التي طالما سمعناها منه على مدار حملته الانتخابية، سوف يجعل كثيرًا من الشعوب التي استهان بها ترامب توحد جهودها ضده وضد بلده، وسوف تتلاقى مصالح شعوب أمريكا اللاتينية والشعوب العربية والإسلامية لمواجهة التطرف الأمريكي الذي يمثله ترامب، وسوف تجد من يساندها من دول العالم التي يهمها أمر أفول نجم أمريكا بالعالم.

ترامب معاديًا لإيران والمليشيات

وفيما يخص منطقة الشرق الأوسط والتي تعاني من آثار التوغل الإيراني الذي يجتاح بلدانها، ستجد من يناصبها العداء بشكل جاد، ولا يشاركها أحلامها الطائفية، وبالوقت نفسه سوف ينحاز ترامب إلى منافسيها من الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية. سنجد هذا الأمر يتعزز في سوريا من خلال التوافق بينه وبين روسيا وتركيا والسعودية، كما وسنجد آثاره بالعراق بتقليم أظافر إيران فيه، من خلال دعم العرب السنَّة والأكراد، وبما أن ترامب رجل ذو خلفية مالية، فإن لعابه سوف يسيل إلى الأموال العربية، وسوف يجعل من نفسه ومن بلده منفذًا لما تطلبه منه تلك الدول إذا كان العطاء جزيلاً، وقد صرح بذلك علانيةً حينما قال إنه على استعداد أن ينشأ منطقة آمنة في شمال سوريا إذا ما دعمت دول الخليج ذلك المشروع ماليًا، وسوف يعرض عليها النفوذ في مناطق العرب السنَّة في العراق إذا ما شاركت بأموالها في إعمار هذه المناطق بواسطة الشركات الأمريكية. فهو رجل ذو عقلية تجارية يفكر بطريقة الصفقات.

إعجاب ترامب ببوتين

لم يخف ترامب إعجابه ببوتين الرئيس الروسي ذي الشخصية القوية والعدوانية والذي يحاول أن ينقل بلده من بلدٍ غارق بمشاكله الداخلية، إلى بلدٍ له حضور دولي فاعل، ويرى ترامب ببوتين، شخصية مشابهة له في صفاته، وهو من ساعده في الفوز بالانتخابات الأمريكية، فقد اتهمت أجهزة الاستخبارات الأمريكية روسيا علانيةً بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لترجيح كفة دونالد ترامب على حساب منافسته هيلاري كلينتون. لكن تخفيف حالة الاحتقان بين البلدين سوف يمهد إلى منافع تنعكس على العالم أجمع، بينما النزاع بينهما يمهد لحروب بالوكالة في مناطق متعددة من العالم. فقد عرض ترامب على بوتين رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أمريكا وأوروبا على روسيا عقب ضمها لجزيرة القرم ودعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا، مقابل أن تخفض روسيا من ترسانتها النووية، ومن المؤمل أن يتجاوب الروس مع هذا العرض، وعلى الرغم من هذا العرض سوف يزيد من عنجهية الروس، إلا أنه من ناحية أخرى يخفف حالة الاحتقان بين بلديين مهمين ومؤثرين على الساحة العالمية، وإبعاد خطر السلاح النووي عن البشرية جمعاء.

ترامب يدعم سياسات نتنياهو الاستيطانية

أبدى ترامب دعمه اللامحدود لإسرائيل، ودعم سياسة المتطرف نتنياهو الاستيطانية، مما يجعل حل الدولتين أقرب إلى المستحيل، ويقطع آخر شعرة يتعلق بها المؤمنون بمفاوضات أوسلو، والذين يرون بالمفاوضات مع العدو المحتل هي الحل لمعاناة الشعب الفلسطيني، وسيسحب من تحت أرجلهم السلطة الفلسطينية، لتتمايز حينها المواقف ما بين المقاومين والمفاوضين.  كما أن آراء ترامب المتطرفة الخاصة بالشأن الفلسطيني أضاف مشكلة جديدة بينه وبين الأوروبيين، الذين لديهم رؤية مغايرة لرؤيته في هذا الشأن، وهذا ما صرح به قادة أوروبا في مؤتمر باريس الأخير. إن مواقف ترامب تجاه المسألة الفلسطينية سوف توحد الصف الفلسطيني على كلمة سواء، أن لا مجال للمفاوضات مع العدو وأن خيار المقاومة هو الخيار الفلسطيني الوحيد، وسوف يعيد بوصلة المسلمين والعرب مرة أخرى نحو قضيتهم الأساس، قضية فلسطين.

ترامب غورباتشوف أمريكا الجديد

أما فيما يتعلق بالداخل الأمريكي، فإن التصريحات العنصرية التي أطلقها ترامب وموقفه المتشنج من مكونات أساسية للشعب الأمريكي مثل المكسيكيين والسود، وباقي الأقليات الأخرى مثل المسلمين وأتباع الديانات الأخرى، وحتى إيحاءاته العنصرية ضد النساء. فاقم الأمور إلى الدرجة التي جعلت الأمريكان ولأول مرة بتاريخ أمريكا، يخرجون بتظاهرات صاخبة للاعتراض على تنصيب رئيس أمريكي منتخب، وهي سابقة خطيرة لم تحدث من قبل في تاريخ الولايات المتحدة، ولم يقتصر الأمر على هذا فقد خرجت العديد من التظاهرات في العالم الغربي والذي شعر أن نهاية تفوقهم بالعالم ستكون وشيكة على يد ترامب، هذا الأمر سيجعل كثيرًا من الولايات الأمريكية تفكر بالاستقلال بولاياتهم عن الاتحاد الفيدرالي الأمريكي؛ فولاية تكساس مثلاً ذات الغالبية المكسيكية ستفكر بإمكانية استقلالها، وكذلك ولاية مثل تينيسي ذات الغالبية السوداء، كما وأن ولاية كاليفورنيا قد أعربت في أوقات عديدة سابقًا، عن رغبتها بعمل استفتاء للانفصال عن الاتحاد الأمريكي، ذلك لأنها ترى نفسها متضررة منه، وهي الولاية التي تتمتع باقتصاد جيد يمكنها من الاستقلال بنفسها. كل هذا إذا تحقق فإنه سيجعل أمريكا تتنحى عن كونها الدولة الأولى المتحكمة بالعالم. ومن المؤكد أن من غير المرجح أن تحدث هذه الأمور في عهد ترامب، ولكن الأربع سنوات التي سوف يقضيها بالبيت الأبيض، سوف تفتح الباب على مصراعيه ليكمل عملية تفكك الاتحاد الفيدرالي الأمريكي رئيس آخر يليه يكون أضعف منه، ولن تكون له القدرة على التمسك بالاتحاد الأمريكي، إن ترامب سيكون غورباتشوف أمريكا القادم لا محالة، فالثاني فكك الاتحاد السوفيتي سابقًا، وسيفكك الأول الاتحاد الفيدرالي الأمريكي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمريكا, ترامب
عرض التعليقات
تحميل المزيد